عن صحتنا في الماضي والحاضر

تتحدث وسائل الاعلام عن اللقاحات للكورونا وعن حاجة بعضها للتبريد في درجة حرارة سبعين مئوية تحت الصفر. وللحقيقة فبرغم أن درجة الحرارة لتجميد المياه هي صفر، إلا أن وجود جزيئات داخل السائل المائي تجعل درجة تجمده تحت الصفر بكثير. اي أنه من الممكن ان تبدو مادة معينة في حالة جماد تام، إلا أنها تحتوي في داخلها بعض الأجزاء التي تحتوي على الماء في حالة سائل، مما سوف يساهم في تفاعلات غير مرغوب بها. ولذلك فأن تجميد الخلايا الحية وبعض المواد الحساسة التي تستعمل للابحاث او للتصنيع، يكون في درجات حرارة بين الخمسين والثمانين تحت الصفر. ذلك لكي نضمن تجمد تام للسائل بحيث لا يحدث أي نوع من انواع التفاعل.

ليس الأمر صعباً في يومنا هذا، فالثلاجات موجودة في كل بيت، بل المشكلة هي مادية عندما نحتاج درجات حرارة منخفصة جداً.

ولكن كيف استطاع القدماء الحياة العادية دون وجود الثلاجات؟

خلال دراستي لتاريخ الفنون استغربت وجود غرف التجميد في اوروبا القرن الخامس عشر.

احدى الغرف كانت مبنية بجزئين، الجزء الاول فوق سطح الأرض والجزء الثاني تحت الأرض. ولها جدارين بينهما فراغ للمحافظة على البرودة.

كان الثلج يجمع في الشتاء ويتم صغطه لكي يصبح جليداً ويوضع داخل الغرفة المركزية، بينما يحفظ الطعام في فتحات تحيط بها لعدة أشهر، وكانت الانابيب مركبة داخل حيطان الغرفة، لكي تسمح للهواء الساخن الخروج.

الاجمل من ذلك، ان تلك الغرفة كانت جزءاً من مشروع خططه المهندس المعماري فيلاريتي في مدينة ميلانوا في منتصف القرن الخامس عشر، لمستشفى ضخم بقي واقفاً حتى دُمر جزءاً منه في الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت من بداية عصر النهضة، الذي به لم تكن الجراثيم والفايروسات قد اكتشفت بعد، عرف ذلك المهندس وغيره ان الماء الملوث والهواء الخارج من رئتي المريض ينقلان المرض، فخطط داخل البنى التحتية للمستشفى قنوات لتفريغ المجاري، كما خطط داخل حيطان المبنى انابيب لاخراج الهواء الملوث. ثم جعل من غرفه والساحات المجاورة تحفاً فنية، كان بعضها مخصصاً للمرضى، والبعض الآخر لكل ما قد يحتاجه مستشفى من الخدمات، من ادوية واغذية وغيرها.

وبما ان ايطاليا تفخر بحضارتها فلقد عينت بلدية ميلانو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لجنة أخصائيين درسوا تاريخ البناية والفن المعماري الذي استعمل بها، واعادوا البناء لسابق عهده، بكل ما كان عليه من تخطيط ذكي وفن معماري رائع الجمال. ثم ابقوا على الجزء الباقي من غرفة التجميد شاهداً على تاريخ المكان وجعلوا له سقفاً من الزجاج.

كل ذلك ولم نصل للأجمل في هذا الموضوع، فلقد تحول البناء بعد انتهاء العمل عليه لجامعة يدرس على مقاعدها شابات المدينة وشبانها، الماضي والحاضر لكي يكونوا جاهزين للمستقبل.

Author: آمال روحانا طيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *