فلسطين بين الحقائق والفرص

لا بد في ظل التعقيد الشديد الذي تمرّ به القضية الفلسطينية من مراجعة حقائق أساسية تحدد الواقع القائم، واستشراف الفرص والوسائل والأهداف الضرورية لتغيير هذا الواقع، لمصلحة الشعب الفلسطيني.

الحقيقة الأولى، أن شراسة كيان الاحتلال في التوسع الاستيطاني، والاعتداءات الفاشية على الشعب الفلسطيني، والتكريس الوقح لنظام التمييز والأبارتهايد العنصري، تعود إلى استمرار الخلل في ميزان القوى لمصلحته.

الثانية، تغيير ميزان القوى لن يصير من دون تبنّي استراتيجية وطنية كفاحية تناهض الاحتلال ونظام الأبارتهايد، وتنظّم خوض كفاح شعبي واسع وموحّد ضده.

الثالثة، مواصلة المراوحة في نفق اتفاق أوسلو والمراهنة على مفاوضاتٍ لن تحدُث، أو على دور أميركي لا يمكن أن يتجاوز حالة الانحياز المطلق لإسرائيل، مراوحة تدور في الفراغ، ومراهنة على سراب.

الرابعة، استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني من أهم الأسباب المغذّية للخلل في ميزان القوى، وأكثر العوامل التي تستغلها الحكومات الإسرائيلية للتهرّب من تطبيق القرارات الدولية ومن كل عملية سياسية.

الخامسة، هناك ازدواجية في المعايير الدولية، لدى الحكومات كلما تعلق الأمر بفلسطين، ومعظم الأطراف الدولية تبحث عن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط حتى لو على حساب التغاضي عن استمرار الاحتلال واضطهاد الشعب الفلسطيني، وعن جرائم الحرب التي تُرتكب ضده، وهذه الأطراف لا تتدخل إلا عندما تضطرب حالة الاستقرار، كما جرى بفعل الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى.

السادسة، هناك تحوّل عالمي كبير على مستوى الشعوب، والأجيال الشابة لمصلحة الشعب الفلسطيني، يتجلّى في نشاط حركة المقاطعة، وفي مواقف الجامعات، والأحزاب، والنقابات، وبشكل خاص في نشاط مؤسسات المجتمع المدني. لكن هذا التحوّل يحتاج، كي يترجم إلى تأثير ملموس، إلى قيادة فلسطينية موحّدة، وواضحة في توجهها النضالي، وحاسمة في رفض المساومة على حقوق الشعب الفلسطيني.

السابعة، إسرائيل، ورغم امتلاكها قوة عسكرية ضخمة، وأسلحة نووية، وتقدم تكنولوجي واقتصادي، أصبحت مجتمع رفاه وثراء، لا يحتمل مواجهاتٍ واسعة ومستمرّة، وتتقلص مع الزمن درجة استعداده لتحمل الخسائر في أي مواجهة، بل إنه يعاني من حساسية شديدة للخسائر البشرية، والخسائر الاقتصادية، وكذلك الخسائر الأخلاقية والمعنوية، وهذه الحساسية الثلاثية تحدّ، بشكل متواصل، من الاستعداد الإسرائيلي لاستخدام القوة، إن كان هناك ثمن يدفع مقابل استخدامها.

الثامنة، فقدت المنظومة الإسرائيلية الاندفاعية الطلائعية التي جسّدتها الحركة الصهيونية في بداية نشوئها، بل إن الثراء الذي حققته من استغلال الأراضي الفلسطينية المحتلة وثرواتها ونهبها، والاستغلال البشع للعمّال الفلسطينيين، قد أفسد الاندفاعية، وأنشأ مجتمعاً حافلاً بالتناقضات التي تواصل التفاقم، وأحد مظاهرها تكرّر الحاجة لإجراء الانتخابات خمس مرات في أربع سنوات.

التاسعة، وسم إسرائيل بصفة الأبارتهايد، إلى جانب أنها قوة احتلال مارست التطهير العرقي والاستعمار الاقتلاعي، يسبّب لها نزفاً في الهيبة، والمكانة، والمعنويات سيتزايد ويتعاظم، ولا تستطيع وقفه أي قوة عسكرية مهما عظم شأنها.

وفي محاولة استشراف الفرص والمستقبل، يبدو جلياً أن ميزان القوى المختلّ لمصلحة إسرائيل قابل للكسر، إن توافرت عناصر الاستراتيجية الناجحة لدى الفلسطينيين. وأولها، التخلي عن أوهام الماضي بإمكانية الوصول إلى حل وسط مع الحكومات العنصرية اليمينية الإسرائيلية، ومع الحركة الصهيونية، والاستعداد لتبنّي نهج وطني مقاوم، وليس متفاهماً أو منسقاً مع الاحتلال وأدواته. أي تبنّي استراتيجية وطنية كفاحية بديلة لنهج الماضي الذي فشل. وثانياً، إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني، عبر تشكيل قيادة وطنية موحّدة تضم جميع القوى الفلسطينية على أساس الاستراتيجية المذكورة، وبآلية الشراكة الديمقراطية التي لا ينفرد فيها أي فرد، أو فصيل، أو تنظيم بالقيادة، أو بادّعائها. وثالثاً، استعادة ثقة الشعب الفلسطيني عبر الانتخابات الديمقراطية الحرّة، للرئاسة ومجلس وطني فلسطيني جديد بجزأيه في الخارج والداخل (المجلس التشريعي) يعيد إلى منظمة التحرير الفلسطينية هيبتها، ودورها النضالي، ويعزّز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني، لمنع أي محاولةٍ للمساس بحقوقه، ودرء أي ادّعاء من أي طرفٍ بقدرته على الحديث نيابة عن الشعب الفلسطيني، وعن ممثليه الحقيقيين. ورابعاً، بناء تكامل حقيقي بين مكونات الشعب الفلسطيني، ونضالها، في الداخل والخارج والأراضي المحتلة، تكامل يجسّد حالة الوحدة التي عاشتها القدس وفلسطين في معارك القدس والمسجد الأقصى وحيّ الشيخ جرّاح. وخامساً، إيلاء اهتمام خاص لنهوض شبابي فلسطيني واسع على الصعيد الدولي، لتجنيد حركات التضامن والمقاطعة، والتواصل مع الحركات والحراكات التقدّمية في العالم بأسره، وذلك يشمل الاستخدام الفعّال لوسائل الاتصال الاجتماعي، ولكن بروايةٍ موحّدة، وتنظيم فعال على أساس مركزية الرسالة، وحرية ولا مركزية الانتشار والنشاط والإبداع.

لا يوجد أدنى شك لدي بأن آفاق المستقبل لقضية فلسطين رحبة، وهي أوسع بكثير من أزقة التطبيع النتنة التي يحاول الإسرائيليون استخدامها لإحباط الشعب الفلسطيني. .. مفتاح المستقبل بيد الفلسطينيين، وليس بيد غيرهم، ولكن أي مفتاح لا يمكن أن يعمل، من دون يدٍ تحمله، وعقل راجح يوجهه، وإرادة حرّة تحرّكه.

عن العربي الجديد

Author: مصطفى البرغوثي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.