غانم: لجنة المتابعة أمام اختبار مصيري في وجه تفكيك المجتمع العربي

مع انتخاب رئيس جديد للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في البلاد، د. جمال زحالقة، وفي خضمّ ظروف استثنائية لم يشهد لها المجتمع العربي مثيلاً منذ النكبة عام 1948، تبرز تحديات مصيرية على أكثر من صعيد.
يتصدر المشهد خطر التهديد الوجودي الناجم عن تفشّي عصابات الإجرام المنظّم، إلى جانب التحديات الوطنية المرتبطة بالواقع الفلسطيني.
وفي حديثه لـ”عرب 48“، يقول المحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة حيفا، بروفيسور أسعد غانم: “نحن نعيش أخطر مرحلة منذ النكبة، والمجتمع العربي مهدد في كيانه ومكانته. المطلوب اليوم هو مشروع وطني جديد يعيد تنظيمنا كأقلية فلسطينية تواجه تفكيكًا ممنهجًا”.
حول هذه المحاور وغيرها، أجرى “عرب 48” حوارًا شاملًا مع بروفيسور غانم، تناول فيه أبعاد المرحلة، ودور لجنة المتابعة، وآفاق المواجهة السياسية والشعبية.
“عرب 48”: ما هي الأولويات التي يجب أن تتصدر أجندة الرئيس الجديد في ظل تراكم الملفات الملحة مثل مكافحة الجريمة والعنف ومصادرة الحريات في المجتمع العربي؟
غانم: التحديات التي تواجه رئيس لجنة المتابعة الجديد هي ذاتها التي واجهت رؤساء اللجنة منذ تأسيسها، وأبرزها تنظيم المجتمع العربي وتفعيله تحت سقف وطني جامع، مع الحفاظ على الحصانة المجتمعية داخليًا. ويتطلّب ذلك العمل وفق رؤية وطنية شاملة، لا على أسس حزبية أو طائفية أو فئوية.
في السنوات الأخيرة، تتّبع إسرائيل سياسة إقصائية تقوم ليس فقط على التفوّق العرقي، بل على التباهي بهذا التفوق أيضًا. وتبرز في هذا السياق تحديات على المستويَين الداخلي والإسرائيلي، إضافة إلى المستوى الدولي، الذي يُظهر استعدادًا متزايدًا لدعم الفلسطينيين أينما كانوا. من هنا، يجب أن تصدر عنا رسائل واضحة، إلى جانب عمل مكثّف لتنظيم التضامن معنا وتعزيزه على الساحة الدولية. أما داخليًا، فإن إعادة تنظيم لجنة المتابعة تُعد مفتاحًا لمعالجة القضايا الأكثر إلحاحًا، وهو أمر يحتاجه مجتمعنا في الداخل، وعلى سبيل المثال: في قضية العنف، لا بد من خلق حالة شعبية لمكافحة العنف، إن لم يكن الجريمة المنظمة نفسها، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تضافر الجهود على المستوى السياسي. ويمكن فهم هذا المبدأ من خلال أي مشروع محلّي لمكافحة العنف في أي بلدة، إذ لا يُمكن لمثل هذا المشروع أن ينجح من دون عمل جماعي يشارك فيه الجميع من قوى سياسية واجتماعية على المستوى المحلي، بهذا المعنى، يمكن للجنة المتابعة أن تُشكّل نموذجًا للعمل الوحدوي، من خلال تكثيف حضورها حتى على المستوى المحلي.
المقولة القائلة إن اللجنة لا تستطيع التواصل مع المجالس المحلية لحثّها على تنفيذ مشاريع وطنية من داخل المجتمع، وليس عبر الدولة، لمكافحة العنف، هي مقولة غير صحيحة.
لدى لجنة المتابعة القدرة على بناء طواقم عمل ميدانية، كما ظهر جليًا في مؤتمر الحصانة المجتمعية الذي عُقد في سخنين قبل أشهر، حيث برز التكاتف والاستعداد للعمل تحت مظلتها لتنفيذ برامج ومبادرات لمكافحة العنف والمساهمة في التصدي له.
كذلك، باستطاعة اللجنة تكثيف النشاط النضالي، وتقديم نماذج ملموسة لإدارة الشأن العام في القرى والمدن، وتجنيد الطاقات المجتمعية لوضع خطط إستراتيجية، حتى ولو محدودة، بالتعاون مع لجنة رؤساء السلطات المحلية.
على الصعيد الفلسطيني، من المطلوب أن يكون للجنة دور أكبر، خاصة في ظل عجز المؤسسة السياسية الفلسطينية عن إنتاج قيادة وحدوية مؤثرة. فبإمكان لجنة المتابعة تقديم نموذج قيادي موحّد ومختلف عن الواقع السائد خارج أراضي 48، والمساهمة في تعزيز التكامل مع الشعب الفلسطيني، والمشاركة الفاعلة في النضال من أجل حق تقرير المصير، وتجاوز الانقسام السياسي القائم.
“عرب 48”: كيف يمكن للرئيس الجديد للجنة المتابعة أن يُعيد توحيد الصف الداخلي، ويجسر الهوّة بين المكوّنات السياسية المختلفة داخل اللجنة، من أجل استعادة دورها كبيت جامع للأقلية الفلسطينية في الداخل؟
غانم: مبدئيًا، صحيح أن هناك خلافًا مع القائمة الموحدة، لكن هذا الخلاف لم يصل إلى حد مقاطعة لجنة المتابعة أو الانسحاب منها. كان هناك موقف احتجاج سياسي بسبب عدم إنصافها في المجلس المركزي، وهذا سبب عدم مشاركتها في الانتخابات.
وبغض النظر عن الاختلافات السياسية الحالية مع القائمة الموحدة، فهي اليوم القائمة الأكبر، ومن غير المعقول أن تُعتبر القوة الثانية أو الثالثة. يجب أن تُعطى حقها في التمثيل.
صحيح أن القائمة الموحدة تقاعست في معالجة هذا الأمر وكان من المفترض أن تطرحه قبل ستة أشهر، لكن هذا لا ينفي صحة مطالبها.
“عرب 48”: هل هذا يعني أنك تقترح آلية تغيير دستوري تُطبق كل فترة بناءً على نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية؟
غانم: إذا كان هذا هو المفتاح الذي أقرته الأحزاب السياسية، فيجب أن يستجيب المجلس العام في لجنة المتابعة له، وإلا سيكون لأحزاب غير موجودة تمثيل، في حين أن هناك أحزابًا لديها تمثيل أقل مما ينبغي.
“عرب 48”: هناك اتهامات متكررة من بعض الأطراف بأن لجنة المتابعة تمثل مصالح جهات معينة، هل تتحدث عن ذلك؟
غانم: الموضوع ليس أن أطرافًا تسيطر على لجنة المتابعة، فهذا ليس المقصود، لكنني أتحدث عن تقليد قديم تم قبوله وكأنه قابل للتطبيق في الحاضر، وأنا أقول يجب ملاءمة الحاضر مع الواقع الحالي. لا يصح أن نبقي على دستور تم وضعه قبل 30 سنة.
أهم ما أدعو إليه هو التفكير الجدي والمهني، بحيث يكون المجلس العام معبرًا عن جميع القوى السياسية داخل مجتمعنا. وبرأيي الشخصي، يجب زيادة عدد أعضاء المجلس العام، لماذا لا يكون 350 عضوًا، ويشمل تمثيلًا لكل مدينة مختلطة، والقرى غير المعترف بها، ومؤسسات المجتمع المدني.
“عرب 48”: هذا اقتراح لتغيير دستوري شامل، لماذا تظهر هذه الأصوات فقط في فترة الانتخابات، لماذا لا نسمع أي صوت مماثل أثناء عمل لجنة المتابعة الفعلي في الاجتماعات، البحث، التطوع، النضال، واستنفاد الطاقات، هل تعتقد أن هذه الأصوات بريئة؟
غانم: هذا النقاش كان موجودًا دائمًا، وكتبت عنه على مدار سنوات سابقة، مؤكدًا ضرورة وجود تمثيل حقيقي. أنا من الذين يطالبون بالانتخابات المباشرة، وأتفهم رفض بعض الأحزاب السياسية لهذه الفكرة، ولكن كثيرًا من الأحزاب لا تؤمن بتنظيمنا، وهنا يبرز النقاش حول الانتخابات. وأتفق معك أنه كان ينبغي المطالبة بالتغيير الدستوري قبل عام أو عامين، لكن هذا لا يعني أنه لا يجب أن نطالب به الآن أو أنه غير صحيح.
وكما هو معروف، سبق أن اجتمعت أنا وحسن جبارين مع منصور عباس ودعونا لعدم المقاطعة، وصدَر بيان بعدم المقاطعة، وفي اليوم التالي أصدر بيانًا وتواصل مع د. جمال زحالقة وهنأه وتمنى له النجاح.
وهنا أتساءل، هل يمكن بناء لجنة متابعة أكثر تمثيلًا للمجتمع العربي من صباح الغد؟ هذا هو المطلوب، مع تمثيل شامل للمجتمع المدني، ولجان الطلاب، والقرى غير المعترف بها، ومجلس عام يعبر عن أكبر شريحة ممكنة، وحتى دمج شخصيات درزية في لجنة المتابعة.
نريد لجنة متابعة تحظى بأكبر إجماع، وأعتقد أن د. جمال زحالقة واعٍ لهذا الأمر وهو جزء من تراثه في التجمع، حيث يسعى لتحسين أداء لجنة المتابعة بما في ذلك إقامة صندوق وطني، والذهاب لأوسع تحالف وبناء مشروع تحد للدولة وبناء المؤسسات والتواصل مع باقي أبناء الشعب الفلسطيني.
هذه الأمور كانت تعمل، لكن ليس بالمستوى الكافي، والآن الأوان لأن يكون هناك قائد نظر لهذه القضايا منذ 30 عامًا وكتب عنها. نعم هناك تحديات، لكن هذا لا يعني أن نسلم بما هو موجود الآن.
“عرب 48”: هل يمكن قراءة ملف انتخابات لجنة المتابعة كمرآة لما سيأتي على صعيد محاولات تشكيل القائمة المشتركة، أم بلغة أخرى، هل يعكس هذا الملف حالة الإحباط تجاه تشكيل القائمة المشتركة، وتعبّر لغة التنافر السياسي التي تصدر عن القائمة الموحدة عن ذلك؟
غانم: هذا ممكن، ولكن ما تصرّح به القائمة الموحدة هو أنها معنية بإسقاط حكومة نتنياهو. وواضح لي أن القائمة المشتركة تمثل رسالة وحدوية لشعبنا الفلسطيني. ثانياً، نحن بحاجة إلى صوت موحد على المستوى الدولي والعربي. تخيّل أن تكون للقائمة المشتركة القدرة على إسقاط نتنياهو، فالعالم العربي لم يستطع فعل شيء، وسوف يفرح بوجود قوة عربية قادرة على إنهاء هذا الكابوس.
كما أننا بحاجة إلى القائمة المشتركة لأنها الضمان الوحيد القادر على إخراج أكبر عدد ممكن من المصوّتين العرب إلى صناديق الاقتراع، وعدم الوقوع مرة أخرى في نفس الفخ الذي حدث في المرة السابقة، والذي أدى إلى عدم عبور التجمع الوطني الديمقراطي نسبة الحسم.
لذلك، القائمة العربية المشتركة هي المطلب الذي يجب أن تعترف به القائمة الموحدة، فهذه المقاعد الإضافية التي تجلبها ستكون “بيضة القبان” لمنع تشكيل حكومة نتنياهو، وطريقاً للعمل الجماعي. وإذا كان الهدف فقط إسقاط نتنياهو، فالطريق لذلك أيضاً هو القائمة المشتركة.
لدي قناعة بأن الاهتمام الأساسي للجميع، بمن فيهم القائمة الموحدة، هو إزالة كابوس هذه الحكومة الفاشية، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال إسقاطها. صحيح أن الحكومة القادمة قد لا تكون أفضل بكثير، لكنها خطوة أولى لإعادة الاعتبار لمواطنتنا وتأثيرنا، ونقطة انطلاق لتغيير تاريخي قادم، إلى جانب جميع القضايا الهامة الأخرى، مثل الإبادة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، والحرب في القدس، والحرب على الشعب الفلسطيني.
نستطيع أن نساهم، ولو قليلاً، عبر القائمة المشتركة. ومن الواضح أن المقولة الرئيسية للقائمة الموحدة هي سعيها لأن تكون شرعية في عيون بينيت أو حكومة بقيادة بينيت. نحن نختلف معها، ولكن إذا كانت هذه هي إستراتيجيتها، فعليها أولاً أن تمنع نتنياهو من تشكيل حكومة. بعد ذلك يمكن أن نذهب للتفكير بكيفية تشكيل حكومة، وكيف نواجه كشعب الفاشية المتصاعدة في المجتمع الإسرائيلي.
