عودة يوشع بن نون إلى غزّة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في مطلع حرب الإبادة على غزّة، وتحت ضغط الصدمة المذهلة، كان بنيامين نتنياهو أول من فتح سباق التحريض، ولحق به قادة من الجيش والمستوطنين، وراح الجميع يقلّب بعضاً من صفحات تاريخٍ يهوديٍّ سحيق، ولا سيما ما خصّ أول حروب قوم موسى في أرض كنعان بعد الخروج من مصر، واستعادوا من أعماق الذاكرة المفعمة بالأساطير أسماء وسير وأفعال ملوك وأنبياء قادوا أسباطهم ضد قبائل من البدو الرّحل في سيناء وجنوب فلسطين (غزّة والنقب)، سمّوهم العماليق، بغرض إشعال روح الانتقام، والحثّ على الاقتداء بالسلف، ومحاكاة ما قارفه أولئك من جرائم إبادة جماعية.
من بين تلك الأسماء التي تردّدت في الخطابات التحريضية على إبادة غزّة، كان يوشع بن نون، النبي المبجّل في الإسلام، وقد ورد ذكره في النصّ المقدس (إذ قال موسى لفتاه)، وقيل إنه المخلوق البشري الوحيد الذي حُجبت لأجله الشمس والقمر، كي يتمكّن جيشُه من دخول القدس تحت جنح الظلام، في ما يبدو أن لهذا العابر من شرق الأردن (العبرانيون) الى غربه، صورة توراتية مغايرة لدى ربّ الجنود، حيث يظهر “فتى موسى” وخليفته في هذه المرويات قائداً عسكرياً باغياً، يأمُر أتباعه بقتل الرجال والنساء والأطفال، وحتى دوابّ العماليق.
عشيّة الهجوم البرّي على القطاع المحاصر، خاطب نتنياهو جنود جيشه قائلاً: تذكّروا ما فعل بكم العماليق، أنتم تلتحقون بسلسلة من أبطال اليهود، بدأت قبل ثلاثة آلاف سنة مع يوشع بن نون، وقال إنكم: ستحققون نبوءة أشعيا، مقتبساً من سفر صموئيل “اذهبوا الآن واضربوا عماليق، دمّروا كل ما لهم، اقتلوا كلاً من الرجل والمرأة، الطفل والرضيع، الغنم والبقر والجمل والحمير”. ومن سفر التثنية اتكأ نتنياهو على نصٍ يقول: كي تمتلك الأرض امحُ ذكر عماليق تحت السماء، ولا تنس ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر.
بدت هذه الاستعادة التاريخية، أول الأمر، أقوالاً انفعالية هاذية، ناجمة عن الحس العميق بالإهانة والفشل الذريع في 7 أكتوبر المجيد، غير أن هذا التقدير المبدئي انثال بعد ذلك، واتضح سريعاً أن المسألة أبعد من ذلك بكثير، عندما تعاقب على شيطنة سكان غزّة عدد لا حصر له من قادة المستوطنين والمسؤولين، بمن فيهم رئيس الدولة العبرية حاييم هيرتسوغ بقوله: لا أبرياء في غزّة، ووزير الجيش “نحن نحارب حيوانات بشرية، لا طعام لهم ولا ماء أو دواء بعد اليوم” وغيرهما من مجانين كثر، انخرطوا في عملية تبرير حرب الإبادة، الحضّ عليها وتأصيلها بنصوص هذا الموروث الديني المغرق في اللاآدمية. 
إذ تبيّن على الفور أنه كان في خلفية الغزاة من الجنود والضباط،، الذين أسرفوا في القتل، وأمعنوا في التدمير والتهجير وحرق البيوت، وتوغّلوا في دماء الأطفال، دوافع أخرى كامنة في أغوار نفسٍ مشوّهة، يحتشد فيها كل هذا الإرث التلمودي الحافل بالشر المستطير، وتفيضُ بها كل هذه الكراهية العمياء لـ”الغوييم”، أي الأغيار، الأمر الذي كان كافياً، وحده، لتفسير علّة هذا الجنون المُطبق، وفهم الدوافع الدينية العميقة المحرّكة لهذه العملية الدموية المتحلّلة من كل وازع أخلاقي أو ضمير آدمي، تماماً على نحو يتطابق مع ما فعله قوم يوشع في أريحا قبل صعوده إلى القدس.
ما كان لهذه المطالعة أن ترى النور لو لم تتكرّر هذه الاستعادة لبن نون مرّة أخرى خلال مؤتمر الاستيطان، الذي عقده في القدس قادة الصهيونية الدينية قبل أسبوع، وحضره نحو ألف من المهووسين بالعودة إلى مستوطنات غزّة، من بينهم 30 وزيراً وعضو كنيست، رقصوا طويلاً مع بن غفير، وهتفوا: سنعود إلى أرض أبينا إبراهيم بأسلوب يوشع بن نون، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك بأن عقيد الإبادة الجماعية المتوارثة أباً عن جد، ومخرجاتها معروضة اليوم أمام محكمة العدل الدولية، عقيدة متمركزة في أعماق هذه العقلية المدجّجة بالأحقاد التاريخية السوداء.
كان شمعون بيريس قد خاطب أعضاء الكنيست في جلسة المصادقة على اتفاق أوسلو عام 1993 قائلاً للمعارضين: قولوا لي ماذا لنا في غزّة، وما الذي نفعله هناك بحقّ السماء، وكان آخر ضابط انسحب مع قواته من القطاع عام 2005 وأغلق باب السياج الحدودي خلفه، قد التفت وراءه وقال: وداعاً يا غزّة إلى الأبد، وداعاً لا رجعة عنه، الأمر يُظهر لكلِّ ذي بصيرة أن غزّة لا تزرع الخسّ، ولا يُقتلع أهلها من الأرض، وفوق ذلك إنها كانت كابوس الاحتلال على طول المدى، فما بال هؤلاء المجانين يفكّرون بالعودة إلى غوش قطيف؟ 

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عيسى الشعيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *