غزة والضفة: شأن محلي أم قضية شعب يستدعي استعادة منظمة التحرير؟

مقدمة
لم تعد الأسئلة الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية أسئلة نظرية أو مؤجلة، بل باتت تفرض نفسها بقسوة الوقائع اليومية في غزة والضفة الغربية، وفي ارتدادات هذه الوقائع على الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم. فالحرب المفتوحة على غزة، والتصعيد المنهجي في الضفة، لا يمكن قراءتهما كأحداث محلية معزولة، ولا كأزمة تخص من يعيشون تحت الاحتلال المباشر فقط، بل كتحول تاريخي يمس جوهر القضية الفلسطينية برمتها، ويعيد طرح سؤال التمثيل، والشرعية، ووحدة الشعب الفلسطيني وأدوات نضاله.
في هذا السياق، تعود منظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهة النقاش، ليس بوصفها ذكرى من الماضي أو إطارا رمزيا، بل باعتبارها الإطار الوطني الجامع الذي جرى تهميشه لصالح سلطة حكم ذاتي مقيدة بالاتفاقات والوظائف الأمنية. من هنا، تسعى هذه العناوين إلى مقاربة مترابطة لثلاث قضايا مركزية:
أولاً : هل ما يجري في غزة والضفة شأن محلي أم قضية فلسطينية عامة؟
ثانياً : وهل إحياء منظمة التحرير يشكل تهديدا للسلطة أم ضرورة وطنية؟
ثالثاً : وما الذي يعنيه ذلك سياسيا في لحظة تبدو فيها السلطة عاجزة، والمنظومة الوطنية مأزومة؟
هذا الملف لايأتي دفاعًا عن شكل تنظيمي بحد ذاته، ولا هجوما تجريديا على السلطة، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الشعب الفلسطيني وقضيته، وبين التمثيل السياسي والواقع النضالي ، في لحظة تهدد بتصفية ما تبقى من المشروع الوطني إن استمر الصمت أو الاكتفاء بإدارة الأزمة.
أولاً : هل ما يجري في غزة والضفة شأن محلي أم قضية فلسطينية عامة؟
ما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية ليس حدثا محليا يمكن حصره في جغرافيا بعينها أو تحميل تبعاته لسكان هاتين المنطقتين وحدهم . فهذه القراءة، التي تُقدَّم أحيانًا بوصفها “واقعية”، ليست سوى استجابة غير واعية لمنطق الاحتلال نفسه ، القائم على تفكيك الشعب الفلسطيني إلى وحدات معزولة، لكل منها مشكلاتها و”حلولها” الخاصة.
ما تشهده غزة من حرب إبادة، وما تتعرض له الضفة من اقتلاع واستيطان وميليشيات منفلتة، ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لمشروع واحد يستهدف الوجود الفلسطيني برمته. المشروع لا يكتفي بتدمير الجغرافيا، بل يعمل على تفكيك الهوية السياسية الجامعة، وتحويل الفلسطيني من صاحب قضية وطنية إلى “سكان” مناطق خاضعة لإدارة أزمات دائمة.
الاحتلال، في ممارساته وسياساته، لا يرى الفلسطينيين مجموعات منفصلة. فهو يستهدف غزة لأنها تمثل نموذجًا يجب كسره، ويعمل في الضفة على إفراغ الأرض من أهلها، ويواصل في القدس سياسة الطرد والتهويد، ويضيّق على فلسطينيي الداخل قانونيًا وسياسيًا، ويعيد تهميش اللاجئين عبر مشاريع تتجاوز حق العودة . هذه سياسة شاملة تجاه شعب واحد، مهما تعددت أماكن وجوده.
في المقابل، يجري التعامل الفلسطيني الرسمي مع ما يحدث وكأنه شأن يخص الفلسطينيين “هناك”، في غزة والضفة فقط. هذا الاختزال الخطير يفتح الباب أمام قرارات مصيرية — تتعلق بمستقبل غزة، وإعادة إعمارها، ونزع سلاحها، وشكل الكيان السياسي القادم — تُتخذ دون تفويض وطني جامع، ودون مشاركة الفلسطينيين في الشتات، الذين هم أصل القضية وجوهرها التاريخي.
هنا تتجلى المعضلة بوضوح: السلطة الفلسطينية، بحكم نشأتها ووظيفتها، ليست هيئة لتمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته. وانما هي كيان إداري نشأ في سياق اتفاقات مرحلية، ومحصور جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا، ولا يمتلك لا الشرعية التمثيلية ولا الأدوات السياسية للتحدث باسم الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم . تحميل السلطة هذا الدور هو تقزيم للتمثيل، حتى وإن جرى تحت عناوين “الشرعية الدولية”.
إن ما يجري اليوم يعيد القضية الفلسطينية إلى أصلها: قضية شعب واحد، لا قضية إدارة محلية تحت الاحتلال . ومن هنا، تصبح استعادة منظمة التحرير الفلسطينية ليست خيارًا تنظيميًا أو ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية ملحّة. فالمنظمة، رغم ما أصابها من تهميش وإفراغ ، تبقى الإطار الوحيد الذي تأسس أصلًا لتمثيل الفلسطينيين كافة، في الداخل والشتات، بوصفهم شعبًا يخوض معركة تحرر وطني.
استعادة منظمة التحرير لا تعني إحياء هياكل مهترئة أو إعادة إنتاج قيادات فقدت شرعيتها، بل تعني إعادة بنائها على أسس ديمقراطية وتمثيلية، تعكس التحولات الكبرى التي فرضتها السنوات الأخيرة، وتستوعب كل مكونات الشعب الفلسطيني دون إقصاء أو وصاية. فقط عبر مرجعية وطنية جامعة يمكن للفلسطينيين أن يستعيدوا وحدتهم السياسية، وأن يواجهوا مشاريع تصفية قضيتهم باسم “الحلول الواقعية”.
في لحظات التحول التاريخي، لا تُقاس الأمور بما هو قائم، بل بما هو ضروري. وما هو ضروري اليوم أن يُعاد تعريف ما يجري في غزة والضفة على حقيقته: ليس شأنًا محليًا عابرًا، بل معركة شعب بأكمله على وجوده وحقه في تقرير مصيره. ومن دون استعادة منظمة التحرير الفلسطينية كقيادة جامعة ، سيبقى الفلسطينيون موزعين بين جبهات الألم ، بينما تُدار قضيتهم من خارج إرادتهم.
ثانياً : هل إحياء منظمة التحرير يشكل تهديدًا للسلطة أم ضرورة وطنية؟
يُطرح هذا السؤال حول تأثير إحياء منظمة التحرير الفلسطينية على السلطة الفلسطينية غالبًا من زاوية إجرائية ضيقة : هل يُضعف ذلك السلطة؟ هل يربك “الشرعية” القائمة؟ هل يفتح صراعًا على الصلاحيات ؟ لكن هذا السؤال، بصيغته الشائعة، ينطلق من افتراض مقلوب، كأن السلطة هي الأصل، والمنظمة هي الهامش، بينما الحقيقة التاريخية والسياسية تقول العكس تمامًا.
السلطة الفلسطينية لم تُنشأ بوصفها كيانًا سياديًا أو ممثلًا للشعب الفلسطيني، بل كجسم إداري انتقالي محدود الصلاحيات، نشأ في سياق اتفاقات أوسلو، وتحت سقف الاحتلال. أما منظمة التحرير الفلسطينية ، فقد تأسست باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وحركة تحرر وطني تقود مشروعًا سياسيًا جامعًا. ما حدث لاحقًا هو انقلاب صامت في الأدوار، جرى فيه تهميش المنظمة لصالح تضخم السلطة، لا بحكم التفويض الشعبي، بل بفعل الوقائع التي فرضتها الاتفاقات والتمويل والاعتراف الدولي.
من هذا المنظور، نعم، قد يبدو إحياء منظمة التحرير تهديدًا للسلطة بصيغتها الراهنة. فإعادة الاعتبار للمنظمة تعني، بالضرورة، إعادة مركز القرار السياسي إلى إطار وطني أوسع ، وتقليص احتكار السلطة للتمثيل والقرار . كما تعني إخضاع السياسات الكبرى — من التنسيق الأمني ، إلى العلاقة مع الاحتلال، إلى الخيارات الاستراتيجية — لنقاش وطني شامل، لا لقرارات نخبوية ضيقة تُتخذ باسم “الواقعية” أو “الالتزامات الدولية”.
لكن السؤال الأهم ليس: هل يضر إحياء المنظمة بالسلطة؟ بل: هل يجوز أن تُدار القضية الوطنية الفلسطينية بمنطق الحفاظ على السلطة، لا بمنطق التحرر الوطني؟
فالسلطة، في مسارها الحالي، تحولت من أداة يفترض أن تخدم المشروع الوطني إلى غاية قائمة بذاتها، يُعاد تعريف السياسة وفق احتياجات بقائها واستمراريتها. وفي هذا السياق، أصبح أي حديث عن استعادة منظمة التحرير يُقدَّم كخطر أو مغامرة، لا كتصحيح لمسار انحرف منذ سنوات.
إحياء منظمة التحرير لا يعني بالضرورة إسقاط السلطة أو تفكيكها، بل إعادة وضعها في موقعها الطبيعي: جهاز إداري خدمي خاضع لقرار سياسي وطني جامع. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة مرة، وهي أن بنية السلطة، كما تشكّلت وتكرست، لا تقبل بسهولة الخضوع لمرجعية أعلى، لأنها بنت شرعيتها ومصالحها على غياب تلك المرجعية.
من هنا، فإن التناقض ليس بين المنظمة والسلطة كفكرتين، بل بين مشروعين:
مشروع إدارة واقع الاحتلال وتحسين شروطه، ومشروع التحرر الوطني ومواجهة جذوره . الأول يحتاج سلطة منزوعة السياسة، والثاني يحتاج منظمة جامعة تعيد تعريف الصراع وأدواته وأهدافه.
الخشية من أن يؤدي إحياء منظمة التحرير إلى “إضعاف” السلطة تكشف في جوهرها أزمة أعمق: أزمة تعريف الأولويات. فإذا كان إحياء التمثيل الوطني الشامل يُعد خطرًا، فالمشكلة ليست في المنظمة، بل في سلطة بات وجودها منفصلًا عن غاياتها الأصلية. أما إذا كان الهدف هو إنقاذ المشروع الوطني من التآكل، فإن إحياء منظمة التحرير يصبح خطوة لا مفر منها، حتى لو هزّ ذلك البنى القائمة.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأمور بما تحميه من مواقع، بل بما تستعيده من معنى. وإحياء منظمة التحرير، مهما كانت كلفته على السلطة بصيغتها الحالية، هو استعادة لمعنى السياسة الفلسطينية بوصفها سياسة شعب يناضل من أجل حريته، لا إدارة ذاتية تبحث عن البقاء تحت الاحتلال.
ثالثاً : ما الذي يعنيه كل ذلك سياسيًا في لحظة تبدو فيها السلطة عاجزة، والمنظومة الوطنية مأزومة؟
الحرب المفتوحة على غزة، والتفكيك المتسارع للضفة الغربية ليسا مجرد فصل جديد في صراع طويل، بل لحظة اختبار حاسمة لما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني. ففي هذه اللحظة، تنكشف حدود الصيغ السياسية القائمة، وتظهر بوضوح الفجوة بين ما يتطلبه الصراع على الوجود، وما هو متاح ضمن بنية سلطة وُلدت لإدارة مرحلة لم تعد قائمة.
ما يجري اليوم لا يترك مجالًا للالتباس: الاحتلال انتقل من إدارة الصراع إلى حسمه. في غزة تُمارس سياسة الإبادة والتدمير الشامل، وفي الضفة يجري تطبيق نموذج الزحف البطيء عبر الاستيطان، وميليشيات المستوطنين، وتقويض أي إمكانية لكيان سياسي فلسطيني . وفي الحالتين، لا يُنظر إلى الفلسطيني كطرف سياسي، بل كجماعة يجب كسرها أو تفريغ الأرض منها.
في مواجهة هذا التحول، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن تجاوز دورها الوظيفي. فهي لا تملك أدوات الردع، ولا تمتلك حرية القرار، ولا تحظى بشرعية تمثيلية تخولها اتخاذ قرارات مصيرية باسم الشعب الفلسطيني كله. الأخطر من ذلك أن وجودها، بصيغتها الحالية، بات يُستخدم كجزء من إدارة المشهد، لا كرافعة لمواجهته، سواء عبر ضبط الداخل، أو تمرير استحقاقات سياسية تحت عنوان “الواقعية” و”منع الانهيار”.
هنا تتقاطع أزمة غزة مع مأزق الضفة ومع السؤال الأكبر: من يملك حق تقرير المصير الفلسطيني؟
فالمسائل المطروحة اليوم — مستقبل غزة، إعادة الإعمار، نزع السلاح، شكل الحكم، وحدود الكيان السياسي القادم — لا يمكن التعامل معها كملفات تقنية أو إنسانية. إنها قرارات سيادية بامتياز، تمس الفلسطيني في المخيم كما تمس الفلسطيني تحت الحصار أو تحت الاستيطان. وأي جهة محلية، مهما امتلكت من اعتراف دولي، لا تملك وحدها تفويض البت فيها.
في هذا السياق، لا تعود استعادة منظمة التحرير الفلسطينية مطلبًا تنظيميًا أو حنينًا إلى الماضي، بل تصبح شرطًا لمنع تصفية القضية تحت غطاء الحلول المرحلية. فغياب المنظمة سمح بتفريغ السياسة الفلسطينية من بعدها الوطني، وتحويلها إلى إدارة أزمات متفرقة، لكل ساحة “وصفتها” الخاصة، ولكل تجمع فلسطيني مصيره المنفصل.
غير أن استعادة منظمة التحرير، إن لم تقترن بإعادة تعريف دور السلطة، ستظل ناقصة. فالإشكال الحقيقي ليس في وجود السلطة بحد ذاته، بل في انقلابها من أداة مؤقتة في خدمة التحرر إلى إطار دائم يقيّد السياسة ويضبطها ضمن سقوف الاحتلال والتمويل والاعتراف المشروط. ومن دون إخضاع السلطة لمرجعية وطنية جامعة، ستبقى أي منظمة مُعاد إحياؤها مهددة بالتهميش من جديد.
إن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو لحظة “انكشاف”: انكشاف وهم الحلول الجزئية، وانكشاف عجز التمثيل المجتزأ، وانكشاف خطورة الرهان على إدارة الصراع بدل مواجهته. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال كيف نحمي الكيانات القائمة، بل كيف ننقذ المعنى السياسي للقضية.
المعادلة باتت واضحة:
إما سلطة تُدار بمنطق البقاء وتُستعمل لتدوير الهزيمة،
أو منظمة تحرير مُعاد بناؤها، تعيد جمع الفلسطينيين كشعب واحد، وتضع الصراع في سياقه الحقيقي بوصفه صراع تحرر وطني لا نزاعًا إداريًا.
غزة والضفة ليستا نهايتين منفصلتين، بل إنذارًا أخيرًا. والاختيار المطروح اليوم ليس بين الاستقرار والفوضى، كما يُروّج، بل بين تفكك بطيء بلا أفق، أو مواجهة سياسية شاملة تستعيد وحدة الشعب والقرار. ومن دون استعادة منظمة التحرير الفلسطينية، ستبقى هذه اللحظة التاريخية تُدار من خارج الفلسطينيين، وبأدوات لا تمثلهم، ولا تحمي مستقبلهم.
وفي الختام فإن ما يحدث اليوم في غزة والضفة ليس فصلًا عابرًا من فصول الصراع، بل اختبار وجودي للفلسطينيين جميعًا، داخل الوطن وخارجه. فحين تُقصف غزة بوصفها عبئًا إنسانيًا، وتُنهك الضفة بوصفها خطرًا أمنيًا، ويُقصى فلسطينيو الشتات عن معادلة الفعل، نكون أمام محاولة واضحة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية كمسألة محلية محدودة، منزوعـة البعد الوطني والتمثيلي الشامل.
من هنا، فإن استعادة منظمة التحرير الفلسطينية، على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، لا تشكل خطرًا على السلطة بقدر ما تكشف مأزقها الحالي . فالسلطة بدون المنظمة، هي سلطة اختزلت نفسها في الوظيفة لا في المشروع، وفي الإدارة لا في التحرر. أما منظمة التحرير، حين تُبعث من جديد، فهي لا تلغي أحدًا، بل تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني، وتفتح أفقًا سياسيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والاتفاقات المفروضة.
إن الخيار اليوم ليس بين السلطة والمنظمة، بل بين استمرار التفكك الوطني، أو إعادة بناء الإطار الجامع القادر على تحويل التضحيات الجارية إلى معنى سياسي، واستعادة القضية الفلسطينية كقضية شعب واحد، وحق واحد، ومستقبل واحد. وفي غياب هذه الاستعادة، سيبقى الفلسطينيون يدفعون ثمن غياب التمثيل، فيما تُدار قضيتهم بالنيابة عنهم، أو على حسابهم.