عودة لذات السؤال: هل للكتابة جدوى في زمن الإبادة؟

في تعليق الأستاذ حكيم عبّاس بعنوان «ما جدوى الكتابة؟ سؤال فاسد» على مقال الصديق سميح محسن «عن سؤال جدوى الكتابة اليوم» بتاريخ 4/9/2025. قدّم عبّاس أطروحة فلسفية – وجودية تدافع عن الكتابة والفكر والفن باعتبارها من شروط الحياة نفسها، لا مجرد اختيار أو ترف. ويرى أن هذه المختبرات الثلاثة «الكتابة والفكر والفن إلى جانب العلوم البحتة» لا يمكن للبشرية أن تستمر من دونها. ومن ثمّ، يعتبر سؤال «ما جدوى الكتابة؟» في ذاته سؤالا فاسدا، لأنه يفترض أنّ الكتابة أمر قابل للجدل أو المساومة، بينما هي شرط كوني أشبه بقوانين الطبيعة والفيزياء والكيمياء.

وضع السؤال في سياق الإبادة

تضع هذه الأطروحة الكتابة في مرتبة الضرورة الوجودية، لكنها تبقى في إطار فلسفي عام. أما إذا وضعناها في سياق الإبادة، كما هو الحال في فلسطين وغزة اليوم، فإن السؤال يكتسب بعدا آخر، لا يقلّ خطورة ولا عمقا: هل يمكن أن يتحول السؤال الفاسد فلسفيا إلى سؤال مشروع في زمن الإبادة؟

الفلسفة وأسطورة السؤال الفاسد

يروي عبّاس حادثة التلميذ الذي سأل أفلاطون عن فائدة الفلسفة، وكيف اعتبر أفلاطون السؤال فاسدا لأنه ينطوي على تشكيك في أصل الفلسفة نفسها. وينطلق الكاتب من هذه الحادثة ليقول إن سؤال جدوى الكتابة يشبه هذا السؤال، لأنه يجرنا إلى جدل عقيم يبدد الجهد.

قد تبدو الأسئلة الفاسدة فلسفيا ضرورية من الناحية الوجودية. لكن في زمن الإبادة، حين تباد جماعة بشرية وتمحى من خرائط العالم، يصبح السؤال عن جدوى الكتابة أكثر من مجرد مشروع، يصبح صرخة. فالناس يريدون أن يعرفوا: ما الذي تصنعه الكلمات أمام الدبابات؟ هل يمكن للنصوص أن توقف القصف؟ وهل يحمي الشعر بيتا من الانهيار فوق أصحابه؟

هذا التحوّل لا يلغي أطروحة عبّاس، لكنه يدفعها إلى أفق آخر: بدلا من النظر إلى الكتابة كقانون طبيعي من قوانين الوجود، علينا إعادة التفكير فيها كفعل مقاومة في مواجهة العدم.

الكتابة في مواجهة المحو

في الإبادة، لا يستهدف الجسد وحده، بل تُستهدف معه الحضارة والذاكرة واللغة والوجود الرمزي. النموذج الأكثر سطوعا لفعل الإبادة يظهر في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وما بدأ في فلسطين منذ أكثر من قرن، وتسارعت وتائرته منذ نحو عامين في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية وسائر فلسطين الانتدابية. ويشاهد الفلسطينيون والعرب والمسلمون والعالم بأسره وقائعها المنقولة صوتا وصورة على مدار الساعة، دون تحرك لوقفها، ظانين أن الأمر لن يطالهم. رغم امتدادها إلى لبنان وسوريا واليمن وسائر المنطقة العربية. ووصول شظاياها إلى قطر، حيث تساءل رئيس وزرائها بدهشة، لاستضافة بلاده أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، مستنكرا ما إذا كان مشروع ترامب ونتنياهو لتغيير الشرق الأوسط، الذي شكّلته اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، يشمل دول الخليج أيضا.

وسارع قادة العالم العربي والإسلامي- الواقعون بين مطرقة رعاتهم وسندان شعوبهم الغاضبة- لعقد قمة استثنائية طارئة، ظاهرها التضامن مع دولة قطر التي تعرضت عاصمتها للعدوان الإسرائيلي، رغم استجابتها لطلب القاتل – الذي يقوم باستئصال قطاع غزة وتهويد الضفة لاستكمال محو فلسطين – بالتوسط مع القتيل الذي ما يزال في النزع الأخير يصارع ضد المحو، لمناقشة عروض الاستسلام للموت بهدوء.

وبدت لغة الجسد ومضمون خطابات القادة مرتعشة – عندما اكتشفوا بعد قرون – أن نظام الحداثة الغربي الصهيوني المادي العنصري المهيمن لم يكتف، بعد، بإبادة الشعوب على مدى أكثر من خمسة قرون والسطو على مقدراتها. فها هو «النبي الإبراهيمي الجديد» دونالد ترامب يعلن أحقية أساطيله التجارية والعسكرية بالمرور المجاني في قناة السويس المصرية. وعزمه على ضم كندا، واستملاك جرينادا، وقناة بنما، وقطاع غزة، ونصف المعادن النادرة في أوكرانيا، وجميع الأراضي المقامة عليها القواعد العسكرية الأمريكية (تقدّر منظمة Overseas Base Realignment and Closure Coalition أن الولايات المتحدة لديها حوالي 750–800 موقع قاعدة عسكرية خارجية في نحو 80 دولة أو إقليم، وإذا شملنا المواقع الصغيرة، ومراكز التدريب، والمواقع المؤقتة، وغيرها من التواجد العسكري غير الكامل « لِليلي بادز» ومواقع تعاون أمنية، فقد يتجاوز الرقم 1000 موقع، والمعروف منها بوضوح 128 قاعدة كبيرة في نحو 49–55 دولة) .

الكتابة كفعل مضاد وإعلان بقاء

القتل الجماعي لا يكتفي بسلب الحياة المادية، بل يسعى إلى شطب الضحية من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة. وهنا تتجلّى الكتابة كفعل مضاد: إنها إعلان بقاء.

حين يكتب الغزيون يومياتهم تحت القصف، أو تدوَّن شهادات الناجين من المجازر، أو يحوّل شاعر الموت الجماعي تجربته إلى نصّ محمّل بالمعنى، لا تكون الكتابة مجرد انعكاس للواقع، بل فعل مقاومة ضد المحو، وبناء لذاكرة جماعية تمنع القتلة من الانتصار الكامل.

الكتابة هنا لا توقف القتل، لكنها توقف موت الذاكرة، وهي بهذا المعنى فعل وجودي – سياسي يواجه مشروع الإبادة في جوهره.

• في غزة، يكتب الطبيب تقريرا علميا عن نوع السلاح الذي فتّت أجساد الضحايا، فيكون عمله العلمي شهادة سياسية.

• يكتب المفكر مقالا في الفلسفة والسياسة، فيكون نصه بمثابة سلاح ضد خطاب الاستعمار.

• يكتب الشاعر قصيدة عن طفل استشهد، فتتحوّل القصيدة إلى وثيقة إدانة بقدر ما هي فعل جمال.

في هذه اللحظة، تذوب الحدود بين المختبرات الثلاثة، وتصبح الكتابة بجميع أشكالها دفاعا عن الوجود ذاته.

من السؤال الفاسد إلى السؤال الحيوي

يقسّم حكيم عباس الحياة الإنسانية إلى ثلاث مختبرات:

1. مختبر العلوم، حيث تُنتج المعرفة المادية.

2. مختبر الفكر، حيث يُطرح السؤال النقدي والفلسفي.

3. مختبر الفنون، حيث يُعاش الوجدان والحدس والجمال.

ويرى أن إغلاق أي من هذه المختبرات يعني موت الحياة وتشقق الروح الإنسانية.

هذا صحيح في العمق، لكن زمن الإبادة يكشف أن هذه المختبرات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتشابك وتتداخل.

الكتابة بين الضرورة والامتحان

صحيح أن الكتابة شرط من شروط الحياة، لكنها في زمن الإبادة تصبح أيضا امتحانا. فهي تُطالب بأن تثبت نفسها، لا كحتمية فلسفية أو كقانون وجودي فحسب، بل كفعل مقاومة. فالقتل الجماعي لا يستهدف الأجساد وحدها، بل يسعى لمحو الوجود كله: الإنسان والعمران واللغة والذاكرة والتاريخ.

عندها تصبح الكتابة مواجهة مباشرة مع مشروع المحو، إنها تثبت أن الضحايا وجدوا، وأنهم عاشوا وقاوموا وحلموا، وأن أسماءهم ليست مجرد أرقام في قوائم الموت.

وعليه، فالجواب عن سؤال جدوى الكتابة في مواجهة المحو لا يسعى للتقليل من قيمة الكتابة، ولا في تحميلها ما لا تحتمل، بل في فهم وظيفتها المركبة.

الكتابة كتوثيق

أولى وظائف الكتابة في زمن الإبادة هي التوثيق. فالتوثيق لا يوقف القصف ولا يردع القاتل. لكنه يزرع في الذاكرة الجماعية ما يحول دون انتصار الجريمة الكامل. حين يدون الناجون شهاداتهم، فإنهم يخلّدون حقيقة وجود لا يستطيع القاتل محوها. الكتابة هنا تواجه محاولة الاستعمار تحويل الضحية إلى «لا أحد».

الكتابة كفعل معنى

ثاني هذه الوظائف هو الوعي بأن التوثيق وحده لا يكفي. فالجريمة، إذا بقيت مجرد أرقام ووثائق، قد تتحوّل إلى مادة جامدة. هنا تتدخل الكتابة لتمنح المعنى.

في لحظة انهيار العالم، تمنح الكلمة الأفق، وتعيد تركيب الشظايا في سردية تتجاوز الموت. قصيدة عن طفل استشهد لا تغيّر مصير الطفل، لكنها تغيّر معنى موته: من كونه ضحية صامتة إلى كونه رمزا للحياة التي تقاوم.

المعنى الذي تمنحه الكتابة ليس بديلاً عن العدالة ولا عن المقاومة، لكنه يفتح المجال لرؤية مستقبلية، يرفض الاستسلام للعدم، ويمنح الضحايا مقاما في التاريخ لا يملكه القتلة.

الكتابة كتحريك للفعل

ثالثًا، الكتابة في زمن الإبادة ليست مجرد تسجيل أو بناء معنى، بل هي أداة لتحريك الضمير الجمعي. صحيح أن الكلمات لا توقف الغارات، لكنها تملك القدرة على هزّ الوعي، على فضح الصمت الرسمي الفلسطيني والعربي الدولي، وعلى خلق لغة مشتركة للمقاومة. الكلمة تستطيع أن تعبّئ، وتفتح أفق التنظيم والفعل السياسي والاجتماعي. بهذا المعنى، الكتابة ليست بديلا عن الفعل المقاوم، لكنها جزء منه وشرط من شروطه.

فالمقاومة بلا كتابة بلا ذاكرة، والكتابة بلا مقاومة بلا أفق

بين الفلسفة والوجود

رابعًا، حين قال أفلاطون لتلميذه إن سؤال فائدة الفلسفة سؤال فاسد، كان يقصد أن الفلسفة شرط من شروط التفكير الإنساني، كما ذكر حكيم عبّاس في تعليقه على مقال سميح محسن. لكن في زمن الإبادة يُعاد صياغة السؤال: ليس «هل للكتابة جدوى؟ بل أي كتابة نحتاج كي نواجه الموت؟».

فالكتابة التي تنغلق على ذاتها أو تكتفي بالترف الجمالي قد تفقد معناها، بينما الكتابة التي تتحوّل إلى شهادة وصرخة ومشروع للذاكرة تصبح فعلًا مقاومًا. هنا تتجاوز الكتابة حدود المختبرات الثلاثة التي تحدّث عنها عبّاس (العلم، الفكر، الفن) لتندمج جميعها في فعل واحد: الدفاع عن الحياة ضد العدم.

حدود الكتابة وضرورتها

يبقى أن نعترف بحدود الكتابة. فلا مقال ولا قصيدة ولا رواية تستطيع أن توقف صاروخا أو تنقذ طفلا من تحت الركام، وهذا واقع قاس. لكن غياب الكتابة يعني موتا آخر: موت الذاكرة واللغة والمعنى. وهذا ما تريده الإبادة بالضبط: ألا يبقى للضحايا أثر.

لهذا، فإن الكتابة ليست ترفا ولا بديلا عن الفعل، لكنها شرط من شروط الحياة الجماعية. فإذا توقفت الكلمة، انتصر القتلة مرتين:

مرة في إبادة الإنسان والمكان، ومرة في محو الذاكرة.

الكتابة كحياة مضادة للموت

في زمن الإبادة، تصبح الكتابة حياة مضادة للموت. هي إعلان بقاء: «نحن هنا، نكتب، نروي، نحلم». هي شهادة: «لقد قتلوا، لكنهم لن يمحوا». هي فعل مقاومة: «لن ينجح القاتل في محو اسمنا».

لذلك، فإن سؤال جدوى الكتابة، حتى لو بدا مشروعا في زمن المذابح، يجد جوابه في فعل الكتابة نفسه: كل نص يُكتب في مواجهة الإبادة هو انتصار صغير على العدم. قد لا يوقف الموت، لكنه يحفظ للحياة مكانا في قلب الخراب.

من يكفّ عن الغناء يموت، ومن يكفّ عن الحلم يموت، ومن يكفّ عن الكتابة يموت. وفي زمن الإبادة، هذا الموت لا يعني الفرد وحده، بل الجماعة بأكملها. لهذا، تبقى الكتابة شرط حياة، بل شرط نجاة إنسانية مشتركة.

الكتابة ضد الإبادة: بيان من أجل الذاكرة

حين يشتعل الموت، يظنّ القاتل أن الخراب وحده سيكتب التاريخ. لكن التاريخ لا يكتبه القتلة وحدهم. يكتبه من يصرّون على الكلام، من يكتبون تحت القصف، من يصرخون بالكلمة كما يصرخ الجسد في وجه الرصاص.

أن يُسأل في زمن الإبادة: «ما جدوى الكتابة؟»، فهذا ليس سؤالًا فاسدًا كما قال حكيم عبّاس، بل سؤال يتجاوز الفلسفة إلى المعركة. فالقاتل يريد أن يفرض جوابا واحدا: «لا جدوى للمقاومة ولا جدوى للسلاح ولا جدوى للكلام ». يريد أن يحوّلنا إلى صمت، إلى موت بلا ذاكرة.

لكننا نكتب:

• كي لا يصير دم الضحايا ماء.

• كي لا تتحوّل غزة إلى جغرافيا بلا أسماء.

• كي لا يقول القتلة: «لم يكن هنا أحد».

• لنقول للعالم نحن هنا.

• نكتب لنصير ذاكرة لا تمحى.

• نكتب لأن الكلمة آخر جدار نقيمه في وجه المحو.

• فرغم الركام، تتحرك الحياة في غزة ويولد الأطفال.

• ورغم الجدار والتواطؤ والتنسيق الأمني، تتحرك الذاكرة في الضفة ويقاوم الفتية.

• ورغم المنافي، تتحرك فلسطين في قلوب أبنائها وفي قلوب المعذبين والمضطهدين على وجه الأرض، وتوقظ ضمائر أحرار العالم.

الكتابة لا توقف الصواريخ، هذا صحيح، لكنها توقف انتصار الجريمة على التاريخ. تمنع موت المعنى، وتبني ذاكرة تُطارد القتلة ما دام في الأرض بشر يقرأون.

يظن الاحتلال أنه يجمّد التاريخ، وأنه قادر على إيقاف حركة الوعي، لكن الحقيقة تسير في مسارها: شعب يقاوم، وطن لا يُمحى، وعدٌ يتجدّد.

فكما ظلّت الأرض تدوركما قال جاليليو عندما طلبت منه محكمة التفتيش الكنسية إنكار نظريته: «ومع ذلك تتحرّك». ستبقى فلسطين تتحرك رغم إنكار طغاة العالم.

About The Author

الفكر 1 على “عودة لذات السؤال: هل للكتابة جدوى في زمن الإبادة؟

  1. Ghania Malhees
    الدكتورة العزيزة غانية

    الكتابة ليست ترفًا بل مقاومة مضادة للمحو

    تتحرّك مقالة د. غانية ملحيس في فضاء نادر يتقاطع فيه الخطاب الفلسفي، والتحليل السياسي، والانفعال الأخلاقي، دون أن ينفلت النص إلى الشعارات أو يقع في فخ الرثاء المجاني. إنها لا تكتب فقط عن جدوى الكتابة، بل تمارسها كفعل نداء، كشهادة، وكصيغة للحياة في مواجهة هندسة الموت الممنهجة.
    نقطة الانطلاق الذكية في المقال هي تحويل سؤال “ما جدوى الكتابة؟” من كونه سؤالًا وجوديًا فلسفيًا—كما طرحه حكيم عبّاس، واستعاد فيه أفلاطون وتلميذه—إلى سؤال أخلاقي-سياسي في زمن المجازر. هذا النقل لا يبطل أطروحة عبّاس بل يعيد ترتيبها على أرض محترقة، ليكشف أن ما يبدو فاسدًا فلسفيًا، قد يكون نقيًا أخلاقيًا. فالأسئلة التي تفتقر للمعنى في زمن السلم، تصبح ضرورات وجودية في زمن الإبادة.
    الدكتورة هنا لا ترفض أطروحة عبّاس، بل تدفعها إلى حديّتها القصوى: الكتابة ليست شرطًا للوجود فقط، بل درعٌ من المحو، ولو كان ورقيًا.
    أجمل ما في المقال أنه يرفض فصل “الرمزي” عن “الملموس” في لحظة مَن يُباد فيها الإنسان جسدًا ولغةً وخرائطَ وسردًا. إنها لا تطرح الكتابة كمسكن للوجع، بل كحائط صد، كمطرقة تصنع الذاكرة ضد المحو. الكلمة هنا لا تُواجه القنبلة بقنبلة، بل تواجهها بسجل، بصورة، بشهادة، بمجاز لغوي يعاند العدم.
    ففي زمن الإبادة، حيث المشروع الكولونيالي لم يعد يخفي هدفه، تصبح القصيدة تقريرًا، والمقال وثيقة، والرواية خندقًا رمزيًا.
    تُفرّق الدكتورة غانية بذكاء بين الكتابة كتوثيق، والكتابة كإنتاج للمعنى. التوثيق يسجّل الوقائع، لكنه قد يُحوّل المأساة إلى أرقام صامتة؛ أما الكتابة التي تمنح هذه الأرقام حياة وتأويلاً وسردية مقاومة، فهي التي تعيد للضحية مقامها في التاريخ، وتمنع القاتل من الاستفراد بالنص النهائي.
    هي بذلك تحفر في عمق الوظيفة الأنتروبولوجية للكتابة: حفظ الذاكرة لا كحكاية ماضٍ فقط، بل كبوصلة للمستقبل.
    من أعظم لحظات المقال حين تقول د.ملحيس إنّ “غياب الكتابة يعني موتاً آخر: موت الذاكرة واللغة والمعنى. وهذا ما تريده الإبادة بالضبط.”
    إنها تُعيدنا إلى بُعدٍ لاهوتي-سياسي في المسألة: الصمت ليس حيادًا، بل انحياز للقاتل. ومن هنا، فإن الكتابة ليست ترفًا ولا بطوليّة، بل فريضة وجودية.
    و رغم أنها لا تهاجم أحدًا، يلمح النص إلى نقد للمثقف الذي انكفأ إلى تأملاته أو الذي “يتفنّن” في النصّ المعزول عن النكبة. الكتابة الحقيقية، تقول الكاتبة، تذوب فيها المختبرات الثلاثة التي تحدث عنها عبّاس (العلم، الفكر، الفن) لتُنتج “نصًّا مقاومًا”، لا تجريدًا فكريًا ولا ترفًا لغويًا. هذا تصحيح نخبوي نادر للموقف النخبوي ذاته.

    ربما أجمل ما يمكن تلخيصه: أن د. غانية ملحيس تعلن أن الكتابة في زمن الإبادة هي جريمة ضد النسيان. ليست فعل توثيق فقط، ولا فلسفة، بل تهمة ضرورية تُحاكِم الصمت، وتُطارد الجلاد بالأبجدية.
    ما تقدّمه غانية ملحيس ليس مجرد تأمل في جدوى الكتابة، بل بيان وجودي في وجه الجريمة. هي لا تجيب عن السؤال، بل تعريه حتى جذوره. في زمن الإبادة، الكلمة ليست رفاهًا، بل فعل نجاة، وحفظٌ لذاكرة الجماعة من أن تُسلب بعد أن سُلب جسدها.
    بدأ المقال كفكرة فلسفية عن جدوى الكتابة، لكنه ما لبث أن تحول إلى نصّ في الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والدراسات ما بعد الكولونيالية، بوصفه وثيقة سردية ووجودية من زمنٍ يُكتَب فيه التاريخ برصاص القتلة، ويُصحَّح بأقلام العقلاء لا الحالمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *