في الردّ الفلسطيني على موجة التطبيع العربي

نكبتنا ونكباتنا...

أصبحت الامارات العربية المتحدة رسمياً الدولة الثالثة التي توقع اتفاق سلام مع إسرائيل في جو من التوقعات أن دولاً عربية، وتحديداً خليجية، ربما تلحق قريباً. القيادة الرسمية الفلسطينية أدانت بشدة واعتبرت الاتفاق خيانة للقدس، رغم أن السلطة الفلسطينية لا تلجأ عادة الى استخدام مصطلحات “خيانة” أو أخرى متطرفة فيما يخص مواقف الدول العربية تجاه فلسطين.

لم تكن القيادة الفلسطينية بموقف أضعف مما هي عليه في الآن، ولربما كان ذلك سبباً أو محفزاً للخطوة التطبيعية التي أقدمت عليها أبو ظبي. لقد انقسم الاقليم الى ثلاث محاور رئيسية في شرق المتوسط والمنطقة ككل. فهناك المحور التركي الليبي القطري والذي دعمته إيطاليا في الملف الليبي، وبالمقابل هناك محورا آخر يضم مصر والسعودية والامارات وإسرائيل والبحرين وفصيل حفتر في ليبيا دعمتهم اليونان وفرنسا وقبرص اليونانية في شرق المتوسط المتفجر حول أزمة الغاز وترسيم الحدود البحرية. وطبعاً هناك محور ما يعرف ب “المقاومة” المتمثل بإيران وسوريا والعراق وحزب الله. السلطة الفلسطينية هي غير موجودة على خارطة التحالفات هذه ومن المستبعد أن تنضم الى أي منها بالمدى المنظور. لقد كانت سابقاً ضمن المحور السعودي حتي ظهر ترامب بخطته المشؤومة “صفقة القرن” والتي وجدت آذاناً صاغية من دول هذا المحور فمن هناك بدأ الشقاق بين السلطة وبينهم.

أن تكون خارج المعادلة الإقليمية فهذا يضيق الخيارات بالنسبة لك علي اعتبار أن السياسة هي عبارة عن تحالفات وتوازن قوى ومن الصعب لطرف ضعيف أصلاً أن يوازن قوى ويناطح كل هذه التحالفات بمفرده. السلطة الفلسطينية هي عملياً تحت حصار شبيه بذاك الذي فرض على الرئيس ياسر عرفات والفرق الوحيد هو أن الحصار الحالي هو غير معلن، فعباس حبيس مقر إقامته في رام الله غير قادر على السفر الى الخارج.

وبما أن السلطة الفلسطينية فاقدة للقوة الصلبة بمفهوم نظريات الواقعية السياسية، فمن الأفضل والأجدى لها في الوقت الراهن التفكير بتفعيل القوة الأخلاقية، سمها القوة الناعمة ايضاً إن شئت، الكامنة في عدالة القضية الفلسطينية. على خلاف القوة التي تحرك السياسة الدولية بالوقت الراهن وتحديداً منذ قدوم دونالد ترامب للحكم وتهميشه للأخلاق في العلاقات الدولية، تمتلك القضية الفلسطينية رصيد هائل من القوة الأخلاقية المتمثلة بشرعيتها وعدالتها التي يتفق مع ذلك مع القاصي والداني في العالم كله وليس فقط في المحيط العربي. ومن الضروري للقيادة الفلسطينية أن تغير من طبيعة المواجهة في الوقت الراهن لتكون ضمن الساحة الأخلاقية التي يتفوق فيها الفلسطينيون أضعافاً مضاعفة على إسرائيل فيها وليس بلعبة السياسة الواقعية التي تمتلك بها إسرائيل كل أوراق القوة خصوصاً بعد تطبيع دول عربية معها كانت في السابق تمثل العمق العربي للشعب الفلسطيني.

سيقول البعض ما فائدة القوة الأخلاقية اذا كنا لا نمتلك رصيداً كافياً من القوة الصلبة، وهذا تساؤل مشروع. ولكن من الضروري جداً عدم التقليل من فاعلية القوة الأخلاقية في السياسة الدولية، فالسود في جنوب افريقيا انتصروا بالقوة الأخلاقية التي رفضت الابارتايد القبيح وناضلوا من أجل عدالة قضيتهم، وكذلك انتصر السود في أمريكا نفسها على التمييز العنصري هناك بفعل نضالهم الأخلاقي الذي قاده مارتن لوثر كينج. نعم، لقد حارب الفيتناميون الولايات المتحدة، ولكن كان لصورة الطفلة الفيتنامية العارية التي أحرقت جسدها قنابل النابالم الأمريكية الدور في تفجير المظاهرات في شوارع الولايات المتحدة التي اضطرت واشنطن الى الانسحاب تحت الضغط الدولي وفي الداخل ايضاً.

الرد على موجة التطبيع العربي تكون بالقوة الأخلاقية التي تمتلك بها القضية الفلسطينية ميزة نسبية ورصيداً هائلا لا يوازيها أي طرف آخر. وهذا يعني عدة قضايا منها، التأكيد على تحالف الفلسطينيين مع الشعوب العربية التي لم تبخل يوماً على فلسطين لا بالمال ولا بالأرواح، ونعم فإن القدس ما زالت أولية بالنسبة للشعوب العربية من المحيط الى الخليج رغم ما تكابده من ويلات وظلم واضطهاد علي يد جلاديها. ويكفي الاشارة انه وفي اليوم الأول للإعلان عن التطبيع تصدر هاشتاغ “التطبيع خيانة” في معظم الدول العربية وعلى رأسها الشعوب الخليجية الوفية تاريخياً للقدس وأولى القبلتين.

ثانياً، ضرورة تحييد الرموز الوطنية للدول الشقيقة أي مظاهر للاحتجاج والتعبير عن الغضب. فمن الأمثلة الناصعة في هذا المضمار ما قام به المؤتمر الوطني الجامع في نابلس بافتتاح مؤتمره المعارض للاتفاق بالنشيدين الوطنيين الفلسطيني والاماراتي ورفع العلمين الفلسطيني والاماراتي ايضاً وزينت صور الشيخ زايد رحمه الله جدران المؤتمر. هذا تعبير عن رفض التطبيع بطريقة متقدمة ومسؤولة وبناءة أيضاً تميز بين الشعوب والحكام ولا تتنكر للتاريخ ايضاً، والشيخ زايد هو جزء من هذا التاريخ. ضروري ان يتحلى الفلسطيني بالمسؤولية العالية في الردود، والابتعاد عن الشتائم والمناكفات غير المجدية والتي فقط تورث الضغائن مع الشعوب الحليف الأول للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وهو لا ينسجم مع عدالة القضية التي يحملها طبعاً.

ثالثاً: على الفلسطينيين بناء جبهة عالمية تستند الى القيم الكونية بالمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية ومحاربة التمييز العنصري أينما حل. على القيادة الفلسطينية الاعلان عن الكيان الإسرائيلي نظام ابارتايد رسمي في فلسطين وتدعو العالم للانضمام لمقاومته. لقد ترددت القيادة الفلسطينية كثيراً بمواجهة إسرائيل اخلاقياً وحان الوقت لإنهاء حالة التردد وتبني حالة مواجهة مشابهة لنظام جنوب افريقيا، ويكفي ان تتذكر القيادة الفلسطينية أن من أجل خطط الضم لأراضي الضفة الغربية هو الموقف الأوروبي والأمريكي على مستوى الكونغرس والحزب الديمقراطي والقيادات الشابة ونعم بعض قيادات ما يعرف بالليبرالية الصهيونية في أمريكا، وليس التطبيع الاماراتي كما يسوق له البعض. شعوب أوروبا والولايات المتحدة نفسها هم الحلفاء الجدد لمعركة أخلاقية فلسطينية مع نظام البانتستونات الإسرائيلي على الساحة الدولية. فهذا بيتر بينارت يتنازل عن “يهودية الدولة” في صحيفة النيويورك تايمز، وهذا الممثل اليهودي الكندي اللامع سيث روغن يصرح علناً أنه تم تربيته على أكذوبة إسرائيلية، وحتى اليمين البريطاني المتمثل ببوريس جونسون ضاق ذرعاً بالتمييز العنصري الإسرائيلي وأعطى موقفاً غير مسبوق للأيام التي سبقت موعد الضم، وذلك لعدم قدرته على تفسير موقف مغاير لقواعده الانتخابية. لقد أصبحت المحاكم الامريكية تعج بالحالات التي يرفض البعض فيها التوقيع على عدم مقاطعة إسرائيل كشرط للحصول على تمويل حكومي، واذا استمر الحال وزادت وتيرته ستنتقل المعركة بين الحكومة الامريكية والمواطن الى المحاكم الامريكية. على القيادة الفلسطينية تغيير أدوات المواجهة ونقل المنازلة الى المربع الأخلاقي التي تتفوق به عالمياً على كيان يميني عنصري ومع حلفائه المطبعين الجدد.

رابعاً وحتى تستطيع القيادة الفلسطينية تغيير طبيعة المواجهة والدخول في “منازلة أخلاقية” فلا بد لها من تفعيل أدوات القوة الناعمة والمتمثل في حالتها بالمساءلة والشفافية والإصلاحات السياسية الحقيقية. لا يمكن للشعوب العربية والعالمية ان تنقاد وراء من ترى فيه فاسداً ومنقسماً حتى لو لم يمكن كذلك. على القيادة الفلسطينية أن تثبت للعالم أنها الأجدر أن تتبع، فالصراع هو بين من يمكنه تقديم النموذج الأمثل.

بتحويل المواجهة الى قضية أخلاقية ستصطدم الحكومات العربية والغربية على السواء مع الشعوب لأن نبض الجماهير وموازينها الأخلاقية لا يخطئ وهي تنحاز دوماً الى العدالة والكرامة الإنسانية وعندها لن يضير فلسطين من يطبع. ولتتذكر القيادة الفلسطينية وغيرها أن معركة يقودها دونالد ترامب لن يكون من الصعب الانتصار عليها أخلاقياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *