الخلفية والمشكلة الأساسية:

تشكّل النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط في أعقاب اتفاقية سايكس بيكو (١٩١٦)، واستند إلى منطق الدولة القومية الإقليمية، الذي تم استيراده كنموذج غربي أجنبي إلى منطقة ذات ثقافة سياسية مختلفة . وقد ضمت الحدود المصطنعة جماعات عرقية ودينية معادية داخل أطر دول مصطنعة ، الامر الذي خلق حالة من عدم التوافق المزمن بين الحدود والأرض والهوية، والتي تطورت في ظل واقع فشل الدول إلى صراعات عنيفة ودموية، اخترقت حدود الدول ، وسمحت بتدخل جهات خارجية ذات مصالح أجنبية ، مما ادى إلى تقويض استقرار النظام الإقليمي.
حدة الأزمة: دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن وليبيا والصومال هي دول فاشلة لا تستطيع العمل ككيانات سيادية مسؤولة. وهي تصدّر الإرهاب واللاجئين وعدم الاستقرار إلى المناطق القريبة والبعيدة. وتؤكد الدراسات العلمية بأن الدول ذات الحدود المصطنعة تعاني من معدلات صراع أعلى بنسبة 25% من الدول ذات الهوية المتجانسة.
العامل البنيوي : استغلت إيران، بوصفها فاعلاً اصلاحياً مراجعاً ، الفراغَ السلطوي الناشئ من الفشل الدولتي لبناء ” طوق ناري ” من وكلاء عنيفين كحزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق وحماس، بهدف تدمير إسرائيل وتوسيع النفوذ الإقليمي الإيراني.
الفرصة الاستراتيجية: تحولت معركة “زئير الأسد” – التي تُشكل استمراراً مباشراً لهجوم 7 أكتوبر – إلى زلزال جيوسياسي . وقد فتح اضعاف إيران ووكلائها “نافذة استراتيجية” تُعتبر فرصة تاريخية نادرة لتشكيل بنية إقليمية جديدة. هذه النافذة محدودة ببضع سنوات، ولذا يتطلب الامر تحركاً سريعاً وحاسماً .
الحجة الرئيسية: التغيير البنيوي نموذجي ينطوي أساساً على تعديل الحدود السياسية وفقاً للهويات الديموغرافية . وبدلاً من الحفاظ على الأطر الفاشلة، ينبغي النظر في تفكيك الدول الفاشلة وإعادة تجميعها
كفيدراليات وكونفدراليات تتألف من ولايات متجانسة عرقياً تتمتع بالحكم الذاتي ، استناداً إلى مبدأ تقرير المصير العرقي والديني وسلطة مركزية ضعيفة .
خارطة الطريق: تقترح هذه الورقة بديلين رئيسيين (مع التركيز على إمكانية وجود بدائل إضافية كمزيج من البديلين الرئيسيين) – (أ) ” التفكك المُراقب ” (من أعلى إلى أسفل) بقيادة أمريكية ودولية ، (ب) “تقرير المصير من القاعدة” (من أسفل إلى أعلى) من خلال دعم الأقليات – وتحدد ثمانية شروط ضرورية للتنفيذ، أهمها قيادة أمريكية حازمة، وتحالف إقليمي ودولي، والتفكيك الكامل للوكلاء الإيرانيين.
الخلاصة: الخيار الاستراتيجي ليس بين الاستقرار والتغيير، بل بين الحفاظ على عدم الاستقرار المزمن والتغيير الجذري المحفوف بالمخاطر، ولكن مع إمكانية حدوث تغيير حقيقي يؤدي إلى الاستقرار . يعتمد النموذج المقترح على منطق عملية لإدارة التغيير بذكاء وتحكم، وليس على تجنبه.

  • النظام الجيوسياسي الحالي هو مصدر بنيوي لعدم الاستقرار، وليس مجرد أثر جانبي ظرفي.
  • الدول الفاشلة في الشرق الأوسط هي نتاج مباشر لعدم التوافق بين الهوية والحدود.
  • إيران هي المحرك الرئيسي لعدم الاستقرار، وتحييدها شرط أساسي لأي حل.
  • الفرصة التاريخية المتاحة محدودة ببضع سنوات، لذا يلزم اتخاذ إجراءات سريعة.
  • الفيدرالية العرقية الدينية حل بنيوي مستدام على المدى الطويل.
  • بدون قيادة أمريكية حازمة، لا يمكن إحداث تغيير بالحجم المطلوب.
    النتائج الرئيسية:
    فرصة لإصلاح اتفاقية سايكس بيكو :
    تشكّل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على أساس اتفاقية تقسيم مناطق النفوذ بين فرنسا وبريطانيا (اتفاقية سايكس بيكو لعام ١٩١٦) في نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلى أساس منطق الدولة القومية الإقليمية الذي تم تبنيه لاحقًا كنموذج غربي مستورد إلى منطقة ذات ثقافة سياسية مختلفة تمامًا . اهتز استقرار النظام بشكل كبير في عملية بدأت مع اندلاع الاضطرابات في العالم العربي (الربيع العربي)، وتسارعت وتيرة هذا الاهتزاز في السنوات الأخيرة . وقد بُنيت معظم الدول الجديدة التي أُنشئت تحت رعاية القوى العظمى وبموجب انتدابات أقرتها عصبة الأمم، ككيانات مصطنعة تفتقر إلى هوية وطنية مميزة، بحدود مصطنعة وتعسفية تحصر مختلف الجماعات العرقية والدينية، وغالبًا ما تُثير التنافس والعداء فيما بينها، ضمن إطار دولة واحد . وقد فاقمت الاضطرابات العربية ظاهرة انهيار الدولة، وأضعفت الحكومة المركزية في العديد من البلدان، وأدت إلى حروب أهلية دامية. واستغلت المنظمات الإرهابية الفراغ الحكومي الذي نشأ، وتمكنت من ترسيخ وجودها في تلك البلدان، وفي حالة داعش، تمكنت أيضًا من إقامة دولة إرهابية كبداية للخلافة الإسلامية الجديدة، مع طمس الحدود الدولية المعترف بها بين العراق وسوريا.
    إيران، بوصفها فاعلاً أصلاحيا لايؤمن بالنظام الإقليمي والعالمي القائم، بقيادة نظام متطرف ، استغلت ضعف الدول المتفككة في المنطقة، وعملت على بناء وكلاء عنيفين، كجزء من ” طوق ناري ” سعت إلى إقامته حول إسرائيل بهدف تدميرها.
    وقد رسّخ هؤلاء الوكلاء ومعظمهم منظمات شيعية ، وجودهم في بلدانها كعناصر قوّضت الحكومة المركزية، وفكّكت احتكار الدولة للسلطة، وأرست مكانتها وسلطتها مستغلةً انهيار الدولة، بل وساهمت في تعميقه. ومن هذه الجماعات: حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في غرب العراق وجنوب سوريا، والحوثيون في اليمن، وإلى جانبهم حماس والجهاد الإسلامي في الساحة الفلسطينية.
    نتيجةً لذلك، يعيش نظام الشرق الأوسط أزمة مستمرة في الشرعية والحكم والسيادة. فدول مثل سوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان والصومال والعراق عاجزة عن العمل كدول مستقرة وكيانات سيادية مسؤولة، بل هي أشبه بهياكل فارغة تنشط فيها قوى عنيفة غير حكومية. والأسوأ من ذلك، أنهم يصدّرون الإرهاب واللاجئين والجريمة والضائقة الاقتصادية إلى المنطقة بأسرها وخارجها (مثل موجات اللاجئين التي وصلت إلى أوروبا والإرهاب الجهادي الذي انتشر في جميع أنحاء العالم)، بينما تعمل إيران على تعزيز نفوذها من خلال وكلائها، وعلى رأسهم حزب الله.
    إن حرب “زئير الأسد” ضد إيران وحزب الله، والتي ينبغي فهمها على أنها امتداد مباشر لهجوم 7 أكتوبر، تُبرز الطبيعة الإشكالية لإيران كعامل مُسبّب لعدم الاستقرار المزمن في المنطقة، وقد كشفت عن هشاشة النظام الإقليمي برمته. وفي الواقع، تُعتبر الحرب، التي بدأت، كما ذُكر، عقب هجوم 7 أكتوبر 2023 وسرعان ما تحولت إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات ذات آثار على النظام العالمي برمته، بمثابة زلزال جيوسياسي، مما يُتيح فرصة لإعادة تنظيم النظام الإقليمي وإعادة تصميمه ليصبح نظامًا أكثر استقرارًا وأمانًا وازدهارًا، من خلال تحوّل نموذجي جوهره تكييف الحدود السياسية مع الهويات الديموغرافية. ينبغي استغلال المساحة التي أفرزتها الحرب لبناء بنية إقليمية من خلال تفكيك الأنظمة السياسية الفاشلة وإنشاء كيانات جديدة أكثر استقرارًا، على شكل اتحادات أو كونفدراليات مرنة ذات ولايات تتمتع بالحكم الذاتي عند الضرورة، استنادًا إلى مبدأ حق تقرير المصير العرقي والديني.
    أسئلة البحث :
    تسعى هذه الورقة البحثية إلى الإجابة عن ستة أسئلة محورية:
  • لماذا يُعد النظام الجيوسياسي لدول الشرق الأوسط – ولا سيما سوريا ولبنان والعراق وإيران – مصدرًا أساسيًا لعدم الاستقرار المزمن؟
  • ما هي الاخفاقات البنيوية التي تميز الأنظمة السياسية القائمة، ولماذا لا يمكن تحقيق استقرارها ضمن الحدود الحالية؟
  • لماذا وكيف تُتيح الحرب ضد محور المقاومة الذي تقوده إيران فرصةً لإجراء تغيير بنيوي جذري؟
  • ما هو منطق الفصل – ما هي الخطوط الصحيحة التي ينبغي إعادة توزيع الحيز الإقليمي وفقًا لها؟
  • ما هي البدائل المؤسسية المتاحة للتفكيك وإعادة التشكيل – الكونفدرالية ، الفدرالية ، ولايات ذات حكم ذاتي ، مناطق عازلة ، دولة كردية ؟
  • ما هي الشروط اللازمة لتنفيذ التغييرات – الدبلوماسية والأمنية والمؤسسية؟
    تفكيك من أجل التعافي :
    تشير الدراسات إلى أن الدول التي تتسم بتطابق ضعيف بين الهوية الجماعية والحدود السياسية أكثر عرضةً لعدم الاستقرار المزمن.¹ فالدول الفاشلة في الشرق الأوسط، مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن والسودان وليبيا والصومال، ليست دولًا فاشلة صدفة، بل لأسباب بنيوية. فهي نتاج ترسيم حدودي مصطنع ضمن كيانات قومية مصطنعة ومختلقة، وجماعات عرقية ودينية تفتقر إلى هوية وطنية عضوية مشتركة، بل وتتنازع فيما بينها تاريخيًا. وينبع عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط من “التنافر بين الهوية والإقليم”. فالبنية المركزية للدول الفاشلة (سوريا ولبنان والعراق) تسمح لجماعات الأقليات المسلحة (مثل حزب الله أو الميليشيات الشيعية) بالسيطرة على مؤسسات الدولة.
    لذلك، فإن إنشاء وحدات سياسية أكثر تجانسًا ضمن صيغ من الفيدراليات والكونفدراليات الضعيفة، بما يتيح قيام أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي ومتجانسة إثنيًا، من شأنه أن يقلّص الصراعات العنيفة، ويوفّر استجابة أفضل لظاهرة فشل الدول، ويُحسّن استقرار النظام الإقليمي. إن فشل الدول لن يُحل عبر الحفاظ على الأطر القائمة أو ترميمها، بل يتطلب تفكيك الأطر القديمة وإعادة تركيبها على أساس مبدأ التوافق بين الهوية الإثنية-الدينية-الوطنية وبين الأرض/الحدود. وإذا ما أفضت هذه العملية أيضًا إلى إقامة دولة كردية في أجزاء من شمال العراق، وشمال شرق سوريا، وشمال غرب إيران، فإن ذلك من شأنه كذلك إضعاف إيران وتقليص قدرتها على الاستمرار في قيادة “محور المقاومة” من خلال دعم ورعاية وكلاء عنيفين ومزعزعين للاستقرار في المنطقة.
    تدل التجربة التاريخية على أنه في حالات مثل تفكيك يوغوسلافيا والصومال، وحتى السودان، على الرغم من التكاليف الأولية الباهظة، فإنه على المدى البعيد تم إنشاء كيانات مستقرة أكثر نسبيًا .
    تستند هذه الحجة إلى خمسة أسس نظرية رئيسية:

1 . الصراع بين الحضارات (صموئيل هنتنغتون): فهم أن الهويات الثقافية والدينية هي المحرك الرئيسي للصراعات .

. النظام الوستفالي وحدوده في السياق ما بعد الاستعماري – بينما تفترض النظرية السائدة في العلاقات الدولية أن حدود الدول هي معطى ثابت، بل وحتى مقدّس، ويجب الحرص على الحفاظ عليه، فقد تطوّر إطار نظري منافس يستند إلى حجة مفادها أن الحدود السياسية للدول التي لا تعبّر عن توازنات ديموغرافية (إثنية، دينية، قومية) وثقافية، تُعدّ مصدرًا لعدم الاستقرار . ويُعدّ الشرق الأوسط مثالًا متطرفًا على ذلك، وإن لم يكن الوحيد، حيث إن الحدود التي رُسمت من قبل القوى الكبرى بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، عبّرت عن مصالح تلك القوى وليس عن مصالح الشعوب والمجموعات الإثنية والدينية والقومية.

  • نظرية “الدول المصطنعة”: تُظهر دراسات ألبرتو أليسينا أن الدول التي تم تجاوز حدودها بشكل مصطنع تعاني من معدلات نمو أقل، ونسبة صراعات داخلية تزيد بنسبة 25% عن الدول المتجانسة.
  • مبدأ تقرير المصير الوطني: منذ وثيقة النقاط الأربع عشرة للرئيس الأمريكي ويلسون وقرارات الأمم المتحدة اللاحقة، تم الاعتراف بمبدأ تقرير المصير الوطني كحق أساسي. أكد ميلتون فريدمان وآخرون أن تطبيق هذا المبدأ في العالم العربي قد واجه تاريخيًا عقبتين رئيسيتين: مصالح الأنظمة الاستبدادية التي سعت إلى ترسيخ حكمها في البلاد، ومصالح القوى الإقليمية والعالمية. وفي الواقع الذي نشأ في الشرق الأوسط، ضعفت هاتان القوتان، مما أتاح فرصة سانحة لتصحيح الظلم التاريخي وتحقيق حق تقرير المصير.
  • الفيدرالية كآلية لإدارة السكان ذوي التنوع الهوياتي: تشير الدراسات البحثية حول الفيدرالية إلى أن الاتحادات (حكومة مركزية – مقاطعات أو أقاليم ذات صلاحيات وظيفية موسعة) هي الآلية الأكثر استقرارًا وفعالية لإدارة السكان الذين يتميزون بالتنوع أو التعددية العرقية والدينية والقومية. على سبيل المثال، سويسرا وكندا وبلجيكا. كما أن حالة إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي تثبت أن الحكم الذاتي الإقليمي لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الدولة ، بل في بعض الحالات، يسمح وجوده باستمرار وجود الدولة .
    وصف الوضع الراهن وأوجه القصور البنيوية :

يتسم الواقع الحالي في الشرق الأوسط بعدم استقرار مزمن وهشاشة أمنية، وهو ما يتجلى في الحرب ضد إيران وحزب الله، والتي تُعد استمرارًا لهجوم أكتوبر والحرب الإقليمية التي تلته . وهذا إلى جانب صراعات عنيفة ودموية في عدد من الدول الفاشلة في المنطقة . ويمكن ملاحظة نفوذ إيران في جميع هذه الدول الفاشلة ، حتى في وضعها الحالي وهي مُنهكة وضعيفة . فتدخلها يساهم في استمرار وتفاقم ظاهرة فشل الدولة في مختلف البلدان ، كما يُسهم في تصدير مشاكل هذه الدول الفاشلة إلى المنطقة وخارجها . وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يؤثر على استقرار سوق الطاقة الدولية ، وخطوط التجارة البحرية، والنظام الدولي ككل ، كما يعزز الربط بين الصراعات الإقليمية والصراعات بين
القوى العظمى ، والتوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا .
عند التطرق إلى خصائص استقرار نظام الشرق الأوسط، يمكننا الإشارة إلى ثلاث سمات رئيسية بارزة:

  • فشل الدولة : في لبنان وسوريا، كما هو الحال في العراق واليمن وليبيا والسودان والصومال ، لا تحتكر الحكومة المركزية استخدام القوة، وتؤدي الصراعات العنيفة بين الجماعات العرقية والدينية إلى خسائر فادحة في الأرواح، حيث يتحول العديد من المواطنين إلى لاجئين فارين من بلادهم أو إلى نازحين معدمين داخلها. ومن الآثار الجانبية البارزة لذلك، توفير ملاذات آمنة ومريحة للمنظمات الإرهابية والجهات الخارجية التي تُزعزع الاستقرار، مثل إيران.
  • عدم التوافق العرقي: تؤدي الحدود المصطنعة ألى إجبار الجماعات المتناحرة (السنة، والشيعة، والمسيحيين، والدروز، والعلويين، والأكراد) على العيش في ظل نظام سياسي واحد، مما يؤدي إلى صراعٍ صفري على الموارد والسلطة في صورة حرب أهلية على مستوياتٍ مختلفة .
  • الاستغلال الإيراني: تستغل طهران الفراغ الحكومي لإنشاء “جسر بري” من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، ولفرض ” طوق ناري” وآلية عملياتية تعزز قدرتها على الابتزاز والردع، وذلك من خلال تشغيل وكلاء تدعمهم بالأسلحة والمال والتدريب والمعرفة والاستخبارات.
    لتوضيح هذه الحجة، سنتناول بمزيد من التفصيل أربع حالات بارزة وممثلة:
    لبنان
    بدأ لبنان (عام ١٩٢٠) كمشروع استعماري فرنسي (جزء هام من النفوذ الفرنسي المتفق عليه مع بريطانيا في اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦)، وكان الهدف منه حماية المسيحيين في لبنان، الذين سعت فرنسا إلى استمالتهم كحلفاء وحماة نظراً لخلفيتهم الدينية والتاريخية المشتركة، وإنشاء دولة تستجيب لهويتهم الدينية الجماعية. ونظراً لوجود جماعات دينية وعرقية أخرى في منطقة لبنان الكبير (مقارنةً بشمال لبنان المسيحي)، تأسس لبنان على مبدأ تقسيم السلطة بين مختلف الجماعات، حيث كان رئيس الدولة للمسيحيين، ورئيس الوزراء للسنة، ورئيس البرلمان للشيعة. وقد أثبت هذا النظام، الذي أُنشئ في الاتفاق الوطني (١٩٤٣) وأُعيد العمل به في اتفاق الطائف (١٩٨٩)، عدم استقراره البنيوي والوظيفي .
    . الميليشيات الشيعية التي تسيطر عليها إيران لاتخضع لسلطة حزب الله والحكومة ، مما يسمح لحزب الله بالعمل كقوة سياسية غير مقيدة في النظام السياسي اللبناني.
    . يتجنب الجيش اللبناني الصدام المباشر خشية اندلاع حرب أهلية، ونظرًا لوجود عدد كبير من الشيعة في صفوفه، معظمهم متعاطفون مع حزب الله.
    . على الرغم من ثماني حروب عسكرية كبرى خاضتها إسرائيل في لبنان منذ عام ١٩٧٨، لم يحدث أي تغيير هيكلي سياسي من شأنه أن يغير أنماط سلوك لبنان كدولة. فهي لا تزال دولة فاشلة تفتقر إلى القدرة على احتكار القوة الذي تتمتع به الدولة ذات السيادة.
    . منذ الحرب الأهلية (١٩٧٦)، يعاني الاقتصاد اللبناني من أزمة حادة. وعلى مر السنين، وبسبب الأزمات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي والأمني، تعطل الاقتصاد اللبناني وعمليات تعافيه، كما حدث في الأزمة الكبرى بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٣، وهي تجد صعوبة في توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها .
    . انتخاب الرئيس عون وتعيين رئيس وزراء جديد وفر بصيص أمل لحدوث تغيير . بعد غارات الجيش الإسرائيلي على حزب الله وإضعافه، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تولت الحكومة اللبنانية مسؤولية نزع سلاح حزب الله ومنع وجوده في جنوب لبنان . عمليًا، ورغم تصريحات الحكومة اللبنانية الجديدة والتزاماتها وإقرارها بضرورة نزع سلاح حزب الله، لم ينجز الجيش اللبناني هذه المهمه. بل سارعت إيران في مساعي إعادة تأهيل الحزب ، ووصل ضباط من الحرس الثوري إلى لبنان لمراقبة عملية إعادة التأهيل عن كثب ، وفي بعض الحالات، لتولي قيادة بعض وحدات الحزب فعليًا . هذا يعني أنه في ظل الظروف الراهنة، لا أمل في أي تسوية سياسية مع الحكومة اللبنانية، لعجزها عن احتكار القوة والوفاء بالتزاماتها بموجب أي اتفاق.

سوريا
سوريا عام 2026 هي كيان دولة متعثرة . لم تكتمل بعد سيطرة التنظيم الجهادي بقيادة أحمد الشرع ( ابو محمد الجولاني ) على البلاد، بدعمٍ تركي ، وذلك في أعقاب ضعف نظام الأسد الذي فقد دعم حزب الله بعد هزيمته النكراء على يد الجيش الإسرائيلي. عمليًا، لا تزال مناطق شاسعة تحت سيطرة وإدارة منظمات أخرى. على سبيل المثال، الدروز في جنوب سوريا، والأكراد في شمال شرق البلاد، ومنظمات المعارضة في مناطق أخرى، والعلويون في غرب البلاد (الشريط الساحلي)، وتركيا في شمال البلاد في المناطق القريبة من الحدود التركية. أما إيران، التي فقدت سيطرتها على سوريا، فتواصل محاولاتها للعمل داخل الأراضي السورية، وتدعم المنظمات الإرهابية الجهادية في جنوب البلاد، وتستمد منها عملياتها ضد إسرائيل.
على الرغم من اكتساب الجولاني شرعية متزايدة من المجتمع الدولي، وبدء الحكومة في التبلور ودعم جهود إعادة بناء البلاد، إلا أن الانقسامات بين الجماعات العرقية والدينية لا تزال قائمة ، ويواجه أتباع الجولاني، المنتمون إلى التنظيم الجهادي ، صعوبة في التكيف مع أطر الدولة، ويستمرون في العمل ضمن الإطار التنظيمي الذي اعتادوا عليه. وتتحول هذه الانقسامات بين الجماعات والأقليات في سوريا، في ظل واقع الحكومة الناشئة، إلى صراعات عنيفة ودموية.
تاريخيًا، لم تتطابق التركيبة السكانية السورية أبداً مع حدود الدولة التي أُنشئت تحت رعاية الانتداب الفرنسي. فقبل سقوط نظام الأسد، تولى العلويون (حوالي 12% من السكان) سلطةً غير متناسبة مع نسبتهم، بينما قمعوا بعنفٍ ووحشيةٍ الجماعات الدينية الأخرى . أما الأكراد (10-15% من السكان) فقد حُرموا من الحقوق المدنية الأساسية، وفي ظل الحرب الأهلية، أقاموا حكمًا ذاتيًا في شمال شرق البلاد. وتجري حاليًا مفاوضات لدمج الوحدات العسكرية الكردية في الجيش السوري، لكنهم ما زالوا يسيطرون على منطقتهم ذات الحكم الذاتي. أما الدروز، وهم أقلية صغيرة تُشكّل حوالي 3% من السكان، والذين كانوا يُعتبرون موالين لنظام الأسد، وتم دمجهم في الجيش والأجهزة الأمنية، فيتعرضون حاليًا للاضطهاد من قِبل السنة، وخاصةً قبائل البدو في جنوب سوريا، الذين يتمتعون بحماية جنود الجيش – أحفاد تنظيم الجولاني الجهادي . يُقيم الدروز، الذين يعتمدون أيضاً على المساعدات الإسرائيلية لأمنهم، حكماً ذاتياً فعلياً في منطقتي السويداء وجبل الدروز، بينما تستمر الاشتباكات العنيفة بينهم وبين السنة في المنطقة وجيش النظام في حصد أرواحٍ كثيرة من كلا الجانبين.
خلال الحرب الأهلية السورية، قُتل أكثر من 600 ألف مدني، ونزح نحو 5 ملايين سوري، ونحو 10 ملايين آخرين داخل بلادهم . دُمّرت البلاد خلال الحرب الأهلية وانهار اقتصادها. كانت سوريا خاضعة لسيطرة إيران الفعلية بدعم عسكري فعّال وعنيف من حزب الله، وأُنقذت من السقوط التام على يد الثوار في سبتمبر/أيلول 2015، عندما تدخل الروس وساعدوا النظام، بالتعاون مع إيران وحزب الله، في قمع الانتفاضة بعنفٍ ووحشية أودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين.
من الصعب تصور ترميم حقيقي للانقسامات الطائفية في سوريا دون تغيير جذري في النظام، وربما في بنية الدولة. ومن المشكوك فيه ما إذا كانت سوريا اليوم هي دولة تستحق محاولة الحفاظ عليها بوضعها الراهن.

العراق
أصبح العراق دولة (مملكة في بداياتها) تحت رعاية بريطانية، وذلك من خلال توحيد قسري لثلاث ولايات عثمانية، كانت تضم مجموعات عرقية ودينية مختلفة، بل وتتنازع فيما بينها. هذه الولايات هي: بغداد ذات الأغلبية السنية، والبصرة ذات الأغلبية الشيعية، والموصل ذات الأغلبية الكردية . بعد انقلاب عسكري واستيلاء حزب البعث على السلطة، خضع العراق لنظام استبدادي، يحكمه دكتاتور وحشي (صدام حسين) والأقلية السنية . أما الأغلبية الشيعية والأقلية الكردية، فقد تم قمعهما وتهميشهما.
أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 إلى الإطاحة بالنظام وتأسيس الجمهورية العراقية من جديد، على أساس دستور جديد، كان يهدف إلى تغيير هيكل السلطة وتحقيق التوازن فيها. إلا أن انتقال السلطة إلى الطائفة الشيعية الكبيرة أدى إلى قمع وإقصاء الأقلية السنية ، ما دفع العديد من ضباط الجيش العراقي المنحّل بقيادة صدام حسين إلى الانضمام إلى تنظيم داعش ومساعدته في بناء قدراته العسكرية، الأمر الذي مكّنه من هزيمة الجيش العراقي الضعيف والسيطرة على شمال غرب العراق، ثم شمال شرق سوريا لاحقًا، وتأسيس الدولة الإسلامية.
استغل الأكراد ضعف الحكومة المركزية وأسسوا الحكم الذاتي الذي فرضوه في شمال البلاد. يسيطرون على حقول النفط ويديرونها بموجب اتفاق مع الحكومة العراقية، لكنهم يتمتعون بقدرة تصديرية مستقلة، ما يوفر مصدر تمويل هامًا للحكم الذاتي. وتعمل قواتهم المسلحة (البشمركة) كجيش منظم.
يخضع العراق الشيعي لسيطرة ميليشيات موالية لإيران إلى حد كبير، ولإيران نفوذ كبير على تصرفات العراق، نظرًا لتغلغلها العميق وقاعدة الدعم التي توفرها للميليشيات الشيعية وحلفائها السياسيين، فضلًا عن اعتماد العراق على الغاز الذي تزوده به إيران.
تُدار المنطقة السنية بشكل شبه مستقل، مع استمرار فلول تنظيم داعش في العمل في أجزاء منها، مستغلةً المنطقة لإنشاء بنية تحتية إرهابية وقاعدةً لشن هجمات على العاصمة وأهداف النظام.

إن العراق اليوم أقرب إلى كيان إداري وهمي منه إلى دولة ذات سيادة واستقلال. فالحكومة المركزية لا تحتكر استخدام القوة. وتخضع الميليشيات الشيعية للنفوذ الإيراني، كما أنها تعمل بما يتعارض مع مصالح العراق كدولة، مثل مهاجمة القواعد الأمريكية أو الانضمام إلى الحرب الجارية ضد إيران، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل والأهداف الأمريكية في العراق والمناطق المحيطة به. وتفشل الحكومة، التي تقوم على منطق يُذكّر بالحكومة اللبنانية، في توحيد المكونات العرقية والدينية الثلاثة للعراق في كيان وطني متماسك، ويستمر التوتر بين هذه المجموعات الثلاث في كونه عاملاً مُؤججاً لعدم الاستقرار المزمن.

. إيران
تاريخياً، إيران بلد متعدد الأعراق والأديان، عانت فيه بعض الأقليات على مر السنين من اضطهاد، ثقافي في المقام الأول، حال دون تمكنها من تحقيق هويتها العرقية والطائفية في حياتها اليومية. ومع ذلك، ورغم كثرة الجماعات العرقية والدينية، تميزت إيران عبر التاريخ بوجود وعي وطني مشترك بين جميع الجماعات، التي رأت نفسها جزءاً من الأمة الإيرانية وأظهرت وطنيتها.
إلا أن إيران في عام 2026 تجد نفسها منهكة عسكرياً واقتصادياً، ونظامها الذي فقد العديد من كبار مسؤوليه الذين أُحبطت مخططاتهم خلال حرب ” زئير الآسد ” أصبح ضعيفاً ومهدداً من الداخل . تضررت مكانتها الإقليمية والدولية، ووجدت نفسها معزولة في ظل عدم استعجال القوتين الداعمتين لها (الصين وروسيا) في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي الذي من شأنه أن يشكل تهديداً أو رادعاً للولايات المتحدة وإسرائيل، ويقرب نهاية الحرب. لقد ضعفت قواتها بشكل كبير، ولم تعد قادرة على توفير الاستجابة الدفاعية والإنذارية التي رُعيت ودُعمت من أجلها على مدى العقود الماضية. ويؤدي ضعف إيران وضعف نظامها إلى واقع هش، قد يُقوّض، في ظل ظروف معينة، وطنية بعض الجماعات العرقية والدينية (فعلى سبيل المثال، أدى الواقع الاقتصادي الصعب في إيران، في ظل إخفاقاتها العسكرية وانهيار مكانتها الإقليمية، إلى تفاقم الاضطرابات الداخلية، مع تصاعد أعمال التمرد في كردستان وخوزستان وبلوشستان)، ويشجعها على العمل من أجل إحداث تغيير بنيوي في إيران نحو فدرالية ضعيفة ، يضم كيانات تتمتع بالحكم الذاتي، وتختلف فيما بينها عرقياً ودينياً ، مع حكومة مركزية ضعيفة، تفتقر ألى أي سلطة استبدادية أو قمعية .
مساحة الفرصة ومنطق الانفصال :
أدت الحرب الحالية (“زئير الأسد”)، باعتبارها امتدادًا للحرب الإقليمية التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر ، إلى جانب ضعف لبنان وسوريا والعراق، إلى خلق فراغ سياسي/دولي، مما يسمح بتدخل قوى خارجية قادرة، بالتعاون مع الجهات الفاعلة المحلية في تلك البلدان ، على تصميم بني جديدة للدولة والنظام . في الواقع، تُعد هذه “نافذة فرصة استراتيجية” لتحقيق الاستقرار في النظام الإقليمي من خلال تصميم بنية إقليمية جديدة، قد تُقدم حلًا لظاهرة الدول الفاشلة. إن إضعاف النظام الإيراني ووكلائه، مع التركيز على حزب الله والحوثيين وحماس، يعني إضعاف المُزعزع الرئيسي للنظام الإقليمي، وهو العامل الذي ساهم في استمرار فشل الدولة في كل دولة فاشلة تدخل فيها وفي تلك التي نشر فيها وكلائه. إضافةً إلى ذلك، أدى سلوك إيران والحوثيين القرصاني والبلطجي، الذين سيطروا بالقوة على مضيقي هرمز وباب المندب، وهما ممران بحريان دوليان معترف بهما، إلى الإضرار بسوق الطاقة العالمي وإغلاق خطوط الشحن الدولية، مما أثر على سوق الطاقة والاقتصاد العالميين، وعزز فهم وإدراك الحاجة الدولية إلى حل جذري. وقد بُنيت قوة إيران وقوة الحوثيين التدميرية بفضل مساهمة الدول الفاشلة في المنطقة. لذا، فإن أي جهد لتحقيق استقرار النظام الإقليمي يتطلب معالجة جذرية لمشكلة أساسية متأصلة في المنطقة، ألا وهي الدولة الفاشلة.
المنطق يقوم على تفكيك/توزيع القوة: فبدلًا من تكدّس دول فاشلة تُكرّس صراعات دامية وتُضعف الاستقرار الإقليمي، وبدلًا من دولة واحدة قوية وخطِرة ذات طابع إرهابي وراديكالي ومراجِع (إيران)، يتم إنشاء فسيفساء من كيانات صغيرة متجانسة من الناحية الإثنية والدينية، ضمن أطر فيدرالية أو كونفدرالية رخوة.
هذا الهيكل الجديد سيساعد على إنهاء التشوّه التاريخي الناتج عن عدم التوافق الواضح بين الهوية والحيز الجغرافي والحدود السياسية للدول، وسيُقلّل من حدّة العنف، ويساهم في تطوير تعاونات إقليمية كآلية لتحسين مستوى المعيشة وجودتها للمواطنين الذين يعيشون ضمن كيانات تلبّي احتياجاتهم الهوياتية، وتدفعهم مصلحتهم إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي لضمان استقرار كياناتهم وازدهارها.
من المهم التأكيد على أن الفرص الجيوسياسية المتاحة هي دائماً مؤقتة . تدل التجارب التاريخية على أن الدول تتعافى من الضربات ، ما لم تُهزم بنيوياً ، نتيجة قرار عسكري-اقتصادي-سياسي يؤدى إلى تغيير النظام . لذلك، وبافتراض أن الحرب في إيران ستنتهي ببقاء النظام الحالي، حتى وإن كان منهكًا وضعيفًا، فإن الفترة الزمنية المتاحة للولايات المتحدة وإسرائيل والشركاء المحتملين لتنفيذ هذه الخطوة المقترحة محدودة ببضع سنوات فقط . وينبغي أن يكون الهدف هو تصميم تسويات وبني إقليمية جديدة يصعب تقويضها، حتى في حال تعزيز قوى محافظة مثل إيران، التي ستسعى لتغيير النظام الجديد .
خريطة البنية الجديدة – اقتراح أولي وجزئي كنموذج
لبنان – فيدرالية من مجموعة اقاليم :

  • إقليم ماروني – جبل لبنان، جبيل، جونية
  • إقليم سني – طرابلس، صيدا
  • إقليم شيعي – البقاع، الجنوب اللبناني
    بشرط نزع السلاح بشكل كامل.
    منطقة عازلة إسرائيلية – بعمق 10 إلى 25 كيلومترًا على طول الحدود، تُدار من قبل إسرائيل إلى حين استقرار الوضع الأمني، ثم الانتقال إلى إدارة مشتركة إسرائيلية–دولية إلى أن تُزال التهديدات بالكامل، وتصل الدولة اللبنانية إلى القدرة على تحمّل مسؤولية إدارة هذا المنطقة .
    سوريا – فيدرالية سورية أو كونفدرالية “سوريا الكبرى”
  • إقليم علوي – الساحل السوري ومدينة اللاذقية، ضمن حدود جبلية واضحة
  • إقليم سني – السهل السوري الداخلي، حمص، دير الزور
  • إقليم درزي – جبل الدروز (السويداء)، كيان قائم بالفعل كجماعة مجتمعية
  • إقليم كردي – الشمال الشرقي (الحسكة والقامشلي) – مع إمكانية لاحقة للاندماج في كيان كردي مستقل
    إمكانية إنشاء كونفدرالية سورية–لبنانية، مع بقاء جنوب لبنان منطقة عازلة أمنية ضمن اتفاق بين إسرائيل وهذه الكونفدرالية.
    تُدار الكونفدرالية من قبل مجلس يمثل الأقاليم (برلمان وحكومة منتخبة على أساس تمثيل عادل ومتفق عليه)، بينما تُقيَّد صلاحيات الحكومة المركزية بإدارة شؤون البنية التحتية الوطنية، والأمن الخارجي، والسياسة الخارجية.
    ويكون لكل إقليم صلاحيات ذاتية في إدارة شؤونه الداخلية – مثل التعليم، والشرطة وإنفاذ القانون والنظام العام، والضرائب، والثقافة وغيرها.

العراق
– فيدرالية عراقية
إقليم شيعي في الجنوب، وإقليم سني في الوسط، وإقليم كردي (على افتراض عدم قيام دولة كردية مستقلة).
كردستان – دولة مستقلة/ذات حكم ذاتي
ستكون الدولة الكردية الكيان السياسي الأكبر الذي سينشأ في المنطقة، على أساس وحدة جغرافية وسياسية تجمع بين الإقليم الكردي في شمال العراق، والإقليم الكردي في شمال شرق سوريا، وكردستان الإيرانية.
لن تشمل الدولة الكردية المنطقة الكردية في تركيا، بسبب الحساسية التركية العالية تجاه هذا الملف، لكنها ستصبح كيانًا سياسيًا يوحّد نحو 25 مليون كردي، بدولة متوسطة الحجم ذات أهمية استراتيجية.
كما ستُقام الدولة الكردية أيضًا على شكل فيدرالية تضم ثلاث أقاليم كبيرة (الأكراد في تركيا، العراق، وإيران).

إيران
٠ – اتحاد فضفاض
إضعاف الحكومة المركزية في طهران بمنح حقوق للأقليات (الأذريين، البلوش، الأكراد) أو بفصل المنطقة الكردية في شمال غرب إيران لصالح إنشاء دولة كردية مستقلة على حدود شمال العراق وشمال شرق سوريا.
يُعدّ توحيد إيران الخيار الأكثر تعقيدًا من حيث التنفيذ، ولذلك ليس من الصواب تفكيك إيران كدولة، بل تهيئة الظروف لقيادة العملية بالتوافق عبر ثلاثة مسارات محتملة:

  • المسار الخارجي المباشر – ضغط دبلوماسي مصحوب بترتيبات أمنية – تقترح الولايات المتحدة وحلفاؤها رفع العقوبات مقابل دستور اتحادي وتغيير بنيوي للحكومة.
  • مسار دعم الأقليات – مساعدة من الولايات المتحدة وتحالف الدول الداعمة للأقليات العرقية، والتي ستتجلى في ممارسة “ضغط ناعم” على الحكومة المركزية. على سبيل المثال، دعم اقتصادي مباشر لمختلف الجماعات، وجهود حشد دولية، وعلاقات دبلوماسية.
  • المسار الكردي كـ “تأثير الدومينو” – إنشاء كيان كردي مستقل في المنطقة الواقعة بين الأراضي العراقية والسورية ذات الحكم الذاتي كنموذج جاذب للأكراد الإيرانيين، مما سيشجع الأقليات الأخرى على التصرف بشكل مماثل للسعي إلى الحكم الذاتي في مجالات معيشتهم.

اليمن
– انقسام إلى دولتين مستقلتين – اليمن الجنوبي واليمن الشمالي
في الواقع، عودة إلى ما كان عليه الوضع قبل توحيد الجمهوريتين المستقلتين – اليمن الجنوبي واليمن الشمالي. الهدف هنا هو ربط اليمن الجنوبي بإطار اتفاقيات أبراهام وعزل اليمن الشمالي وإضعافه، إلى أن يحدث تغيير جوهري فيه.
نقد مضاد (لتوضيح وتدقيق النموذج)
يمكن مهاجمة أو إضعاف الاقتراح الخاص بالنموذج أو بمنطق العمل المقترح بالاستناد إلى الحجج التالية:
التجربة الدولية في حالات مشابهة، حتى وإن لم تكن جميعها (مثل تشيكوسلوفاكيا والصومال)، وكذلك العديد من النظريات، تشير إلى أن تفكيك الدول قد يؤدي إلى زيادة العنف على المدى القصير،⁵ أو في بعض الحالات التي تتم فيها مثل هذه العمليات دون توافق، كما في حالة ليبيا، قد يحدث انهيار كامل لما كان دولة في السابق، دون أن تكون الكيانات الجديدة القابلة للنشوء قادرة على العمل بشكل مستقل ومسؤول.
وبذلك، بدلًا من كيان دولتي فاشل واحد، قد نحصل عمليًا على عدة كيانات دولية أو شبه دولية فاشلة.

  • في عمليات الانفصال، وخاصة إذا فُرضت على الأطراف أو على بعضها، يوجد خطر حدوث “تطهير عِرقي”. ويُعد مبدأ سلامة الأراضي والاعتراف بالحدود الدولية القائمة مبدأً موجّهًا للمجتمع الدولي، ولذلك فإن المجتمع الدولي يعارض في الغالب تغيير الحدود الدولية، ويعتبر ذلك انتهاكًا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون السيادية للدول.
  • إنّ محاولة تغيير النظام وتحويل إيران إلى اتحادٍ يضمّ أقاليم تتمتع بحكم ذاتي قوي وحكومة مركزية ضعيفة ، تتنافى مع تاريخ إيران العريق وقوميتها الإيرانية الأصيلة، والتي تتجلى أيضًا في رغبة مختلف الجماعات العرقية والدينية في أن تكون جزءًا من إيران واحدة.
  • التحدي الأكبر أمام إقامة دولة كردية هو تركيا . حيث ترى أنقرة في الحكم الذاتي الكردي في كل مكان تهديدًا وجوديًا، بل ولجأت إلى العمل العسكري ضد الأكراد في شمال سوريا وشمال العراق . ومن المنطقي افتراض معارضة تركية، قد تتطور إلى عدوان، لأي ترتيب كردي، حتى لو لم يشمل الأكراد الأتراك .
    القاسم المشترك بين جميع المبادئ المذكورة هو الخشية من الإضرار بالاستقرار والانزلاق إلى حروب أهلية عنيفة قد تمتد أيضًا إلى دول أخرى وتزعزع الاستقرار الإقليمي برمّته. ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن الحفاظ على الوضع القائم لا يؤدي بدوره إلى الاستقرار.
    لذلك، فإن الخيار الاستراتيجي ليس بين الاستقرار والتغيير، بل بين الحفاظ على عدم استقرار مزمن وبين تغيير جذري ينطوي على مخاطر، لكنه يحمل أيضًا إمكانية تحقيق الاستقرار.
    ويستند النموذج المقترح إلى منطقٍ عملي يقوم على إدارة التغيير بشكل واعٍ ومضبوط، بدلًا من تجنّبه.

بدائل ممكنة للتنفيذ :
في هذا الفصل سنعرض بديلين مبدئيين ممكنين (وفي الواقع قد تكون هناك بدائل إضافية أخرى، على شكل مزيج بدرجات مختلفة بين البديلين الأساسيين المعروضين) لتنفيذ استراتيجية تصميم البنية الإقليمية الجديدة وتثبيتها، من خلال تفكيك وإعادة تركيب الأطر الدولتية الفاشلة القائمة، وإضعاف إيران باعتبارها المحرّك المركزي لعدم الاستقرار.
تعتمد استراتيجية إعادة تصميم المنطقة على منطق الفيدرالية، الذي يتيح إنشاء أقاليم متجانسة نسبيًا من حيث السكان، بما يحسّن التوافق بين الإقليم والحدود والهوية، ويقدّم استجابة لمبدأ حق تقرير المصير، مع إدارة ذاتية لتلك الأقاليم إلى جانب حكومة مركزية ضعيفة.
البديل أ: “تفكك مُدار” من الأعلى إلى الأسفل –
نظام دولي تقوده الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى، يفرض على الدول الفاشلة وعلى إيران هياكل حكم فيدرالية جديدة بصيغ مختلفة تُكيَّف مع كل دولة، وتعتمد على دساتير جديدة تحدد حكمًا ذاتيًا واسعًا لكل إقليم.
الميزة: تنظيم وترتيب ومنع الفوضى الكاملة.
العيب: يتطلب استعداد الولايات المتحدة لقيادة العملية، وبناء تحالفات داعمة، واستعدادًا لتدخل عسكري دولي واسع النطاق.
البديل ب: “تقرير المصير من الأسفل”
تسليح ودعم الأقليات (مثل الأكراد، العلويين، المسيحيين أو الدروز) بهدف تشجيعهم على السيطرة على مناطقهم الطبيعية وإقامة حكم ذاتي فعلي (بحكم الأمر الواقع).
الميزة: شرعية محلية عالية.
العيب: خطر نشوب حروب أهلية طويلة الأمد، واحتمال حدوث ديناميكية “صوملة” للدول.

الشروط الضرورية للتنفيذ :
من أجل تنفيذ البديلين الأساسيين المقترحين، أو أي مزيج بينهما، هناك عدد من الشروط الجوهرية والأساسية الواجب توفرها.

  • قيادة أمريكية وتحالف إقليمي ودولي – يُظهر التجربة التاريخية أن دفع ترتيبات جيوسياسية كبرى وواسعة النطاق يتطلب وجودًا أمريكيًا، وتدخلًا، وقيادة، ودعمًا مباشرًا من الولايات المتحدة. في الواقع، من دون الولايات المتحدة، لا يمكن تحقيق تغييرات هيكلية بهذا الحجم. ويجب أن يكون التحالف بقيادة الولايات المتحدة حازمًا ومستعدًا لاستثمار الموارد الاقتصادية والسياسية والعسكرية اللازمة، وعلى مدى زمني طويل، من أجل تنفيذ هذا المسار.
  • موافقة إقليمية كشرط أساسي والتعاون كعامل مساعد جدًا – تلعب الدول العربية السنية البراغماتية في المنطقة، المنضوية ضمن المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة، وخاصة السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن، دورًا مهمًا بل وربما ضروريًا لإحداث التغيير الهيكلي في المنطقة.
    الحد الأدنى المطلوب هو عدم معارضتها لهذا المسار. أما العامل المساعد فهو الموافقة والمشاركة الفعالة في العملية، عبر الدعم والمساهمة الاقتصادية والاستعداد للانخراط في الجهد العسكري عند الحاجة.
  • الشرعية الدولية – ينبغي أن تتم قيادة واقع البنية الإقليمية الجديدة من قبل تحالف متماسك وحازم بقيادة الولايات المتحدة، مع أن إقرار هذه العملية من قبل الأمم المتحدة يضيف طبقة إضافية مرغوبة وأساسية. إلا أنه في الواقع الدولي القائم، قد يكون من الصعب تحقيق توافق داخل مجلس الأمن، ولذلك ينبغي النظر في إمكانية بناء توافق دولي واسع من خلال “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس ترامب، وتوسيعه، وتوسيع نطاق ولايته ليشمل هذا التحدي أيضًا.
  • قوات مهام متعددة الجنسيات فعّالة
    بمشاركة دول غربية رائدة إلى جانب دول المنطقة، من أجل المساهمة في تثبيت التغييرات داخل النظام الإقليمي في كل دولة على حدة.
  • دعم داخلي من المجتمعات المعنية
    ينبغي أن ترى المجتمعات/المجموعات المعنية أن التغيير البنيوي يمثل ترتيبًا يخدم مصالحها، وأن تدعمه بشكل فعّال عبر الانخراط في تنفيذه وضمان نجاحه.
  • تغيير النظام أو إضعاف إيران بشكل جذري
    من دون قطع “رأس الأخطبوط”، لن يكون من الممكن كبح الوكلاء الإيرانيين بالدرجة المطلوبة، وهم بحد ذاتهم عوامل عدم استقرار تُكرّس فشل الدول في البلدان التي يتواجدون فيها ويعملون انطلاقًا منها.
  • تفكيك حزب الله وحماس والميليشيات الشيعية في العراق
    لا يمكن تنفيذ أي إصلاح في تلك المناطق طالما استمرت هذه الوكلاء في الوجود ككيانات عسكرية منظمة وقوية وذات تأثير، تستخدم القوة القسرية والردع في مواجهة الحكومات المركزية والسكان.
  • دعم مالي (خطة مارشال إقليمية)
    إعادة إعمار الأقاليم الجديدة بهدف تحقيق استقرار اقتصادي سريع.

الخلاصة والتوصيات
إن النظام الإقليمي الذي استند تاريخيًا إلى أسس الدول القومية ذات الطابع الإقليمي، قد تدهور منذ اندلاع “الاضطرابات العربية” إلى واقع هشّ واستقرار متزعزع، يقوم في جوهره على اتساع خطوط الصدع بين المجموعات الإثنية والدينية والقومية التي جرى تجميعها قسرًا داخل أطر دول قومية إقليمية مصطنعة ومُختلقة.
وقد تفاقمت ظاهرة الدولة الفاشلة نتيجة هذه الظروف البنيوية الهشة أصلًا، حيث استغلت إيران هذا الضعف لتتغلغل وتعمل بشكل تخريبي ومزعزع للاستقرار داخل عدد من الدول الفاشلة. وبذلك أصبحت إيران قوة إقليمية مراجِعة، تنكر النظام القائم وتسعى إلى تغييره عبر توسيع هيمنتها الإقليمية من خلال شبكة من الوكلاء، وتحت مظلة صاروخية، مع التقدم نحو امتلاك قدرات نووية عسكرية.
وقد أدت الحملة ضد إيران وحزب الله (“زئير الأسد”) إلى إضعاف كبير لإيران وشبكة وكلائها، باعتبارهم عاملًا كرّس وعمّق ظاهرة فشل الدول في المنطقة، وفتح ذلك نافذة فرصة تاريخية واستراتيجية لتغيير البنية الإقليمية.
أمام الولايات المتحدة، بوصفها القوة العالمية الأقوى والقيادية، فرصة لفصل المنطقة عن منطق اتفاقية سايكس–بيكو التي شكّلت أساس الدول القومية الإقليمية بصيغتها الإشكالية وغير المستقرة، وقيادة مسار جيوسياسي واستراتيجي وتاريخي لإعادة تشكيل البنية الإقليمية على أساس تغييرات هيكلية في الوضع القائم في بعض الدول الفاشلة، وبالاستناد إلى منطق التوافق بين الإقليم والحدود من جهة، والهوية من جهة أخرى.
إن إعادة تقسيم المنطقة وإعادة تشكيلها ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة وأفضل من الوضع القائم، ولذلك من الصواب دراسة هذه الإمكانية وسبل تنفيذها.

عن معهد الاستراتيجيات الكبرى لاسرائيل

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *