فتح في مؤتمر مصيري: بين غزة المدمرة، وحماس المنهكة، و”لعبة كراسي أبو مازن “

تم عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في رام الله لأول مرة منذ عقد ، وأثار من جديد سؤال السيطرة في “اليوم التالي للحرب”. رئيس السلطة الفلسطينية أعلن أن “غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين”. وفي الخلفية، يبدو أن ابنه ياسر عباس سيتم دمجه في قمة القيادة في محاولة للحفاظ على موازين القوة القائمة.
المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس مجرد اجتماع حزبي عادي . فهو يأتي في لحظة تتعرض فيها جميع مكونات النظام الفلسطيني لضغوط متزامنة : غزة مدمرة وتبحث عن حكم لليوم التالي ، حماس فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الحكم ، لكنها لم تفقد نفوذها السياسي والاجتماعي ، السلطة الفلسطينية تبدو ضعيفة ، متقدمة في السن ومنفصلة عن الواقع ، وفتح ، الحركة التي يُفترض أن تكون العمود الفقري للقضية الفلسطينية ، تجتمع أساساً لتنظيم السلطة ، والخلافة ، والبقاء .
لذلك فإن السؤال الذي يجب طرحه لا يقتصر على من سيتم انتخابه لعضوية اللجنة المركزية لفتح ، بل يتعداه إلى ما إذا كانت فتح ما تزال قادرة على أن تكون حركة قيادية ، أم أنها تحولت إلى جهاز سلطوي هدفه الحفاظ على السلطة وعلى دائرة الموالين لأبو مازن . هل ما تزال فتح قادرة على القيادة، أم أنها أصبحت مجرد آلية لحفظ شبكة الولاءات لأبو مازن؟ جاء التوقيت درامياً. فقد تم افتُتاح المؤتمر الثامن لحركة فتح في رام الله في 14 مايو 2026، لأول مرة منذ عشر سنوات ، حيث اختارت الحركة من جديد مؤسساتها العليا.
شارك في المؤتمر 2,580 مندوباً : نحو 1600 في رام الله ، و400 في غزة ، و400 في القاهرة ، و200 في بيروت . وفي يومه الأول تمت اعادة انتخاب أبو مازن بالإجماع رئيساً لفتح والقائد العام للحركة ، وهي نتيجة تم عرضها كتعبير عن الثقة ، لكنها عملياً عكست عمق سيطرة المنظومة المحيطة به .
لاحقاً تم فتح باب الترشيحات لشغل 18 مقعداً في اللجنة المركزية و80 مقعداً في المجلس الثوري ، وهما الهيئتان اللتان يُفترض أن ترسما خريطة القوة الفلسطينية لمرحلة ما بعد أبو مازن . نظرياً، يبدو الأمر كإجراء مؤسساتي اعتيادي ، أما عملياً فهو ساحة لإعادة ترتيب موازين القوى استعداداً لمرحلة ما بعد الرجل الذي يسيطر على فتح والسلطة منذ عقدين.
أبو مازن نفسه قدّم المؤتمر باعتباره “لحظة حاسمة” لمراجعة المسار ، وتجديد الرؤية الوطنية ، وإعادة إعمار غزة ، وفتح أفق سياسي . وأكد أن “غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين وأن أي تسوية انتقالية يجب أن تكون مؤقتة وألا تمس الوحدة السياسية والقانونية بين غزة والضفة الغربية” .
غير أن هذا التصريح ، أكثر مما يعكس قوة ، يكشف ضعف اللحظة ، فالسلطة تطالب بالعودة إلى غزة ، لكنها لا تمتلك حالياً لا الشرعية الكافية ، ولا القوة الأمنية المستقلة ، ولا الثقة الشعبية التي تتيح لها تحقيق ذلك .
تسيطر حماس على غزة منذ عام 2007 ، وهي القوة الحاكمة هناك . وقد أضرّت بها الحرب بشكل كبير ، لكنها لم تقضي على وجودها . وحتى إذا كانت الخطط الدولية تتحدث عن غزة “ما بعد حماس”، فإن الواقع أكثر تعقيدا : فحماس ليست مجرد قوة حكم ، بل هي شبكة اجتماعية وأمنية وأيديولوجية وعائلية . وأي تسوية تحاول تجاوزها بالكامل قد تتعثر على الأرض . وفي المقابل ، فإن أي تسوية تمنحها دوراً علنياً ستكسر التوافق الأميركي والإسرائيلي وجزءا من التوافق العربي حول ضرورة إخراج حماس من الحكم .
الخطط الإقليمية والدولية لليوم التالي في غزة تزيد من تعزيز حالة الانسداد . فالخطة المصرية تتحدث عن لجنة دعم مجتمعي من خبراء ومهنيين تعمل وفق قوانين السلطة ، مع تفاهمات معينة مع الفصائل . أما الخطة الإماراتية فتركز على بعثة دولية مؤقتة وإصلاح عميق في السلطة كشرط لعودتها .
المسودة الأميركية تقترح إشرافاً دولياً هجيناً ، وقوة متعددة الجنسيات ، ونقلاً تدريجياً للسلطة إلى السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ إصلاحات . أما خطة السلطة نفسها فتطالب بـ”قانون واحد ، سلطة واحدة ، وسلاح واحد” ، في غزة والضفة . والقاسم المشترك واضح : تقريباً جميع الأطراف تخصص دوراً ما للسلطة الفلسطينية في غزة . فالسلطة الفلسطينية ، وفي قلبها فتح ، هي العنوان الذي تعود إليه كل الخطط ، لكنها أيضاً العنوان الذي لا يبدو مؤهلاً لتحمل هذه المهمة .
من هنا تنبع أهمية مؤتمر فتح . فكل من يسعى لإعادة السلطة إلى غزة عليه أولاً أن يُظهر أن هناك سلطة تستحق العودة . ليس بمعنى السيطرة الإدارية ، بل بمعنى الشرعية ، والتمثيل ، وتجديد القيادة ، والقدرة على التحدث باسم عموم الفلسطينيين.
وإن مؤتمرا يبدو كأنه خطوة مُحكمة من أبو مازن لضمان الولاءات حوله يعطي انطباعا معاكسا تماما . فهو يعمّق الشعور بأن فتح لا تستعد لليوم التالي في غزة ، بل لليوم التالي لأبو مازن .
وهنا يكمن جوهر قصة ياسر عباس ، نجل أبو مازن . فمجرد احتمال دمجه في قيادة فتح لا يعني أنه تم تنصيبه وريثا ، لكنه يبدو بوضوح كجزء من محاولة لترتيب مقعد له على الطاولة قبل بدء المعركة الحقيقية . لا ملكية ولا تتويج ، بل سياسة عائلية تقوم على الحفاظ على النفوذ وإتاحة الوصول في اليوم التالي لأبو مازن .
المفارقة أن فتح تحتاج منذ زمن إلى العكس تماما : إلى استعادة الثقة ، وليس إلى هندسة الورثة . فالمؤتمر الذي يعيد تثبيت مكانة الرجل العجوز يعكس حركة عاجزة عن تقديم رؤية جديدة ، وغير قادرة على إخبار الجمهور الفلسطيني ما هو مسارها بعد حرب غزة ، وبعد أن أثبتت حماس قوتها وحدودها التدميرية في آن واحد .
النقطة الحاسمة هي أن غزة ليست مجرد مأساة إنسانية أو مشكلة أمنية إسرائيلية ، بل هي اختبار بقاء للمشروع الفلسطيني . فحماس ، حتى بعد أن تضررت بشدة ، لا تزال قوة قادرة على التأثير على الأرض ، بينما أصبحت السلطة الفلسطينية بشكل متزايد عنواناً دبلوماسياً بلا جذور . وإن عودة السلطة إلى غزة بصيغتها الحالية ستظهرها كمقاول فرعي لتسوية مفروضة من الخارج ، وقد تفقد ما تبقى لها من الادعاء كقائدة .
لذلك فإن المؤتمر الثامن لفتح هو لحظة حاسمة ، ليس لأنه سينتخب لجنة مركزية جديدة ، بل لأنه يكشف التناقض الأساسي في السياسة الفلسطينية : الجميع يحتاج إلى سلطة قوية بما يكفي لإدارة غزة ، لكن هذه السلطة نفسها ضعيفة لدرجة لا تقنع بأنها تمثل الفلسطينيين . الجميع يتحدث عن تجديد فتح ، لكن قيادتها تتصرف وكأن التحدي هو الحفاظ على السيطرة . أبو مازن يقرأ اللحظة التاريخية بشكل صحيح ، لكن الأدوات التي يستخدمها تنتمي إلى عالم قديم .
بهذا المعنى ، فإن مؤتمر 2026 ليس نقطة تحول بل صورة أشعة (تشخيص). إنه يكشف مرضاً سياسياً تم وصفه قبل أكثر من عقد ، لكنه لم يُعالج قط . فتح ، التي حملت يوماً راية الثورة الوطنية الفلسطينية ، تبدو اليوم أقل كحركة قادرة على انتشال القضية الفلسطينية من أزمتها ، وأكثر كجهاز يتولى إدارة تدهورها .
موقع واللا العبري