ونحن كذلك لم نقم بدورنا الكامل تجاه الإبادة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة. ويمكننا، من خلال لجنة متابعة منتخبة، ومن خلال القائمة المشتركة، أن نعيد الاعتبار لنا سياسيًا، محليًا ودوليًا.
“عرب 48”: هل هذا ممكن في ظل التوحش الحالي، وتحت الضغوط السياسية والتحريض الإعلامي؟
غانم: أفهم أن هناك تخوفًا لدى البعض من أن تشكيل القائمة المشتركة قد يؤدي إلى مزيد من التحريض ضد المجتمع العربي، وأنها ستكون ذريعة لتحريض اليمين. لكنني أقول إن اليمين سيحرّض ضدنا في جميع الأحوال. وإذا لم تُشكّل قائمة مشتركة، فقد يسعى اليمين إلى إخراج التجمع الوطني الديمقراطي عن القانون.
حماية التجمع الوطني الديمقراطي ومستقبله تمرّ عبر القائمة المشتركة. ومن يقول إن القائمة المشتركة ستجلب التحريض، فهو مخطئ، لأن التحريض قائم أساسًا. التنظيم داخل القائمة المشتركة، وكذلك داخل لجنة المتابعة، يوفر لنا أدوات مهنية للتعامل مع هذه الملفات، ولو بنسبة أفضل نسبيًا.
“عرب 48”: ذكرتَ اهتمام د. جمال زحالقة بتنظيم المجتمع العربي، هل تتوقع تحولاً في منهجية عمل لجنة المتابعة من مجرد “لجنة متابعة” إلى هيئة ذات أدوات نضالية أكثر فاعلية، خاصة في ظل تقليص هامش الحريات، وهل يمكن للجنة أن ترتقي بأساليب النضال، في ظل التهديد الوجودي من عصابات الإجرام وقمع السلطات الإسرائيلية، إلى حدّ قيادة عصيان مدني إذا استمرت هذه الأوضاع؟
غانم: أنا على دراية وعلاقة مباشرة مع د. جمال زحالقة، وهو على قناعة مطلقة بأن هذه الأدوات ضرورية لحماية مجتمعنا، وسيسعى لتحقيقها مباشرة، كما صرّح في خطابه بعد انتخابه، ومن بينها إقامة الصندوق الوطني.
هل يمكن أن يتجه مجتمعنا إلى خطوة تصعيدية مثل العصيان المدني؟ نعم، ولكن ذلك يتطلب تنظيمًا محليًا دقيقًا في كل بلدة وبلدة، ولجنة المتابعة قادرة على الإعداد لذلك خلال ثلاث سنوات، من خلال عمل تدريجي يهدف إلى تنظيم المجتمع.
أنا واثق أن د. جمال زحالقة يدرك أن أي عمل كي ينجح يجب ألا يستثني أحدًا، سواء من داخل لجنة المتابعة أو خارجها. هذا ممكن، وهناك روح جديدة يقودها زحالقة؛ قد لا نصل إلى كل شيء، ولكن يمكننا، بدءًا من الغد، إقرار تمثيل أوسع في المجلس المركزي، وتقديم نماذج عملية لمكافحة العنف، عبر اللجان المحلية والشعبية، وكل ما نادى به د. جمال على مدار الأعوام.
ومن وجهة نظري، هو الآن في واحدة من أهم المواقع السياسية على المستوى الفلسطيني، ويُعد من أبرز الشخصيات الفلسطينية من حيث التمثيل الرمزي. المرحلة القادمة صعبة، وتنظيم المجتمع العربي هو الضمانة لمواجهة هذه التحديات، وأنا متأكد تمامًا أن د. جمال زحالقة يؤمن بذلك ويسعى إليه.
“عرب 48”: في النهاية، يراهن الرئيس الجديد للجنة المتابعة على قوة تنظيم المجتمع العربي داخليًا، وعلى القدرة في تغيير موازين القوى السياسية في إسرائيل، وحُسن استغلال التضامن الدولي؟
غانم: نعم، بالتأكيد. ليس أمامنا خيار سوى تنظيم مجتمعنا داخليًا، والسعي إلى إضفاء أبعاد حقيقية على نضالنا في الساحات الدولية، الإسرائيلية، الفلسطينية والعربية.
عن عرب 48