غسان كنفاني : الإنسان والثائر والمفكر والأديب والروائي  المتميز

ما كان ممكنا  استهلال عودتي للاهتمام بالشأن العام – بعد انقطاع  لنحو ثلاثة أشهر أوجبته ظروف خاصة-  تجاوز الذكرى الخمسين لاستشهاد المفكر والكاتب  والروائي المبدع والثائر غسان كنفاني . الذي كانت رئيسة وزراء العدو جولدا مائير قد وصفته بحق  في تعليقها على عملية اغتياله في الثامن من تموز  1972  بقولها ، “بمقتل غسان تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان كان يشكّل خطرًا على إسرائيل أكثر من ألف فدائي مسلح”.

استثنائية الشهيد غسان كنفاني  تكمن في انه كان من القلة  القليلة التي وعت  مبكرا طبيعة المشروع الاستعماري الغربي الاستيطاني الصهيوني وأخطاره الوجودية .

وفي كونه من أوائل الكتاب اللاجئين المقتلعين من ديارهم الذين امتلكوا ملكة التعبير  الأدبي عن عذابات جيل النكبة الفلسطينية ، ورفض التسليم بالهزيمة . وتميز  بوضوح الرؤية للسبيل الوحيد  الممكن لتصويب مسار التاريخ  الفلسطيني .

فرادة  غسان كنفاني تكمن في قدرته المتميزة على المواءمة  بين الإنساني والوطني،  وغزارة إنتاجه الأدبي والسياسي الذي يعكسه الإرث  الثري من القصص والروايات  والمقالات لشاب اغتاله العدو  في السادسة والثلاثين  من عمره ، وكان وكأنه يسابق الزمن في  التنوير المعرفي لاستنهاض شعبه بعد النكبة.

قصصه القصيرة منذ امتهن الكتابة في العشرين من عمره، وروايته الأولى والأهم  التي صدرت عام 1963 ” رجال في الشمس ”  في صدقها ومضمونها المعبر عن عذابات  الفلسطيني الباحث عن فرص للبقاء على قيد الحياة ، والكاشف لضيق السبل العربية المتاحة أمامه . وتوقيت صدورها  الذي أظهر الفجوة الشاسعه بين  الشعارات القومية وبين تجلياتها العملية في التعامل مع تداعيات النكبة الفلسطينية . 

واستشرافه المبكر لأهمية اعتماد الفلسطيني على ذاته. ثم إتباعها برواية ” ما تبقى لكم ”  التي تعبر عن إرادة النهوض والفعل، بالحث على الانتقال من الهم  الشخصي الخاص إلى الهم الفلسطيني المشترك العام.

وبصيرته الثاقبة التي  ترى بالثورة سبيلا وحيدا  لتصويب اعوجاج  اتجاه حركة التاريخ  الفلسطيني  بالعمل الهادف . حيث صواب البوصلة  التحررية السبيل  الممكن لصناعة المستقبل الذي سعى لاستشرافه  في روايته  “عائد إلى حيفا “

غسان  مؤسس ورئيس تحرير مجلة الهدف  وكاتب  عشرات المقالات حول  مخاطر  فكر التسويات السياسية  التي تختزل الحقوق الوطنية  والتاريخية الثابتة  للشعب الفلسطيني ، بالتسليم بما سبق احتلاله  في نكبة العام 1948 ، ومقايضته  بما جرى احتلاله بعد  الهزيمة  في العام 1967 ،  والمحذر من أخطار تحول الخطاب العربي الرسمي من تحرير فلسطين إلى ازالة آثار العدوان،  والمنبه لمخاطر القبول بمشروع روجرز ،  وربطه  لتداعيات نهج التسويات بتصفية الثورة الفلسطينية في الاْردن. 

واستشعاره المبكر  لخطر  التحول الجوهري في الخطاب والسلوك العربي الرسمي على القضية الفلسطينية. وتلمسه  الصحيح  لمستلزمات النهوض  وتوفير موجباته فلسطينيا  لمواجهة الأخطار الوجودية .

كل ذلك جعله  هدفا رئيسيا للعدو  الصهيوني الذي أدرك مبكرا  تفوق أخطار الفكر  الثوري التغييري  المقاوم ، الذي يرى أن الخلاص الفلسطيني الفردي والجمعي لا يتم  إلا  بالثورة التي :

– تتمسك بالحق الإنساني في الحياة والحرية والكرامة.

  – ولا تسلم  بالوقائع  الاستعمارية الناشئة التي سمح بها تضافر   مجموعة عوامل ذاتية وعربية ودولية وظفت لتحويلها  إلى حقائق . وتعمل على  استنهاض القدرات الذاتية المتاحة والكامنة .

-وتسعى لتوفير الموجبات الضرورية  لاستعادة الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في ارض وطنه،  ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على ارض فلسطين ، باعتباره السبيل لصناعة المستقبل المأمول .

استهدف العدو الصهيوني وأدواته غسان كنفاني والمفكرين الفلسطينيين امثال وائل زعيتر ، ومحمود الهمشري ،  ونعيم خضر ، وعز الدين قلق ، وباسل الكبيسي وحنا ناصر ، وكمال عدوان ، وماجد أبو شرار ، وحنا مقبل ، وحنا ميخائيل،  وناجي العلي ، وباسل الأعرج وعشرات المفكرين  والمبدعين الفلسطينيين لأنهم شكلوا رموزا  لحضارة شعب لا يكتمل انتصار مشروعه الاستعماري الاستيطاني إلا باجتثاثها .

وبالرغم من ذلك ، تبقى فلسطين عصية على الزوال ويبقى شعبها الأبي المناضل  الصامد المصمم على بلوغ حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة  غير القابلة للتصرف عصي على الفناء.

فكما قال غسان كنفاني  “تسقط الأجساد، لا الفكرة”

Author: غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.