في النقاش الفلسطيني السوري حول مقتل نزار بنات: ضحايا ضد ضحايا!

تجدّد النقاش بين بعض سوريين وبعض فلسطينيين، في وسائط التواصل الاجتماعي، على خلفية مقتل الناشط الفلسطيني نزار بنات، بطريقة وحشية ومشينة، على يد مجموعة أمنية فلسطينية اقتحمت منزله واعتدت عليه في الخليل في الضفة الغربية.

مثار الجدل بين الطرفين أن نزار كان من معارضي اتفاق أوسلو ومن كاشفي الفساد، في مواجهة السلطة الفلسطينية، وهو معروف بالجرأة والمثابرة، ما جعل له مكانة بين الفلسطينيين من المحسوبين على المعارضة، رغم عدم اتفاق كثر مع مواقفه وأطروحاته وطريقته. بيد إنه كان، في ذات الوقت، من المدافعين عن نظام الأسد، ومن المعادين المتطرفين للثورة السورية، وهو أمر غريب ومتناقض حقا، ما جعله موضع ازدراء من السوريين والفلسطينيين المؤيدين للثورة السورية العادلة والمشروعة.

في هذا الوضع المتداخل، أو الملتبس، ثمة من اعتبر أن نزار هو ضحية لجريمة اغتيال سياسي، وحشية، تستوجب الرفض والإدانة، في حين اعتبر بعض آخر أن نزار لقي الحتف الذي يستحقه، في نوع من الشماتة، أو التشفّي، ما أدخل النقاش في دوامة من الادعاءات، والاعتراضات، المتبادلة، التي لا مخرج أو لا جدوى منها.

والواقع فإن ذلك النقاش يفضح مشكلات كبيرة في الثقافة السياسية السائدة، سيما في:

أولا، اعتقاد كل واحد من الطرفين بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة والمطلقة، وأن كل منهما له وحده حق احتكار مكانة الضحية، وإن قضيته هي القضية المركزية للعالم. وللإنصاف فذلك مرض فلسطيني أساسا، غذته الادعاءات أو الشعارات العاطفية التي نسجتها الفصائل، لكن عدواها وصلت إلى السوريين في مأساتهم الطويلة والمعقدة والمؤلمة.

ثانياً، يرى كل طرف، عن غير حق، بأن قضية الطرف الآخر تحتل مكانة قضيته أو تأكل من رصيدها. تمثل ذلك مبكّرا في اعتقاد بعض فلسطينيين بأن الثورة السورية أكلت من قضيتهم، أو من رصيدهم، وبعض آخر منهم اعتقد إنها أضعفت محور المقاومة والممانعة (الدجال)، وقد عزز من هذه الصورة السلبية تموضع معظم الفصائل الفلسطينية في صف النظام، في تجاهل مريع لمأساة الشعب السوري، وفي خيانة صريحة لقيمة الحرية المفترضة عند حركات تحرر وطني. في المقابل ثمة سوريون، محسوبين على المعارضة، فكروا بأنه من الأجدى لهم التخفّف من القضية الفلسطينية، كتلميح لإسرائيل، ولتحسين رصيدهم لدى الولايات المتحدة، لعلها ترمي بثقلها لإسقاط النظام؛ الأمر الذي يمكن ملاحظته في غياب خطاب للمعارضة السورية الرسمية إزاء القضية الفلسطينية، مهما كان مستواه.

ثالثا، المشكلة عند الطرفين، فلسطينيين وسوريين، أن انتهاج طريق العنف، أو الصراع المسلح، كانت له ارتداداته السلبية عليهم، على ثقافتهم، وعلاقاتهم البينية، وعصبيتهم. وقد شهدنا ذلك في اقتتالات الفصائل الفلسطينية (في لبنان وفي الأرض المحتلة سيما في غزة)، مع اعتقالات وسجون مفتوحة لمناصري هذا الفصيل أو ذاك من قبل سلطتي الضفة وغزة. وللأسف فهذا ما شهدناه، أيضا، في تجربة فصائل المعارضة المسلحة السورية، في الاقتتال الدامي فيما بينها، وفي طريقة تعامل تلك الفصائل مع شعبها، بما فيه اعتقال نشطاء، في ما يسمى “المناطق المحررة”، وضمن ذلك قصة السجون، بخاصة سجن “التوبة” لصاحبها “جيش الإسلام” في الغوطة”؛ إذ قلة من سوريين أدانوا صراحة العرض المشين والمهين لهذا السجن، الذي جرى وقتها (نوفمبر 2015)، على اعتبار أن الضحايا من البيئة الموالية للنظام؛ وكلها أمور أضعفت الثورة السورية، وقوضت اجماعات الشعب السوري، وأودت بصدقية فصائل المعارضة إزاء شعبها، وخدمت النظام في المحصلة.

رابعا، واضح من كل النقاش، وتبعا لكل ما تقدم أن الطرفين يعانيان في الحقيقة من افتقاد أو تشوش معنى قيم الحرية والكرامة والعدالة، باعتبارها قيم أخلاقية، أي فوق سياسية، يجب الاحتكام إليها، أو التحصّن بها، لأنها هي جوهر المعنى الإنساني للكفاح من أجل حياة أفضل، سواء في حركات التحرر الوطني، أو في الكفاح من أجل التغيير السياسي، والتخلص من الاستبداد. ومعلوم أنه حتى في الحروب ثمة رفض لجرائم الحرب، ولانتهاكات حقوق الإنسان، وأن القانون الإنساني يطالب حتى للمجرمين بمحاكمات وعقوبات عادلة.

المفارقة، بعد كل ما تقدم، أن بعض سوريين، في حماسهم لهجاء نزار، لم يلاحظوا أن من قتله هي سلطة تحابي نظام الأسد أصلا، أي إنها لا تقف في صفهم، ثم إن موقف هذه السلطة، مع فصائل، هو الذي رسم وعي كثر من فلسطيني الداخل، من الثورة السورية، بطريقة سلبية أو ضدية، فما العمل إزاء هؤلاء، وكيف يمكن إقناعهم؛ هذا أولا. ثانيا، المسألة لا تتعلق بتمجيد نزار، أو غيره، ولا تتعلق البتة بتبييض صفحته، وإنما بكونه ضحية قتل بطريقة مهينة ووحشية بكل معنى الكلمة، وهنا محك الوقوف مع القيم. ثالثا، ما غاب عن بعض سوريين، أيضا، أن نزار لم يكن صاحب سلطة، ولا حزب، ولا ميلشيا، ولم يقم بأي فعل ضد السوريين، رغم كل مواقفه المدانة والمرفوضة. رابعا،هل كان المطلوب التصفيق للسلطة، أو السكوت عن الجريمة، أو تبرئة المجرم؟ وحينها ماذا بشأن قيم الحرية والكرامة والعدالة؟ وما مكانة أصحاب القضايا النبيلة، أو ما الذي يتبقى منهم، إن تشبهوا بأعدائهم أو تبنوا قيمهم، كردة فعل أو في لحظة غضب أو تشفّي؟

في المحصلة، فقد كان يمكن تثمير ذلك النقاش بالتمييز، مثلا، بين إدانة عملية القتل، والاغتيال السياسي، التي قامت بها سلطة، وبين المواقف المرفوضة والمدانة، جملة وتفصيلا، للضحية، الذي ذاق بعض ما يعانيه السوريون من سلطتهم، التي يدافع عنها، وهو ما توافق عليه بعض فلسطينيون وسوريون. وكان يمكن، أيضا، ملاحظة أن نزار كان في إطار مجتمعه، وسلطته، يقوم بما يعتقد أنه دوره من أجل التخلص من التسلط والفساد، كما يقوم سوريون بذلك في مجتمعهم، وبلدهم، مع رفض نزار الآخر، في وجهه السوري، لكن في الحالين لم يستطع البعض التمييز بين هذا وذاك، في عقلية تأبى إلا النظر الى الكلي والمطلق؛ وهو أمر كان حصل في مرات وحوادث سابقة، ربما كنتاج لضعف المبنى السياسي والثقافي للحركة الوطنية الفلسطينية وللحركة السياسية السورية، في آن معا.

قصارى القول، لا يمكن العمل من أجل عالم أفضل، وإنسان أفضل، إلا بالتشبث بالقيم النبيلة، قيم الحرية والكرامة والعدالة، كقيم فوق سياسية، لا يشترط ولا يقايض عليها. ومع هذا النقاش ومن دونه، فإن الفلسطينيين والسوريين معا في ذات الألم وذات الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *