غزة والكرامة العربية المهدورة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

إلى جانب العديد من المنجزات السياسية والعسكرية الأخرى التي حققتها عملية “طوفان الأقصى”، ومن بينها ضرب قوة الردع وكسر هيبة الجيش الإسرائيلي، فإن الإنجاز الأهم لهذه العملية هو إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة السياسية، وموضعتها مجددا على رأس سلم أولويات المنطقة والعالم، بعد أن حاولت الصفقة الأميركية – السعودية – الإسرائيلية محوها وطي ملفها إلى الأبد.

اعتقدوا أنهم سيشترون سكوت سلطة حماس في غزة مثلما سيشترون صمت السلطة الفلسطينية عن صفقة التطبيع، التي أريد لها إنهاء القضية الفلسطينية ببضعة ملايين من الدولارات تدفع بالعملة السعودية، وبلغت الوقاحة الإسرائيلية حد الاستشهاد بتصريحات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، التي تحدثت عن “تسهيل حياة الفلسطينيين”، لاتهام الإدارة الأميركية بأنها ترفع السقف وتختلق شروطا لم تطلبها السعودية لتنفيذ الصفقة.

من “أراد الرياض أخذ جهاد” كما كتب الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت، ومن اعتقد بإمكانية إقامة سلام مع الإمارات ومع السعودية وإدخال الفلسطينيين طي النسيان حتى يتم محوهم من الذاكرة… وإلقاء فتات الصدقات على شاكلة زيادة تصاريح العمل في إسرائيل باتجاه غزة واستمرار صيانتها كسجن كبير، أخطأ الحسابات كما كتب غدعون ليفي.

غزة فاجأتهم بضربتها الموجعة التي أذلت العنجهية الإسرائيلية، وأظهرت ضحالة إسرائيل وهشاشة “جيشها الذي لا يقهر”، بعد أن أفقدتها توازنها وأدخلتها في حال الصدمة في المستويات العسكرية والسياسية والجماهيرية، حتى اضطر حليفها الأكبر، الولايات المتحدة الأميركية، ليس فقط إلى تحريك أكبر حاملة طائرات في أسطوله، “جيرالد فورد”، باتجاه شواطئها لإعادة الشعور بالأمان والسكينة المفقودين لسكانها وتعزيز الروح المعنوية لقيادتها العسكرية والسياسية، بل إلى تولي دور الوصي و”الأب الأكبر” والذي بدا جليا بالخطابات المتوالية للرئيس جو بايدن التي أظهرت إسرائيل، ربما لأول مرة، مجرد تابع ضعيف لا يقوى على الوقوف وحيدا أمام اصغر عدو في محيطه.

إسرائيل اكتشفت بعد الضربة، ليس فقط أن جميع منظوماتها قد انهارت، بل أنها مرتبطة بشكل مطلق بواشنطن، وأنها مجرد ولاية أخرى صغيرة من الولايات المتحدة، بتعبير المحلل العسكري أمير أورن، الذي كتب أن الجيش الذي كان كبيرا ومخيفا حتى السبت الأخير، ظهر عاجزا هو وجنرالاته، ولاحقا كغريق ينتظر المنقذ الذي جاء على شاكلة حاملة الطائرات الأميركية، في حين تعامل بايدن مع نتنياهو مثلما يتعامل مع حاكم فاشل لإحدى الولايات الأميركية.

أما ما يشاع عن فظائع ارتكبتها حماس في المستوطنات الإسرائيلية (رغم أننا لا نحبذ المقارنة مع إسرائيل، لأننا لا نرى أي وجه للمقارنة بين حركة مقاومة بما يفترض أن تتحلى به من مصداقية أخلاقية، وبين دولة استعمار استيطاني قائمة على الاحتلال والبطش والقتل)، نقول إن ما يشاع أن حماس ارتكبته من فظائع ستتضح أبعاده لاحقا، وهو نقطة في بحر مما ترتكبه إسرائيل من مجازر في قطاع غزة اليوم وعلى مدى تاريخها الدموي، كما أن بعض الصحافيين والمعلقين الإسرائيليين “المتطرفين” بالذات، ومنهم أوهاد حامو، مراسل القناة 12، قد شهدوا قبل أن يجري إسكات صوتهم، بأن هذه الأعمال لم يرتكبها مقاتلو القسام بل مدنيين فلسطينيين.

وبتعبير الصحافية عميرة هس، فإن ما حدث هو أن المواطنين الإسرائيليين ذاقوا في يوم واحد ما ذاقه الفلسطينيون خلال عشرات السنين وتحول إلى جزء من حياتهم اليومية، من هجوم عسكري، موت، وحشية، قتل أطفال، جثث ملقاة في الشوارع، حصار، خوف، قلق على مصير أحبائهم الأسرى، شعور بالانتقام، ضربات قتل جماعي بالجنود والمدنيين، شعور بالدونية، هدم بيوت وتخريب عيد أو حفلة، ضعف وقلة حيلة مقابل مسلحين يستطيعون فعل أي شيء وإهانة حارقة.

ويظهر من العشوائية والارتجالية التي رافقت عملية دخول المستوطنات الإسرائيلية، أن حماس لم تتوقع هذا الانهيارالمفاجئ لخطوط الدفاع العسكرية الإسرائيلية على طول الحدود مع غزة بهذه السرعة، ولذلك فقد تمحورت الخطة العسكرية في الاشتباك مع القوات العسكرية المتمركزة على الحدود ولم تشمل تصورا لما بعد الانهيار والدخول إلى عمق المستوطنات الإسرائيلية، وكيفية التعامل مع هذا السيناريو.

كما من الطبيعي أن تقوم إسرائيل وحليفتها أميركا بتضخيم هذه الأعمال الفردية لإلصاق صفة الداعشية بحماس بهدف تشويه صورة النضال الفلسطيني، وتبرير عمليات القتل الجماعي وجرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في قطاع غزة، حيث يبيد طيرانه أميركي الصنع بطياريه “العلمانيين” الذين كانوا قد أعلنوا عن رفض الخدمة تحت قيادة حكومة نتنياهو – – بن غفير – سموترتش صاحبة مخطط الانقلاب على القضاء والديمقراطية، يبيد هذا الطيران وهؤلاء الطيارون أحياء كاملة عن بكرة أبيها، هذا إلى جانب الحصار الشامل الذي يسشمل قطع المياه والكهرباء عن القطاع.

فجأة تبخر الخلاف الذي “مزق” المجتمع والساحة السياسية الإسرائيلية لأشهر طويلة واختفت حركة الاحتجاج على “الانقلاب القضائي”، وعاد الطيارون والجنرالات “الليبراليون الأشكناز” ليتخذوا مواقعهم العسكرية، واحتل قائدا الأركان السابقين غانتس وأيزنكوت مقاعدهما في غرفة القيادة التي يتولاها رئيس الحكومة “الفاسد” الذي”يحاكم بملفات جنائية، ويحظر الجلوس معه في حكومة واحدة”، وفجأة تصبح العلاقات المشحونة بين بايدن ونتنياهو مثل السمن على العسل، فيجري الأخير معه أربع مكالمات خلال أربعة أيام، ويكرر الأول كذبة الأخير عن “داعش حماس” و”قتل اليهود” التي رددها أكثر من مرة في أكثر من خطاب، ربما لاستدرار أصوات اليهود الأميركيين في الانتخابات المقبلة.

ونعتقد أن بايدن يعرف أن من قتل اليهود في أوروبا هم ليسوا العرب والمسلمين، وحتى لو كانت إسرائيل التي أقيمت على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني، مهربا وملجأ لليهود الذين فروا من الاضطهاد والقتل النازي الغربي، كما يدعون، فإنهم يكونوا قد اختاروا الهرب واللجوء إلى الشرق، إلى ارض العرب والمسلمين، الذين احتضنوا اليهود على مدى عقود طويلة تحت دولتهم العربية الإسلامية مترامية الأطراف.

إنها العقلية ذاتها التي يحملها بايدن ونتنياهو وجنرالاتهم من عسكريين وإعلاميين يدعون إلى تسوية غزة بالأرض وهدم بيوتها على رؤوس أصحابها، ومحو وإبادة حماس، وهو العنوان العريض لما سميت بحكومة الطوارئ الإسرائيلية ومطبخها العسكري، والذي أصبح هدفا معلنا للحرب التي تحشد إسرائيل فيها 360 ألف جندي احتياط، إلى جانب 140 الف جندي نظامي وحاملتي طائرات أميركيتين، ضد تنظيم صغير لا يتجاوزعدد مقاتليه بضعة آلاف أو عشرات الآلاف.

ولكن على الرغم من هذا الحشد الهائل، نقول إنهم يحلمون بالقضاء على حماس، ليس لأنها فكرة وحركة دينية واجتماعية، وليس حركة عسكرية وسياسية فقط، كما يقول العديد من محلليهم الذين يستبعدون إمكانية من هذا النوع، بل لأنها حركة مقاومة وطنية تتمتع باحتضان شعبي فلسطيني لا مثيل له، وبعمق عربي وإسلامي شعبي ورسمي أيضا، لن يسمح بأي حال لإسرائيل الانفراد بها.

ويبدو أن المعادلة أصبحت واضحة للجميع، وهي أن تشكل أي خطر وجودي على حماس سيفضي إلى دخول حزب الله الحرب، وأن أي تدخل أميركي ضد حزب الله في حال دخوله الحرب، سيقود إلى تدخل إيراني مماثل.

هي معادلة ردع متبادل جاءت التهديدات الإيرانية والمناوشات على الحدود اللبنانية لتؤكدها بالملموس، وجاء الإنذار الكاذب عن دخول مسيرات تابعة لحزب الله الأجواء الإسرائيلية وما رافقه من هلع إسرائيلي شعبي ورسمي، لتضعها في الامتحان العملي.

عن عرب48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سليمان أبو ارشيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *