فلسطين بين الانقسام والتحديات الكبرى: هل من أفق للخروج من المأزق؟

في خضم مشهد دموي متواصل في قطاع غزة، وحرب استنزاف لا تبدو لها نهاية واضحة، تشتد الأزمة الفلسطينية من الداخل، ليس  بسبب الحرب وحدها، بل أيضًا نتيجة الانقسام السياسي العميق الذي يتفاقم بين مكونات الساحة الفلسطينية، وخصوصًا بين السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس ، وحركة حماس التي من المفروض أنها تقود المواجهة العسكرية مع إسرائيل في قطاع غزة .

ما يجعل المرحلة الحالية أكثر خطورة من سابقاتها، هو أن الشرخ الداخلي لم يعد خلافًا سياسيًا فحسب، بل بات صراعًا مفتوحًا على الشرعية والتمثيل ، تُستخدم فيه كل الأدوات، من الخطابات النارية إلى التخوين والشتائم ، في وقت يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى أقصى درجات الوحدة والتماسك لمواجهة أكبر كارثة إنسانية ووطنية تمر بها القضية الفلسطينية منذ نكبة عام 1948.

حرب غزة: بين المجهول والاستنزاف :

منذ 7 أكتوبر ، يواجه قطاع  غزة عدوانا دمويا شرسا ، تبع عملية طوفان الأقصى التي أشعلت حربا  فقدت زخمها السياسي، وتحولت إلى دائرة مغلقة من القصف والقتل والدمار، مع غياب أي رؤية استراتيجية لدى الأطراف المنخرطة فيها . إسرائيل، رغم قوتها التدميرية، لم تحقق “نصرًا حاسمًا”، وحماس، رغم صمودها العسكري النسبي، تواجه بيئة إنسانية منهارة وخسائر ضخمة، بينما يدفع المدنيون وبالاخص النساء والأطفال الثمن الأكبر .

وفي ظل غياب مبادرات دولية فعّالة، أو حلول تضمن وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وإطلاق سراح المخطوفين والأسرى ، تبقى غزة رهينة للحرب ولحسابات إقليمية ودولية تتبدل ، دون أن يكون للفلسطينيين موطئ قرار حاسم فيها.

أزمة تمثيل وخطاب سياسي مأزوم :

تصريحات الرئيس محمود عباس الأخيرة حيال حماس، وما تبعها من ردود فعل غاضبة ، عكست حجم الهوة السياسية والأخلاقية بين الطرفين . فبدلاً من السعي لبناء موقف فلسطيني جامع أمام العالم ، تتحول الساحة الفلسطينية إلى حلبة تصفية حسابات شخصية وفصائلية. في المقابل ، لا تبدو حماس أيضًا مستعدة لتقديم تنازلات تعيد ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، بل تكرّس واقعًا انفصاليًا في غزة قد يطول أمده.

في خضم هذا الانقسام، يضعف الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وتتلاشى فرص التفاوض على أي مشروع وطني جامع ، وتخفت الأصوات التي تنادي بإعادة بناء منظمة التحرير لتكون المظلة الجامعة لكافة القوى الفلسطينية.

أين القاسم المشترك؟

لعلّ ما ينقص الفلسطينيين اليوم ليس فقط قيادة موحدة ، بل رؤية وطنية موحّدة تعيد إنتاج القاسم المشترك الذي كان يجمعهم عبر العقود: التحرر، الكرامة، إنهاء الاحتلال، والحق في تقرير المصير.

إذا استمر الصراع على السلطة والشرعية، فإن القضية الفلسطينية مهددة بالتآكل من الداخل، ولن يكون هناك “رابح” في هذا الانقسام سوى الاحتلال الذي يستثمر في الانقسام لإدامة سياساته الاستيطانية والعدوانية.

المطلوب اليوم :

ما هو مطلوب اليوم ليس مجرد “مصالحة شكلية”، بل عملية سياسية شجاعة وجذرية ، تبدأ بمراجعة داخلية صادقة لكل الأطراف، وبناء المشروع الوطني بشكل  يتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة ، ويرتكز على شراكة سياسية حقيقية، واحترام متبادل ، ووضوح في الرؤية.

ربما تكون غزة اليوم الجرح النازف، لكنها في الوقت نفسه قد تكون البوابة الأخيرة لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، إن امتلكت القيادات الشجاعة الكافية للخروج من دوامة الصراع والانقسام.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *