عن فلسطين وإسرائيل عن صراعنا المستمر وأحوالنا اليوم

نحن الذين اعتدنا على الكلمات الكبيرة والغليظة يأتي الواقع الفلسطيني اليوم ليذكرنا ببعض الحقائق المرة، فالمقاومة الفلسطينية في وضعها وتركيبتها الآنية، لن تهزم العدو ولن تحرر شبراً، ولعل هذا مدعاة لنا لنبقي الصراع مع إسرائيل مفتوحاً بالطرق المتاحة كافة، عسى أن تتغير موازين القوى في المستقبل، والأهم من ذلك ألا نكف عن المطالبة بحق العودة والتعويض. هكذا تقول أبسط قواعد” الواقعية السياسية”.

‏ قد يتطلب الأمر منا شجاعة أكبر بالإقرار بفشل العمل المسلح والتحول -حالياً ولو مؤقتاً- إلى مقاومة لا عنفية وتفعيل أقصى طاقات المقاطعة ومواجهة التطبيع، فميزان القوى مختل لصالح مجتمع مستعمرين “اسبارطي” لا تميز فيه المدني من العسكري؛ مجتمع بنته الحركة الصهيونية في فلسطين على قاعد “إبقاء اليد على الزناد إلى الأبد” بما يسمح لها بنشر لا يقل عن مليوني جندي بكامل عتادهم على جميع جبهات المواجهة.

من الأهمية بمكان التأكيد على حق المقاومة بالأساليب “المتاحة والمتوفرة “، ولابد من التذكير أيضاً أن العنف صفة ملازمة لوجود الاحتلال فهو الذي يستجلبه بدواعي السيطرة والإخضاع والأمن. وطالما لايوجد شعب عنيف بطبعه بحكم التجربة فهذا يعني أن العنف من طبيعة مؤقتة سيزول بزوال المسبب؛ وأن “الكفاح السياسي”، بوصفه أحد أنماط المقاومة، هو من يفرض أجندته ويقود ويوجه العمل وليس العكس؛ وعلى هذا تكون المقاومة حق مشروع سواء كانت عنيفة أم لا. قد نختلف في بعض التفاصيل ولكن لا نختلف على عمومية هذا الحق؛ و وفقاً لإرث وأدبيات النضال الفلسطيني فمن ينكر حق المقاومة (بشقيه) لا يمكنه أن يكون طرفاً في أي نقاش فلسطيني داخلي، ولكل مقاومة حساباتها الخاصة التي تكون براغماتية على الأغلب إن لجهة البرنامج السياسي أو لاعتبارات أخرى تتعلق بالواقع وهو ما يحتم عليها التعامل مع العنف بحسابات الربح والخسارة، إذ ليس من البطولة ولا من الثورية التضحية بالشعب من أجل برنامج سياسي قابل للتعديل والتحويل والتحوير أو من أجل خطوط ما حمراء أو صفراء وغيرها، بل من واجب المقاومة أن تقوم بحساباتها بدقة خشية عدم الانزلاق نحو العبثية والفشل السياسي وربما الارتزاق والسقوط الأخلاقي.

حسنا، لكن ماذا عن الوقائع على الأرض؟

بعد ما يقرب من نصف قرن من انطلاق المقاومة الفلسطينية ينكشف الآن وفي ظل المتغيرات العربية الراهنة جدل فلسطيني واسع؛ علني ومضمر على حد سواء، يبرهن على تعدد الرؤى والمشاريع على الصعيدين العربي والفلسطيني، لتتكشف معه حقائق طالما حاول البعض تجاهلها؛ إذ لم يعد ثمة أجندة/ إجماع وطني فلسطيني موحد، بدءً من تعريف العدو والصديق والطموح والحلم وصولاً حتى لتعريف الوطن والثورة والمقاومة واللاجىء والمواطن والمخيم…. إلخ. ناهيك عن وضع عربي رجعي نموذجي لتعريف معنى ودور “الثورة المضادة”، بات يستنجد بإسرائيل كحليف موثوق إزاء عدو خارجي (قد يكون موجود و قد يكون مجرد وهم يخدم صفقات الأسلحة فقط)؛ وعلى الجانب الفلسطيني لايعدّ ما سبق تخيلاً أو تجنياً أو تسويقاً لأوهام ما؛ فقد شوه الاحتلال بنية المجتمع الفلسطيني وتركيبته ليس فقط من يسكن في الداخل بل يتعداه ليصل إلى المنافي ومخيمات اللجوء، وهي حالة تتساوق، على كل حال، مع المحيط العربي الرسمي “وفي جزء منه الشعبي”  الذي بدل استراتيجياته بتبدل الثوابت والصيغ والإملاءات، ولا ينبغي أن يفهم هذا على أنه بيان اتهام ضد أحد، بل هو دعوة لفتح حوار مثمر  يبتعد عن السجالية و التقريرية.

لقد تحولت فلسطين بعد نحو سبعين عاماً من الاحتلال إلى مشهد ضبابي مفعم بشهوة عربية رسمية مبتذلة للتخلص من ملف المسألة الفلسطينية مرة وللأبد، تقابله رغبات استعمارية إسرائيلية محمومة لتقديم تصورات وخرائط وتقسميات وتقطيعات لامثيل لها  للبلاد التي تعيش تحت وطأة حدود متحركة غير ثابتة يغمرها تشظي عنيف وإعادة تركيب للزمان والمكان في محاولة نسقية لزعزعة الإيقاع  الطبيعي للحياة الفلسطينية وغمرها بتشوهات قسرية تنطوي على التواءات وانفلاتات متعمدة للأرض والإنسان والزمان.

ويبدو أن الوقائع على الأرض تبرهن -عند كل حدث و مناسبة- على عدم قدرة القيادة الفلسطينية كطرف سياسي على التعامل السليم  مع السياسات التي تفرضها إسرائيل حرباً أم على هيئة مشاريع سلام اعتراضية أو حتى إجراءات أمنية كالذي حدث ويحدث الآن في غزة والضفة الغربية عموماً و القدس بصورة خاصة، ومن الواضح أن الاحتلال -أي احتلال- لا يعود لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية، بل قد تكون هذه الأسباب، منفردة أو مجتمعة، رافعة لتسويغ الاحتلال، وطالما الأمر كذلك، فالمقاومة سواء كانت عنيفة أم لا، تستوجب كرد فعل، روافع موازية دون أن تكون هي المعيار لها، فالمقاومة ليست حكراً على دين أو مذهب أو طائفة؛ فاليساري واليميني والطائفي واللا ديني والعلماني والمحافظ جميعهم لهم مصلحة في التخلص من الاحتلال بطريقة أو بأخرى.

وهذا ما يدعونا للتأمل في مآلات الصراع مع إسرائيل، فانحسار الاهتمام بالمسألة الفلسطينية على المستوى العربي والدولي لايحتاج إلى كثير جهد لملاحظته، لاسيما في الفترة الراهنة التي هي امتداد للمرحلة التي تلت حرب تشرين/أكتوبر 1973  وتعاظمت بعد هزيمة 82 حيث حمل غبار المعارك منطقاً معكوساً سعى العقل الغربي و الإسرائيلي (وتقبلته الدوائر الرسمية العربية) لتكريسه بالقول بعبثية حل النزاع مع إسرائيل عسكرياً، وأن هذه الإسرائيل تمثل- موضوعياً ومن ناحية موضة النيوليبرالية السائدة الآن- واحة الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي، علماً أن هذه العقلية ذاتها غير قادرة (أو هي لا تريد)، على فك المعضلة المنطقية الأخرى التي تبرهن على حقيقة الإيديولوجية الصهيونية باعتبارها عنصرية وأداة استعمارية إرهابية وأن مؤسّساتها وممارساتها وتربيتها وثقافتها تتصف بتلك الصفات الاستعمارية الإرهابية العنصرية القائمة على المغالاة في سلوكها ضد الفلسطينيين القائم على الاستعلاء وسياسات الاقتلاع الوطني والاضطهاد القومي، وأكثر ما يتجلى هذا المنطق (الغربي والإسرائيلي والعربي الرسمي) في إطلاق حكم القيمة (بوصفه وسيلة أداتية) كمعيار مريح لكنه لا يحمل التزام من أي نوع في التعاطي مع المسألة الفلسطينية، فأصبحت فلسطين (قضيةً وشعباً وأرضاً) مجرد فائض قيمة أخلاقي يظهر بين الحين والآخر لإفراغ مشاعر “التعاطف” الزائدة عن الحاجة ولتخفيف القلق واحتقان الشعور بالذنب، وهذا الحكم يعمل لصالح إسرائيل التي نجحت -بعد أوسلو- في تحويل الفلسطيني من عدو “وجودي”  إلى مجرد جار مزعج، ومن تحويل الحق في الأرض والوطن إلى مجرد “أراضٍ متنازع عليها ”

‏وقد ساهمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في قلب تفاهمات أوسلو ومدريد إلى تأبيد الاحتلال، كما ساهم صعود اليمين الصهيوني في تعميق طوبولوجيا الإرهاب الصهيوني** مما أنتج خللاً واضحاً في المعيش اليومي الفلسطيني في الداخل، ولعل المؤقت اليومي كان له أفدح المخاطر على حياة الفلسطيني هناك، فالمؤقت هو ما يراهن عليه المحتل فيصبح الاستيلاء على بعض المناطق مؤقت والانسحاب منها مؤقت والتطويق مؤقت، والإغلاق مؤقت وتصاريح العبور مؤقتة، وإلغاء هذه التصاريح هو أيضا إجراء مؤقت، وسياسة الطرد والإبعاد مؤقتة، والقصف و وقف إطلاق النار مؤقت… وهكذا عندما يتلاعب المحتل في المؤقت، فإن كل شيء- كل ما هو حي ويتحرك- يخضع لإرادته وجبروته وعسف قراراته، وهو يدرك أنه يلعب دائماُ في الوقت الضائع، (في الواقع في الوقت المسروق من الآخرين)، ليتحول إلى إدارة غير مقيدة وذات سيادة لا حدود لها، وعندما يكون كل شيء مؤقت فإن أي شيء تقريباً -أي جريمة، أي شكل من أشكال العنف- يكون مقبولاً، فالمؤقت يمنحه ترخيصاً و يضمن له الاستمرار في فرض حالة “الطوارئ”، وعندها تتحول معالم الوطن “المحتل” إلى رموز هندسية وحواجز وطرق التفافية ومجاز  غير واضح لا شيء فيه ثابت تتحرك فيه و تتضاعف مساحات الاستثناء على حساب ” المطلق” المكاني و الزماني.

المصيبة إنه فوق كل هذا يأتي من يقول أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود، وإن “أبناء القضية ” يدعمون الدكتاتوريات في المنطقة، دون أن يحاولوا ولو لمرة واحدة أن ينظروا للفلسطيني كإنسان عادي مثله مثل غيره (ولكن ليس بالمعنى الإسرائيلي بطبيعة الحال، أي جار مزعج لا يشكل موته أو قتله فرقاً ذو قيمة). لكن لماذا، لا يرون فيه إنسانا ولد ليحيا وليس ليموت كما كانت تتمنى غولدا مائير، لماذا لا يرون فيه انسانا عاديا وليس بطلاً كمن خرج للتو من الأساطير والحكايا، لماذا لايرونه بصفات عادية مع الأخذ بالاعتبار الانتماء الإثني كواقع حقيقي تتضح معالمه أكثر في عالمنا بسبب الصراعات التي تتولد منه.

Author: محمود الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *