فاروق وادي في سرديّتهِ الأخيرة… يفتحُ باباً في جدارٍ بلا باب


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

“نحنُ بحاجةٍ إلى عُمُرٍ آخر.. عُمر نُرمّمُ فيه أخطاء عمرنا الأول” (ص291) 

من هذه الخلاصةِ التي وردتْ قبل صفحتين من نهاية رواية “سوداد – هاوية الغزالة” لفاروق وادي، يُمكنُنا الوُلوج إلى نصّ الكاتب الذي زيّنه بعناصر تكميليّة وردتْ لتقيم علاقة ما بين لغة ولغة، كما هي البُرتغاليّة لغة العُنوان، والعربيّة متْن الحكاية وشخوصها، وكذا بين صيّاد وصيّاد، أحدهما فارس والآخر قاطع طريق، والأمر نفسه بين شاعر من هناك، هو الشّاعر البرتغاليّ بيسوا؛ وكاتب من هنا، هو الكاتب الفلسطينيّ وادي، تماماً كما هي حكايةُ مدينةٍ وأُخرى، فهيَ “نازاريه” في البرتغال، وهي النّاصرة في فلسطين، حيثُ المتحفُ والكنيسةُ والمنحوتةُ المنصوبة أمام الجدارِ هُناك، وقد نُزعت قبْلاً من أمام جدارٍ هنا؛ فضلاً عن الأسطورة المتداولة حول الغزالة التي لم تَسْلَم من سهام الصّياد، ليُصبح سؤال العُمر الآخر: منْ تكونُ الفريسة ومنْ يكونُ الصيّاد؟ في الحكاية، يُسقطها وادي على أبطاله ياسين وسموّ الأمير في إشارة إلى الصيّاد الفارس، في مقابل قاطع الطريق؛ وفي التأويل يجوز للقارئ أن يُحيلها، وفق ما يعرف بالنسق المضمر، إلى حكاية الضحيّةِ والجلّاد، بوصفها دلالةً يُمكنها أن تُشير بمعنى ما، إلى فلسطين الضحيّة وهي تأبى إلّا أن تنظُر في عين مستعمرها لتقول: إمّا أنا أو أنا!

يقال في النّقد الأدبيّ، إنّ لكلّ سرديّة أو نصّ عتبة ما، وردت لتساعد القارئ على الإمساك بخيوطِ العمل، ولكنّ فاروق وادي في روايته الأخيرة، أدخلَ القارئ في متاهة عتباتٍ لا عتبةً واحدة، كلّها منفردة ومُجتمعة تفسّر النّصَّ وتعقّده في آن؛ فالعنوانُ عتبة، والغلافُ عتبة، والغزالةُ عتبة، واستدعاءُ نصوص شعريّة من شاعر برتغاليّ راحل قد يمثّل عتبة إضافيّة. فإنْ توقّفنا أمام العُنوان “سوداد” كمُفردة برتغاليّة لا رديف عربيّ دقيقٍ لها، سوى أنّها شعورٌ أو إحساس يشي بشيء منْ الحنين المُرتبك أو الشّوق المُلتبس، فنحنُ بالضّرورة نتحدّث عن أدب العائدين، وربّما أدب المنفى؛ وإنْ عرجنا على لوحة الغلاف التي تتصدّرها صورة الغزالة من دون صيّادها، فالدّلالة هنا تؤكّد انتصار الضحيّة على الجلّاد وإن طال الزّمن، وكذا الأمرُ يتكرّر فيما لو أحببنا النّظر في أمْر استدعاء الكاتب لعددٍ لا بأس به من أشعار شاعرٍ عاش ومات دون أن يحيا انتصارَه، وكأنّنا بالكاتب يقول: هذا أنا، نموذج الفلسطينيّ الذي لم يفقد الأمل، ولكنّه قد لا يعيشه بالضّرورة.

