“فوروم كوهيلت”.. الجمعية اليمينية الأكثر نجاحاً وتأثيراً خلال العقد المنصرم


رئيس منتدى “فوروم كوهيلت” وعمل محموم لسنّ “قانون القومية الإسرائيلي”

كان من أبرز تجلّيات هيمنة اليمين الصهيوني على المشهد السياسي الإسرائيلي خلال العقد المنصرم الظهور والانتشار المتزايد للجمعيات اليمينية- على مختلف التوجّهات المنضوية تحتها- في المجالات الهامّة في الدولة ومشروعها السياسي؛ المجتمع المدني؛ الاستيطان؛ الإعلام؛ التربية والثقافة…. إلخ. وقد استند اليمين في توجّهه هذا إلى الفرضية القائلة بأن اليمين وعلى الرغم من وصوله إلى سدّة الحكم (بالانتخابات)، إلّا أنه يُعاني باستمرار من ضعف قدرته على الحكم و”تحقيق” مشروعه بسبب توغّل اليسار، أو تجّذره، في المؤسسات الهامة كالإعلام والقضاء والمجتمع المدني- على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما يُفسّر المحاولات الحثيثة التي يبذلها اليمين الصهيوني لإعادة موضعة نفسه، حاضراً ومستقبلاً، والأهم؛ ماضياً، في المشهد الإسرائيلي بوصفه شريكاً، بل وفاعلاً رئيساً في المشروع الصهيوني وأهدافه التي يسعى لتحقيقها على المدى البعيد.

“من يمسك قلماً؛ يملك السلطة”….”نحن دماغ اليمين الإسرائيلي، معظم ما يقوم به اليمين يأتي من خلالنا”- هكذا وصف موشيه كوبل، رئيس جمعية “فوروم كوهيلت” اليمينية طبيعة عمل وقدرة جمعيته، وذلك خلال مؤتمر المحافظين في إسرائيل في العام 2019 وفي مقابلة أجراها مع موقع “عامي” الأميركي اليهودي. وهو تعبير مجازي وصف من خلاله كوبل- المستوطن الذي يقطن في مستوطنة إفرات الجاثمة على أراضي المواطنين الفلسطينيين في المنطقة الواصلة ما بين مُحافظتي بيت لحم والخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلّة- القدرة الكبيرة التي يمتلكها المنتدى في التأثير على القرار السياسي وعلى المجتمع الإسرائيلي عموماً خلال العقد المنصرم.
سنحاول هنا التعريف بهذا المنتدى؛ تأسيسه؛ أهم أفكاره وأهدافه، بالإضافة إلى مصادر تمويله وعلاقاته بالأجهزة الرسمية الحكومية.

تُعدّ جمعية “فوروم كوهيلت” إحدى أبرز الجمعيات اليمينية التي ظهرت خلال العقد المنصرم، وتحديداً في العام 2012، بمبادرة من البروفسور موشيه كوبل بالتعاون مع كلّ من أبراهام ديسكين وآفي بال وغيدي سبير وميخال سرئيل (أحد أهم خبراء الاقتصاد في وزارة المالية خلال تلك الفترة). وقد تم تعريف الجمعية كمعهد للأبحاث يتبنّى رؤية محافظة بهدف “الحفاظ على، وترسيخ، مكانة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، وتعزيز الديمقراطية الإسرائيلية والحريّات الفردية، بالإضافة إلى تشجيع تطبيق مبادئ السوق الحرّة فيها”، ويقع مقرّها في مدينة القدس. [1]

تنشغل “فوروم كوهيلت”، ومن خلال عشرات الباحثين الذين يتبنّون الفكر اليميني المحافظ، في محاولة التأثير على المستوى السياسي الإسرائيلي، بل وفي هوية إسرائيل ككل. وتعمل في سبيل ذلك على إعداد أوراق السياسات وأوراق العمل وعلى عقد المؤتمرات الدورية التي تتناول القضايا الأكثر أهمية والمؤثّرة في ترسيخ مكانة إسرائيل “كدولة قومية للشعب اليهودي” والتأثير على صانعي القرار الإسرائيلي في سياق سعيهم لتحقيق ذلك. وعلى الرغم من هذه الأهداف المُعلنة، فالحقيقة أن هذا المنتدى يتعدّى تأثيره ما هو مُعلن؛ حيث تكشف العديد من التصريحات لكوبل- المؤسس ورئيس المنتدى- إلى جانب التقارير التي تُسلّط الضوء على الدور الحقيقي الذي يلعبه المنتدى، أنه أصبح وخلال سنوات قليلة يمتلك تأثيراً عميقاً في الرأي الإسرائيلي- الرسمي على الأقل، وهذا ما يُمكن ملاحظته من الدور الكبير الذي لعبه المنتدى في الصيغة النهائية لـ “قانون القومية”، بل إن كوبل نفسه كان قد قام بصياغته قبل 15 عاماً من إقراره رسمياً كـ “قانون أساس” ضمن القوانين الإسرائيلية في العام 2018، وعمل خلال هذه المدّة، ومن خلال وسائل وأدوات التأثير المختلفة على أعضاء الكنيست والأحزاب، على الترويج له وتقديمه كمشروع قانون للتشريع إلى أن تم تشريعه بالفعل في ذلك العام.

“إن عدد الباحثين الكبير في المنتدى لا يُعبّر عن الرغبة الكبيرة في إعداد الأبحاث والتقارير وإنّما عن الرغبة في إحداث التأثير الحقيقي، وتغيير الدولة بشكل جذري”- هكذا وصف تحقيق أعدّته صحيفة “هآرتس” حول المنتدى وطبيعة عمله في مطلع العام الحالي. [2] إن العمل في الظلّ بعيداً عن وسائل الإعلام هو قرار استراتيجي بالنسبة للمنتدى وأعضائه، وبصماته تظهر في التفاصيل الدقيقة؛ حيث أروقة الكنيست وفي الوزارات الحكومية؛ في القوانين؛ الالتماسات في المحاكم والاستشارات القانونية ذات التأثير بعيد المدى، وليس ذلك فحسب، بل يمتدّ نشاطه ليصل إلى حدّ التدخّل في الحملات الانتخابية للأحزاب؛ وقد برز دوره في الانتخابات الأخيرة، حيث صادق أعضاء من فريق المنتدى على البرنامج الاقتصادي لكتلة “أمل جديد” بقيادة جدعون ساعر؛ وعلى خطّة تطوير المستوطنات لنير بركات من كتلة الليكود، بالإضافة إلى استشارات قانونية وفنية مهمّة لكتلة “يمينا” البرلمانية بقيادة رئيس الحكومة الحالي نفتالي بينيت. إن هذا النشاط العابر للأحزاب- على الرغم من أن كوبل نفسه هو عضو في الليكود- يُدلّل على حرص المنتدى على عدم الارتباط بحزب سياسي مُعيّن؛ فالهدف هو التأثير، والتأثير يأتي من خلال العمل مع الجميع دون استثناء، ويتراوح هذا العمل ما بين تزويد أعضاء الكنيست بالبيانات والوثائق القانونية اللازمة، وحتى مشاريع القوانين الجاهزة للتشريع (كما حصل في “قانون القومية”)، وهو العمل الذي يُمكن من خلاله فهم العلاقة المتينة التي تربط المنتدى وأعضاؤه مع كلّ من أعضاء الكنيست نير بركات وأمير أوحانا ويوآف كيش من الليكود؛ ومع بينيت وأييلت شاكيد ومتان كهانا من “يمينا”، ومع زئيف إلكين وتسفي هاوزر وشران يحزكيل من “أمل جديد”.

يسعى منتدى “فوروم كوهيلت” لإبقاء مصادر تمويله ضمن خانة “مموّلين من القطاع الخاص ورجال أعمال أميركيين”، كما يظهر من المقابلات التي أُجريَت مع كوبل على مدار السنوات، لكن تحقيقاً أعدّته “هآرتس” مؤخراً أظهر أن تمويل المنتدى الذي يمرّ عبر عدّة جمعيات خيرية في الولايات المتحدة يأتي من جيفري ياس وآرثر دينتشيك على وجه التحديد، وهما رجلا أعمال يهوديان أميركيان من أكبر المساهمين في تمويل الحزب الجمهوري الأميركي وخاصّة مُمثّلي “الجناح الترامبّي” فيه، وهما أيضاً شريكان في شركة استثمار أميركية ضخمة باسم “سسكاونا”، ولديهما مساهمات ضخمة في منظّمات الأبحاث الليبرالية المحافظة التي تُشبه توجّهاتها مواقف “فوروم كوهيلت”، وتربطهما علاقات متينة بجميع الطاقم الذي شغل مناصب هامّة في البيت الأبيض خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ولا سيّما وزير الخارجية مايك بومبيو.

إجمالاً، يُعدّ “فوروم كوهيلت” تجسيداً للتحالف الأيديولوجي- الاقتصادي اليميني المحافظ اليهودي الأميركي- الإسرائيلي على مستوى المجتمع المدني، وهو التحالف الذي شهد انتعاشاً كبيراً خلال فترة ولاية ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو. كما أن مشروع “فوروم كوهيلت” اليهودي الاستراتيجي الساعي للحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل وتعميقه، يعمل بشكلٍ محموم على “خلق” و”تنمية” مجتمع مدني يميني مُحافظ في إسرائيل يُسيطر على مناحي الحياة المُختلفة استناداً إلى رؤية أيديولوجية- اقتصادية يمينية محافظة على غرار النموذج الأميركي؛ حيث الجمعيات والمعاهد البحثية اليمينية المحافظة المؤثّرة في السياسات الداخلية والخارجية كما ظهر جلياً خلال فترة ولاية ترامب، وهو المشروع الذي يتجاوز دور التأثير الداخلي (يَمنَنْة المجتمع الإسرائيلي) ليتصدّر أيضاً العداء للفلسطينيين في كافّة أماكن تواجدهم في فلسطين التاريخية.

1.للاستزادة، أنظر/ي موقع المنتدى على الشبكة: 

https://bit.ly/3Ds20sH.2.نتانئيل شلوموفيتش، “كيف وُلد فوروم كوهيلت، الجسم الأكثر نجاحاً لليمين في العقد المنصرم، ومن يُموّله؟”، هآرتس، 11.03.2021. 

عن مركز مدار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *