عن ضرورة رفع الغطاء عن “مُستبْطِني” الخواجات

استبطان الخواجا ليس مصطلحًا من علم النفس الاجتماعيّ أو من علم التفاعل بين المجموعات في صراع، بل هي ظاهرة شائعة في حياتنا كعرب فلسطينيّين في ظلّ حالة استعماريّة. ولها ألف تعبير وتجسيد في الواقع اليوميّ. ستجدونها في السياسة كما في الحياة، في الجامعة كما في مكان العمل، في الشارع كما في الدائرة الحكوميّة. وستجدونها متجسّدة في شخصيّات سياسيّة حولكم.
حاولوا أن تستعرضوا هذه الشخصيات في قيادات الأطر وفي الميديا وفي الحياة العامة ستتعرّفون عليهم. لأن الشخصيّة المُستبطِنة للخواجا تسعى إلى تجسيد هذا الاستبطان على نحو ما.
الاستبطان هو أن يعيش العربيّ الفلسطينيّ وفي رأسه صوت الخواجا اليهوديّ يطغى على صوت هويّته هو، على صوت ضميره، على صوت انتمائه. هو أن يقيس المُستبطِن الدنيا كلّها على مسطَرة الخواجا وميزانه. هي أن يرى بمنظاره كلّ شيء بما في ذلك هو نفسه. هي أن يعيش حياته متيمّنًا بالخواجا حامدًا له أو شاكرًا أو راغبًا في الاقتراب منه والجلوس في “زاويته” مطمئنًّا إلى عجزه هو وإلى كلمة طيبة يقولها له الخواجا أو “إكراميّة” يقدّمها له عن كرم زائف أو كرفع عتب. فإذا مارس عملًا فكلّ همّه أن يحظى بكلمة تقدير ولو كاذبة، وإذا كان في الأكاديميا تماهى مع البرادايم الكولونيالي وردّه كأنه ببغاء كي يقول له منظّم المؤتمر أنه ألقى مداخلة هامّة.
بمعنى أنه يكتب للخواجا ويقرأ للخواجا ويموت فيه. وإذا كنّا في إطار سبق الخواجا في الانقضاض على زميله الفلسطينيّ الحامل رواية شعبه. وإذا كان في السياسة فإنّه سيصوّب كلامه للخواجات ويخطب ودّهم ويزحف على بطنه كي يقبلوه. من هذه النُقطة تحديدًا، سيكون مستعدًّا أن يشي بأهله، أن يحرّض عليهم، أن يشارك الخواجات في شيطنتهم. المُستبطن الخواجا في بعض الحالات يتوهّم نفسه خواجا. فيتغطرس ويستقوي ويعرف أن إعلام الخواجات سيمنحه منصّة وأن بعض الخواجات البيض سيربّتون على كتفه ويمدحوه علنًا. وهذا النوع من المستبطِن أكثر خطورة من الدمى المعروضة شاشات الخواجا لأن الأخيرة عادة ما تكون تافهة وخاوية وإن ألصقوا باسمه الألقاب مثل “مؤثّر” و”مُنشئ محتوى” و”ناشط”.
قد يتحوّل الاستبطان إلى تبعية فيصير المُستبطِن تابعًا، يردّد في عقله ما يقوله الخواجة بالعبريّة، يهتمّ جدًّا لصورته عند الخواجة وكيف سيفسّره الخواجة وماذا سيقول عنه، كيف سيهضمه دون عناء. قد يتحوّل إلى ظلّ، إلى موضوع يعجنه الخواجة ويخبزه، يصممه على شكل خبز مجدول ليوم السبت، أو على شكل إنسان خائف من خياله ومن كلمات مثل العنفوان والهوية والرواية والذاكرة ـ فهو مستعدّ للظهور بدون أي شيء من هذا سوى أنه “كيان هلاميّ” يُعجب الخواجات.
استبطان الخواجا هو أن يعيش العربيّ الفلسطيني بوعي وغير وعي حالة امتثال لرغبة الخواجا حتى ولو كان غائبًا. فالخواجا حاضر في وعي المُستبطِن ولا وعيه وإن غاب. هي حالة أن يرى العربيّ نفسه بعين الخواجا فيُصدّق ما يبثّه وما يُسطّره من أفكار وتصوّرات وتمثيلات عن العربيّ ويسلك بمقتضاها ويتبنّاها كأنها حقيقة أو نوع من البديهة.
الاستبطان يقود البعض إلى الاصطفاف الاستجابي البافلوفي مع جلّاديهم. أن يصيروا جوارب في أقدام ظالميهم. أن يناموا ويصحوا على ساعة غيرهم. أن يولدوا على هويّة وانتماء ويصيروا غيرهم. سلوك يأتي من خلل هويّاتيّ يُفضي إلى خلل وجوديّ في انضفار وتفاعل ووعي ولا وعي، قد لا يكون الخروج منه إلّا بالصدمة أو التراجيديا.
صحيح أن المسألة تظلّ شخصيّة وفي إطار “حرّيات الاختيار” عند الأفراد، لكنها تصير مسألة مجتمع عندما يصل هؤلاء المُستبطِنين الخواجات إلى مواقع قياديّة وإلى التحدّث باسم الجماعة أو جزء منها. هنا، ينبغي أن يكون ما يكفي من الناس مستعدّة لرفع الغطاء عن هذه النماذج.
عن عرب48