في الحكاية، نجد الكاتب وقد نسج قصّة ياسين البطل، وكأنّه يحيك للقارئ ثوباً أنيقاً بيد صانع يحترف مهنة الخِياطة بمهارة لافتة؛ بين أدواته، هناك رسالة من شخص مجهول، وأخ غائب، وقصص من فرط تداخلها شكّلت ثوبها الجميل، بلغة أصحاب مهنة الخِياطة؛ ولوحة تعجّ بالألوان والأبعاد، بلغة الكُتّاب والفنانين؛ لكلّ ثوبٍ أو لونٍ دلالةً لا تقلّ أهميّة عن الأخرى، وإن تداخلت الألوان حيناً، وتوزّعت أحياناً؛ لا لتشتّت القارئ، وإنّما لتدفع به ليكون شريكاً فعّالاً في الأحداث، حيث الثّوب لا يخصّ الخيّاط وحده، تماما كما اللّوحة التي لا تخصّ الفنان وحده، ولكنّها لا شك تخصّ كلّ مراقب لما يُعرض بالقرب من الوطن ولوحته المعلّقة على جدار البيت.

افتتح الكاتب سرديّته بخبر رسالة كُتبت باللّغة الفرنسيّة، وصلت سارده أوّلاً عبر الهاتف من تولوز جنوب فرنسا، حيث تقيم ابنة شقيق مجهولة تدعى ياسمين، ليكتشف لاحقاً أنّها ابنة شقيقه الأكبر ياسين بطل الحكاية التي تتفرّع منها عديد الحكايات منذ كان طفلاً ليس شغوفاً بالدّراسة ولا يحبّ المدرسة، ولا يعرف المعنى العميق لمفهوم الوطن؛ فقد كان عاشقاً هائماً بالحبيبة ياسمين الّتي لم تبادله يوماً أيّة مشاعر تُذكر، أو يمكنها أن تحُول دون وقوعها في اغراءات سموّ الأمير، الآتي من صحراء الرّمال الذهبيّة والنفط، ليضمّها إلى ملك يمينه أو محظيّاته تحت عنوان الزّواج الذي لم يؤكّده أحدٌ قبل قتلها بتهمة الخيانة؛ وهي النصرانيّة من قوم عيسى.

السّارد الذي لم يعلم تماماً، وفق الشّاعر المُستدعى “أهو سوداد يشدّنا إلى شيء ما، أم ارتباك في المشاعر؟ نحو أي وطنٍ مُبهم” (ص269)، راح يقصّ علينا حكايات ياسين التي لم تنته إلا في التّيه الذي تنقّل به هائماً منقاداً من بلد إلى آخر، ومن حضن امرأة إلى أخرى، ولسان حاله يردّد ما قاله الشّاعر بيسوا ذات يوم بعيد: “منبوذٌ أنا، في ذاتي حبسوني بعد ولادتي، غير أنّني لُذتُ بالفرار” (ص50) عمل بالصّحافة والسّمسرة والهندسة؛ وفي الأثناء دخل في علاقة مع فنّانة تشكيليّة تدعى جيزيلا، ارتاح بين أحضانها فباح لها بأنّه “إذا ما أنجَبْتُ بنتاً في يوم من الأيّام، فسوف أسمّيها ياسمين” (ص160)، لتقرّر هي بدورها في لحظة جنون ما، أن تتكون ياسمين في أحشائها دون إعلامه، قائلة: “لن أسمح لامرأة أخرى، غيري أنا، أن تكون أماً لياسمين”. (ص192) 

جيزيلا التي استلمت من الشّقيق السّارد دفّة السّرد الاسترجاعي، ذاتيّ التّجربة بمحدّدات تسجيليّة، يصعب خيانتها للذّاكرة، راحت تتلو حصّتها من نظرات الغزالة المكلومة في فارسها ياسين الذي دخل عليها بعد طول غياب مساء يوم فاصل في حياتها، برفقة امرأة سمراء قبيحة تكبره بنحو عشر سنوات وفق تقديرها، لتتبادل وإيّاها مشاعر الارتياب وعدم الارتياح بل والحقد والكراهية أحياناً، إلى أن اختلت به في اليوم التالي لتبلغه بما خبّأته من مفاجأة ظنّت أنها ستجعله يطير فرحاً فوق سماءٍ سبع، لتُصدم بردّة فعله المشكّكة في إخلاصها، بأنّ عليها التخلّص من الجنين فوراً ودون نقاش قائلاً: “عليكِ أن تختاري بيني وبين الجنين” (ص207)؛ هنا هَوَت الغزالة جيزيلا من حلمها المحلّق عالياً إلى وادٍ سحيقٍ من دون أن ترفع نظراتها الحادّة عن عينيه وهو يرمقها بسهام موقفِهِ القاتل؛ هَوَت لتغدو وكأنّها لم تكن، على الرّغم من رفضها التخلّص من حلمه الذي بات حلمها في ياسمين صغيرة تشكّل حياة جديدة، فقالت بثقة حازمة: “أنت اخترت، لن أجهض ياسمين” (ص207).

بدأت ياسمين الابنة التي وُلِدت في السّجن وكبرت في المنفى، بعد معاناة استمرّت معها إلى يوم رشدها، رحلة البحث عن أبيها الذي تعرّفت لتوّها عليه، وعلى قصّته من الأمّ التي لم تشأ أن تقول لابنتها شيئاً إلا يوم بلوغها سنّ الرّشد؛ كبرت ياسمين العربيّة الفلسطينيّة التي لا تعرف كلمة عربيّة واحدة، كما لم تعرف عن وطنها شيئاً إلا يوم قرّرت أن تقترب منه ولو عن بعد، من خلال تواصلها في رحلة البحث مع قنصليّته في فرنسا، وحفلات أبنائه بيوم استقلال لم يتحقّق بعد؛ فيما عرف العمّ السّارد بكامل القصّة من المرأة التي تواصلت معه بمحمول رسالةٍ كتبتها ياسمين يوم تعرّفت عليها في ذلك الحفل، لتكون ردّة فعل العمّ ضرورة البحث عن ياسين الذي قاطعه هو وشقيقهما الأكبر منذ زمن طويل على خلفيّة مغامراته؛ ليتحقّق اللّقاء بين الأخ وأخيه الذي تعامل مع قصّة ابنته وكأنّها لم تكن، رافضاً الاعتراف بها بالقول: “تكفّل بها أنت ما دام لديك كلّ هذه النّزعات الإنسانيّة العظيمة” (ص267). ليعود ياسين بعد مدّة قصيرة مع العائدين إلى الوطن عشيّة اتّفاق أوسلو الذي جلب الصّالح والطّالح، فكان ياسين بين تلك الفئة الأخيرة عائداً مرتبكاً إلى أحلامه الأولى في وطن لم يعد كما كان، ليعلم بما حدث لمحبوبته ياسمين التي فُصِل رأسها عن جسدها على يد الصّياد الأمير بتهمة الخيانة، فذهب في هذيانه ينادي حبيبته مرّة، وابنته مرّة إلى أن غاب في الأبديّة وهو يردّد: “قد نكون بحاجة إلى عمر آخر، لنرمّم فيه كلّ حماقاتنا وإخفاقاتنا” (ص291).

الكاتب وادي وبالاتّكاء على عتباته الكثيرة في هذه السّرديّة، وبلغة شّاعريّة ذكيّة عميقة، إنّما عالج العديد من القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة على حدّ سواء؛ فنجده مرّة يتناول قضيّة المرأة وحقوقها في المجتمع العربيّ منذ الأزل وحتّى اليوم، ومرّة يحاكي التّفسيرات الدّينيّة ومآلاتها، كما فعل في قضيّة رجم المتّهم بالزّنا، وفي ثالثة ننتبه عليه يناقش شيئاً من الأفكار الفلسفيّة كما هو تناوله الواضح للماركسيّة والوجوديّة، ونظريّة النّشوء والارتقاء، وصولاً إلى نقاشات الكُفر والإلّحاد؛ وكلّ ذلك بالكثير من التّناص مع النّص القرآنيّ الحاضر بقوّة لافتة بين زوايا الحكاية؛ هذا فضلاً عن ممارسة الكثير من النّقد السّياسيّ اللّاذع للطّبقة الحاكمة في المنطقة العربيّة وفي فلسطين مباشرة وترميزاً؛ وكأنّنا به في هذه السرديّة المهمّة، يتمثّل شاعره الأثير بيسوا، “ليفتحَ باباً في جدارٍ بلا باب”، هو باب المعرفة والحقّ وضرورة إعادة ترميم الكثير من المفاهيم الاجتماعيّة والدينيّة والوطنيّة.

عن رمان الثقافية

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أحمد زكارنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *