فلسطين: أربعة آلاف عام في التاريخ | فصل


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

صدر عن «مركز دراسات الوحدة العربيّة» كتاب «فلسطين: أربعة آلام عام في التاريخ» (2020) للكاتب نور مصالحة. يقدّم مصالحة أصول فلسطين وتاريخها وثقافتها وهويّتها، الّتي يَكشِف عنها أنّها من منعطفات الذاكرة والنسيان والقمع والانتعاش، فيتتبّع هذا العمل الثريّ تراث فلسطين، ويكشف عن ثقافات ومجتمعات ذات عمق وتعقيد مذهلين يمتدّان إلى بدايات التاريخ المسجّل الّذي يمتدّ إلى بضعة آلاف من الأعوام. يعود الكاتب إلى النصوص الفرعونيّة والآشوريّة، ويتحقّق من كيفيّة تطوّر الهويّة الفلسطينيّة والتواريخ واللغات والثقافات والحضارات عبر العصور؛ ابتداءً من العصر البرونزيّ إلى يومنا هذا.  يؤكّد المؤلّف، استناداً إلى أدلّة أثريّة؛ أنّ الفلسطينيّين هم أهل البلاد، وجذورهم ضاربة في أعماق ترابها، وهويّتهم الأصيلة وإرثهم التاريخيّ سبق ولادة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة الناشئة في العهد العثمانيّ المتأخّر، وظهور الحركة الصهيونيّة الاستعماريّة الاستيطانيّة قبل الحرب العالميّة الأولى؛ فتاريخ فلسطين، بخلاف روايات الأسطورة في العهد القديم، له ’بدايات‘ متعدّدة تطوّرت مع مرور الوقت إلى مفهوم جيوسياسيّ وسياسة إقليميّة متميّزة.

غالبًا ما يتناول مفهوم فلسطين على نحو تجريديّ أو غير تاريخيّ، لكن على الرغم من وجود عدد من البدايات والمعاني المتعدّدة لفكرة فلسطين، فإنّ السؤال المهمّ لا يتعلّق كثيرًا بـ ’أصل‘ فكرة فلسطين، أو من أين أتت الفكرة، لكن كيف تطوّرت هويّة فلسطين وتجربتها عبر الزمان.

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة فصلًا من الكتاب بإذن من الناشر.


 فلسطين ككيان سياسي رسمي

احتلّ الإنكليز القدس في كانون الأول (ديسمبر) 1917، وكثيرًا ما يجادل المؤرّخون بأنّ فلسطين لم تكن موجودة ككيان إداريّ رسميّ، حتّى إنشاء البريطانيّين فلسطين الانتداب، عام 1918. الواقع، كما سنرى أدناه، كانت فلسطين موجودةً كيانًا إداريًّا خاصًّا، وولايةً رسميّةً منذ أكثر من ألف عام. كان ذلك أوّلًا المقاطعة الرومانيّة المشتركة ’سوريا باليستينا‘ (135 – 390 م)، ثمّ في ما بعد المقاطعة المنفصلة عن سوريا، في شكل ثلاث مقاطعات إداريّة في فلسطين البيزنطيّة: باليستينا بريما (Палестина Прима)، أي فلسطين الأولى، وباليستينا سيكوندا (Палестина Секунда) وباليستينا سالوتاريس أو باليستينا ترشيا (Палестина Терция)‍. إضافةً إلى هذا، كانت هذه الولايات الثلاث تُحكَم عمليًّا من النواحي السياسيّة، والعسكريّة، والدينيّة، من باليستينا بريما، على أساس أنّها كيان سياسيّ ’ثلاثيّ في واحد‘ منذ القرن الرابع حتّى أوائل القرن السابع. مرّة أخرى، ظهرت فلسطين كيانًا إداريًّا منفصـلًا في شكل ولاية جُنْد فلسطين الإداريّ العربيّ الإسلاميّ، نحو ما يقرب من أربعة قرون ونصف القرن، منذ الفتح الإسلاميّ لفلسطين في عامَي (638 – 637)، حتّى الغزوة الصليبيّة عم 1099 م.

فلسطين الولاية الإداريّة الإسلاميّة، والشام المنطقة الجغرافيّة الإسلاميّة

كانت الولاية الإداريّة الإسلاميّة العربيّة الرسميّة جُنْد فلسطين، على مدى نصف ألفيّة من السنين، منذ ثلاثينيّات القرن السابع حتّى الغزوة الصليبيّة لفلسطين عام 1099، وإنشاء أوّل مملكة صليبيّة لاتينيّة في القدس، في إطار منطقة الشام الجغرافيّة الواسعة. في كتب الجغرافيا الإسلاميّة وخرائطها، كانت الشام (الشمال) إقليمًا جغرافيًّا[1]- شاسع المساحة، تضمّ أراضيه ما نسمّيه اليوم سوريا، وفلسطين، ولبنان، والأردنّ، وجنوب تركيّا. ظلّت الشام، على مدى عدّة قرون، مكوّنة من عدد من الولايات الإداريّة الإسلاميّة، بما فيها فلسطين. في عام 1890 كتب غي لو ستراينج، وهو باحث في العربيّة والفارسيّة في «جامعة كمبريدج»، بحثًا مهمًّا عنوانه: «فلسطين تحت حكم المسلمين: وصف سوريا والأراضي المقدّسة من 650 إلى 1500 م»، نشرته في لندن «لجنة صندوق استكشاف فلسطين». توسّع لو ستراينج كثيرًا في الترجمة من أعمال جغرافيّي القرون الوسطى العرب، فترجم، تسهيـلًا لمهمّته، عبارة ’الشام‘ حيثما وردت على المصادر الجغرافيّة العربيّة، خطأً باسم ’سوريا‘. نتيجة لهذا، أضيف المزيد من اللَبس، إلى هذا الخلط الآليّ بين منطقة الشام وبين سوريا الحديثة، لدى بعض المؤرّخين للشرق الأوسط المعاصر، من جراء أنّ مدينة دمشق، عاصمة سوريا المعاصرة، كانت أيضًا تسمّى الشام. هذه المدينة التاريخيّة صارت مرادفًا للمدينة العاصمة في ولاية دمشق الإسلاميّة في العصور الوسطى.

لم تكن الشام، في جغرافيا وتاريخ القرون الوسطى الإسلاميّة، مرادفة لسوريا المعاصرة. فهذه المنطقة ’الشماليّة‘ الشاسعة أصبحت أساس العبارة الإسلاميّة لمنطقة بلاد الشام الجغرافيّة… 

مع ذلك، فإنّ أيّ عارف اليوم بأعمال الجغرافيّين والمؤرّخين العرب في القرون الوسطى، يعلم أنّ الشام كانت تتكوّن من منطقة جغرافيّة شاسعة، من جنوب تركيّا شمالًا، إلى فلسطين جنوبًا، ومن عدد من الولايات[2]. لم تكن الشام، في جغرافيا وتاريخ القرون الوسطى الإسلاميّة، مرادفة لسوريا المعاصرة. فهذه المنطقة ’الشماليّة‘ الشاسعة أصبحت أساس العبارة الإسلاميّة لمنطقة بلاد الشام الجغرافيّة، في القرون الوسطى، وكانت تشمل ولايتي دمشق وحلب الإسلاميّتين.

تحت الحكم العربيّ الإسلاميّ، تحوّل شكلا الاسم الإغريقيّ واللاتينيّ (Palaistinê و‍Palaestina) في اللغة العربيّة إلى فلسطين، والولاية العربيّة الإسلاميّة جُنْد فلسطين، وظلّ هذا الاسم قرابة نصف ألفيّة من السنين، من ثلاثينيّات القرن السابع حتّى أواخر القرن الحادي عشر. قبل الإسلام، كان يسكن منطقة الشام جزئيًّا العرب المسيحيّون المونوفيسيّون (Monophysite)‏(*) والميافيسيّون (Miaphysite)، ومنهم العرب الغساسنة، والمسيحيّون المتكلّمون بالآراميّة. بينما أصبحت فلسطين ولاية إداريّة تحت الحكم الإسلاميّ، فإنّ الشام لم تكن يومًا ولاية إداريّة واحدة؛ فولاية دمشق الإسلاميّة في العصور الوسطى كانت واحدة فقط من خمس ولايات في منطقة الشام، وإحدى هذه الولايات كانت تمتدّ عميقًا في جنوب تركيّا اليوم. على أيّ حال، لم تكن فلسطين والشام مترادفتين، ولا كانتا معزولتين؛ فكانت ولاية فلسطين جزءًا من منطقة أوسع هي الشام[3]‏، لكن من بين جميع البلدان المجاورة، كانت صلات فلسطين التاريخيّة بالشام في العصر الإسلاميّ هي الأوثق والأطول عمرًا[4]‏.

لكنّ القول إنّ لفظة الشام العربيّة الإسلاميّة جعلت من مفهوم فلسطين مفهومًا في غير سياقه الزمنيّ، تحت حكم المماليك والعثمانيّين، هو قول خاطئ. كما سنرى أدناه، تجاور اللفظان الجيوسياسيّان عبر العصور الوسطى وفي الأزمنة الحديثة، وكان يُنظَر إلى لفظة فلسطين على أنّها مكوِّنٌ من مكوِّنات منطقة أوسع هي الشام. وكان لموقع فلسطين الاستراتيجيّ والجغرافيّ بين مصر والشام (بلاد الشمال) أثر متواصل في التاريخ، والفنون، والثقافة، وكذلك كهويّة جيوسياسيّة ووحدة إداريّة.

إعادة تخيّل الهويّة المكانيّة من الإقليميّة إلى الوطنيّة

لتاريخ فلسطين، بخلاف السرديّات الأسطوريّة في العهد القديم، ’بدايات‘ متعدّدة. قد تطوّرت فكرة فلسطين عبر الزمن، من فعل هذه ’البدايات‘ المتعدّدة، إلى مفهوم جيوسياسيّ وكيان سياسيّ إقليميّ (Territorial Polity) متميّز. غالبًا ما يقارَب مفهوم فلسطين على نحو مجرّد أو لا تاريخيّ، بدلًا من مقاربته في سياق كيان تطوّرت حدوده الجغرافيّة، والإداريّة، والموضعيّة، والثقافيّة، وتبدّلت في ثلاث ألفيّات من السنين.

تاريخ فلسطين ’بدايات‘ متعدّدة. قد تطوّرت فكرة فلسطين عبر الزمن، من فعل هذه ’البدايات‘ المتعدّدة، إلى مفهوم جيوسياسيّ وكيان سياسيّ إقليميّ… 

لكن ليس ثمّة أفكار خالصة أو مفهوم مثاليّ لفلسطين بهذه الصفة؛ فالأدلّة التجريبيّة والتجربة البشرية أساسيّة في تكوين الأفكار والمعرفة عن فلسطين. جدير بالملاحظة أنّنا لا نعرف فلسطين فقط ’من الخارج‘ من خلال ملاحظات وتعميمات، بل أيضًا ’من الداخل‘ بواسطة التجارب المتجسّدة والمشاعر. لقد نظر المؤرّخون الإغريق الكلاسيكيّون – الّذين كانوا من أوائل مَنْ أشاعوا مفهوم فلسطين – إلى الزمن بطريقتين مختلفتين: خرونوس (khronos)، الطريقة الّتي يقيس بها البشر الوقت كمّيًّا وزمنيًّا: الأيّام، والأشهر، والسنوات، والقرون؛ وكايروس (kairos)، الطريقة الّتي يواجه بها البشر التجارب ويتذكّرون بعض اللحظات أو الأحداث المعيّنة من منظور وبمنظور خاصّ. نتيجة لهذا التمييز بين مفهومي الزمن المختلفين، يستكشف هذا الكتاب التطوّر المتعدّد الخطوط لمفهوم فلسطين وتجارب فلسطين خلال الزمان وعبره. في حين يركّز الكتاب أعلى تركيز، على الأدلّة والشهادات المعاصرة (Synchronic)، إلّا أنّه يحلّل مفهوم فلسطين على نحو متزامن (Synchronically) ومقارَن عبر الزمن (Diachronically).

رغم أنّ لفكرة فلسطين بدايات متعدّدة، ومعاني متعدّدة، فإنّ المسألة المهمّة ليست تمامًا في ’أصل‘ فكرة فلسطين، أو من أين جاءت هذه الفكرة، بل كيف تطوّرت هويّة فلسطين وواجهت التجارب خلال الزمان وعبره. باستعارة مفاهيم مارتن هايدغر أيضًا عن الكينونة والوقت[5]،‏ ومفهوم الوقت (Temporality) الماضي، والحاضر، والمستقبل، والطريقة الّتي يواجه بها البشر العالم، من خلال الوقت، ينبغي استكشاف الأفكار والعبارات والخُطَب في شأن فلسطين، بأسلوب متزامن ومقارَن في الزمن، إلى جانب التجارب البشريّة للزمن الفلسطينيّ. علاوة على هذا، تتطوّر العبارات والمفاهيم وفق خطوط متعدّدة، وعلى نحو استطراديّ، وتُحدِث تجارب مختلفة لدى مختلف الناس – على قول لودفيغ فِتغِنشتاين‏ عن ’التشابه العائليّ‘[6] والمعاني المتعدّدة.


إحالات

[1] شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، ص 135 – 162.

[2] المصدر نفسه، ص 137 – 138.

[3] المصدر نفسه، ص 165 – 162.

[4] المصدر نفسه، ص 165 – 162.

[5] Martin Heidegger, Being and Time, translated by Joan Stambaugh; revised by Dennis Schmidt (Albany, NY: State University of New York Press, 2010)

[6] Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations (London: Blackwell Publishing, 2001; 1st ed. 1953).


نور مصالحة

أكاديميّ ومؤرّخ فلسطينيّ، وُلِدَ في الجليل عام 1975، درس في «الجامعة العبريّة» و«جامعة لندن»، وهو عضو في كلّ من «مركز الدراسات الفلسطينيّة» و«معهد الشرق الأوسط – لندن» و«كلّيّة الدراسات الشرقيّة والإفريقيّة».

عن فسحة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: نور مصالحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *