غزة بين نهاية الحرب وبداية مشروع الاستيطان

في الوقت الذي يفترض فيه أن ينشغل العالم بالسؤال عن كيفية إنهاء حرب الابادة في غزة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية ، تظهر داخل إسرائيل حركة تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً : تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة الاستيطان في قطاع غزة .
هذا ليس استنتاجاً نظرياً، بل صورة ترسمها الصحفية عيدن سولومون في تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” في 28 سبتمبر/أيلول 2026 ، تحت عنوان يحمل دلالة لافتة : “لم يُغرس الوتد بعد ، لكن بالنسبة للجيل الشاب ، الاستيطان في غزة بات قاب قوسين أو أدنى”.
ما تكشفه سولومون يتجاوز مجرد تجمع لمستوطنين متطرفين أو مجموعة من الشعارات السياسية . التقرير يتحدث عن حركة منظمة ، وعن عائلات تقول إنها مستعدة للانتقال إلى غزة ، وعن مجموعات استيطانية يجري إعدادها ، وعن فعاليات جماهيرية تُقام بالقرب من القطاع ، وعن خطاب سياسي يحصل على دعم من وزراء وأعضاء في الكنيست .
لكن الأخطر ربما ليس عدد المشاركين ولا الشعارات التي رفعوها، وإنما العمل على جعل فكرة الاستيطان في غزة أمراً عادياً في وعي الجيل الجديد في اسرائيل .
تصف سولومون مشهداً شديد الدلالة : أطفال يشاركون في الفعاليات، يضعون الملصقات، ويرتدون الملابس التي تحمل شعارات تدعو إلى العودة إلى غزة . هنا تنتقل الفكرة من السياسة إلى الثقافة ، ومن الخطاب السياسي إلى الحياة اليومية. وعندما يصبح مشروع الاستيطان لعبة طفل ، وقميصاً ، وملصقاً ، ونزهة عائلية ، فإنه لا يعود مجرد برنامج سياسي يمكن أن يتغير بتغير الحكومة ، وإنما يبدأ في التحول إلى هوية جماعية .
وهذه هي النقطة التي تستحق أكبر قدر من الانتباه.
الحروب تنتهي أحياناً باتفاقات ، لكنها لا تنتهي بالضرورة عندما تتوقف المدافع .
فإذا كان هناك تيار يرى في نهاية الحرب فرصة لإقامة مستوطنات جديدة داخل غزة ، فإن أي حديث عن اليوم التالي يصبح أكثر تعقيداً. فالمسألة لن تعود فقط إلى من يدير القطاع أو كيف يعاد إعمار ما دمرته الحرب، بل ستتعلق أيضاً بما إذا كان سيُسمح بخلق واقع سكاني وجغرافي جديد داخل القطاع .
واللافت أن قادة الحركة، وفق تقرير هآرتس ، لا يخفون النموذج الذي يستلهمونه. إنهم يشيرون إلى تجربة الاستيطان في الضفة الغربية، حيث بدأت مشاريع الاستيطان تاريخياً كمبادرات وحركات ضغط ، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى وجود راسخ على الأرض وإلى قضية سياسية وأمنية وديموغرافية شديدة التعقيد .
بالنسبة إلى هؤلاء الناشطين ، لا تبدو تجربة الضفة تحذيراً من مخاطر الاستيطان، وإنما نموذجاً لما يمكن تكراره في غزة .
وهنا تحديداً يظهر السؤال الذي لا يمكن تجاهله : هل يمكن بناء سلام دائم في الوقت الذي يعمل فيه تيار سياسي على بناء وقائع تجعل الانسحاب والتسوية أكثر صعوبة؟
وإذا انتقلت فكرة الاستيطان من التظاهر إلى التنفيذ ، فإنها ستخلق سلسلة من الحقائق الجديدة على الأرض . وستظهر أسئلة تتعلق بالأرض والسيادة والأمن والسكان والحدود وحقوق الفلسطينيين ومستقبل القطاع . وكل مستوطنة جديدة لن تكون مجرد مجموعة من المباني ، بل ستحتاج إلى حماية عسكرية وطرق وبنية تحتية وترتيبات أمنية ، ما يعني أن وجودها يمكن أن يصبح مرتبطاً باستمرار حضور عسكري إسرائيلي طويل الأمد .
وبذلك قد تتحول الحرب من حدث يفترض أن يقود إلى تسوية ، إلى وسيلة لإنتاج واقع جديد يجعل التسوية أكثر بعداً .
لكن من الضروري في الوقت نفسه قراءة تقرير سولومون بدقة . فهي لا تقول إن إسرائيل قررت بالفعل إعادة الاستيطان في غزة ، ولا إن المشروع أصبح أمراً واقعاً . على العكس ، يشير التقرير إلى أن المستوطنات لم تُقم بعد . ما تصفه هو صعود حركة سياسية واجتماعية تعمل على جعل إقامتها ممكنة ومقبولة في المستقبل .
وهذا فارق مهم .
فالمشكلة ليست في أن مجموعة من الأشخاص تحلم بالاستيطان ، الأحلام السياسية كثيرة . المشكلة تبدأ عندما يتحول الحلم إلى تنظيم ، والتنظيم إلى ضغط سياسي ، والضغط إلى محاولة لصناعة واقع ميداني .
والأخطر من ذلك كله أن الفكرة بدأت ، بحسب المشاهد التي تنقلها الصحفية ، تخاطب الأطفال .
فحين يتعلم الطفل أن غزة هي “مكان سنعود إليه”، وحين يصبح شعار العودة جزءاً من ذاكرته العائلية ، فإن أي حل سياسي مستقبلي سيصطدم ليس فقط بالمصالح السياسية للحاضر ، وإنما أيضاً بالتصورات التي يجري ترسيخها لدى الجيل القادم .
ومن هنا يمكن فهم دلالة عنوان تقرير هآرتس . فالوتد الذي يتحدث عنه العنوان هو ليس مجرد قطعة خشب تُغرس في الأرض لتحديد بداية مستوطنة . إنها رمز لمرحلتين : وتد في الأرض، ووتد في الوعي.
الأول يمكن أن يوقفه قرار سياسي .
أما الثاني، فإذا تحول إلى قناعة راسخة لدى جيل كامل ، فقد يكون أصعب بكثير .
لهذا فإن القضية التي يثيرها تقرير عيدن سولومون ليست قضية الاستيطان وحده . إنها قضية الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه المنطقة بعد الحرب .
هل تكون نهاية الحرب بداية لمسار يؤدي إلى انسحاب وتسوية وإعادة إعمار وحياة طبيعية للفلسطينيين والإسرائيليين؟
أم تتحول الحرب إلى نقطة انطلاق لمشروع جديد يعيد رسم الخريطة على الأرض ويجعل الصراع أكثر رسوخاً في المستقبل ؟
لا يقدم تقرير هآرتس جواباً نهائياً عن هذا السؤال ، لكنه يقدم سبباً كافياً لطرحه الآن ، قبل أن تتحول الأفكار إلى حقائق ، وقبل أن تصبح المستوطنات واقعاً يصعب تغييره .
فالسلام لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار .
السلام يحتاج أيضاً إلى وقف إنتاج الأسباب التي ستشعل الحرب التالية .