عن “حفلات التخوين”

صورة ملتبسة التفاصيل: تمّ الادّعاء فيها افتراءً أن اسمه “سليم خالد زغايرة”، وعلى قميصه كُتب أنه راز بينتو، وورد كذبا وافتراءً أيضا أنه من الناصرة، وجاء كذبًا وافتراءً أنه “درزي”. صورة ملفّقة كهذه أشعلت سجالًا لم يهدأ بعد موضوعه التخوين على خلفية قضيّة الأسرى الفارين/العالقين. تخوين الشخص غير الموجود أصلًا ـ المُختلق، وتخوين آل زغايرة والناصرة والدروز. صورة واحدة وسلسلة من “الخيانات” المُختلقة.

يد سريعة على زناد التخوين والتخوين المضاد حتى هذه اللحظات.

في قراءة حالتنا يغيب عن بال الكثيرين أننا في وضعية استعمارية وأن كل العرب هنا هم ضحاياها على نحو ما ـ أنظر سياسات الأرض وقانون القومية على الأقلّ.

ومع هذا نشأ هناك تدريج في علاقة العرب مع المركز الاستعماري ـ المؤسّسة الإسرائيليّة. وهو تدريج يعمل باتجاهيْن معكوسيْن. فيما يتّصل بالموارد والانتفاع والكسب والربح وواقع الحياة اليومية ـ هناك تنافس بين العرب جميعًا دون استثناء على “قلب المؤسّسة” ونِعمها. الجميع تقريبًا يشدّ الرحال إليها ويُريد أن يضمن حصّته. هذا أقرب وهذا أبعد قليلًا. وفيما يتّصل بقياس الأمور وفق القضية الفلسطينية الملازمة تاريخيًّا وجدليًّا هناك تنافس من الناس أنفسهم أحيانًا حول توكيد وطنيتهم الفلسطينية وابتعادهم عن المركز الإسرائيلي الصهيوني.

عادة ما تُترجم الأمور في واقع كهذا باتهام الدروز بالخيانة ـ خيانة مجموعة انتمائهم العربية واصطفافهم مع الاحتلال وتجنيدهم (قانون التجنيد إلزاميّ) في صفوف قوات الأمن، إلى آخر القائمة. وعادة ما يردّ الأخوة والأخوات الدروز، وهو حقّهم الطبيعيّ، بتخوين مُضاد وشامل بالقول مثلا: “نحن نتجنّد على المكشوف لكن اذهبوا وانظروا العملاء عندكم”! أو “نحن نتجنّد بحكم قانون إلزامي لكن الكثيرين منكم يتجنّدون تطوّعًا”! ويُضيف بعض الدروز السيرة التاريخية لسلطان الأطرش وثورة جبل الدروز ضد الفرنسيين ويضيفون سيرة كمال جنبلاط وسميح القاسم وسلمان ناطور وغيرهم لتوكيد وطنية الدروز وعروبتهم. هذا في وقت يشعر فيه الدروز على نحو كبير أو قليل بأن المؤسسة الإسرائيلية قد “خانتهم” لا سيّما بعد قانون القومية. وتأتي كتابات وردود تتهم الدروز بالكفر والارتداد ومنها ما هو دموي. وهذه بالذات ما يُثير موجة أخرى من ردود درزيّة من العيار نفسه. التخوين عادة ما يستند إلى تأويل واقع موضوعيّ بطريقة غير موضوعيّة. ثم تأتي قضية جديدة تغطّي على هذا السجال حتى المرة التالية.

خطاب التخوين في الثقافة العربية هنا ـ وفي أماكن أخرى ـ وهو جزء بنيوي في بنية القوة القائمة الناتج عن حالة استعمارية تتلخّص في أن آخر ـ وهنا المؤسسة الإسرائيلية ـ يُسيطر على الحيّز ومصائر الناس ووعيها. فكلّ شيء يُقاس بمدى “تعاوننا” معها أو بمدى معارضتنا لها. وهي ـ المؤسّسة ـ مهتمّة جدًّا بهذا الخطاب وتشارك فيه وتغذّيه وترتاح له لأنه يُعفيها من بذل جهود وموارد لفرض السيطرة. وكثيرون كثيرون من العرب يتعاونون مع المؤسّسة وسياساتها في تأجيج هذا الخطاب وتكريسه ـ كما يحصل منذ أيّام. فمن العرب ـ دروز وغير دروز ـ بدوا كأنهم على صيد ثمين عندما نُشرت الصورة وبدأ السجال. كثيرون منهم كانوا شعبويين ورخيصين جدًا في كتاباتهم و”أفكارهم” خاصة أن بعضًا منها جاء بالعبرية ـ بلغة الخواجة وتحمل استعلاءه ووقاحته.

بمعنى كبير أن معظم ما يحصل من “حفلات التخوين” هو عبارة عن تعاون جماعيّ مع المؤسّسة الإسرائيلية التي لم تفرّق بين درزي عربيّ وعربيّ غير درزي، ولا بين عربيّ يخدم في الجيش وقوات الأمن وبين عربي لا يخدم فيها، عندما سنّت قانون القومية. فقد وضعتنا جميعًا في الخانة نفسها وعلى قدم المساواة في الغبن وافي إخراجنا خارج الجماعة الـ “نحن” الإسرائيلية. كما أن العرب عندها سواسية بكل فئاتهم عندما يتّصل الأمر بسياسات التخطيط وتشكيل الجيتوات العربية. والمؤسّسة ذاتها مستعدّة للتحريض والافتراء والاتهام عندما يتصل الأمر بمعارضة سياساتها. كان المعارض جنرالا درزيا في الاحتياط موسوم بالأوسمة يناهض قانون القومية أو نائبا في القائمة المُشتركة!

ليس هناك أي شرف أو أي مكسب في التخوين والتخوين المُضاد سوى ذلك الذي تكسبه المؤسّسة. المكسب يكون بفهم الحالة المركّبة التي نعيشها، وبإنشاء خطاب مدني يُعيننا على احتواء حالة القهر وتفكيك منظومات السيطرة الناتجة عن الحالة الاستعماريّة بما فيها السيطرة على الوعي وتزويره.

نحن بحاجة إلى تضامن الناس ضحايا الحالة الاستعماريّة لا إلى حروب بينهم تهدر إنسانيتهم! وأعرف أن بيننا مَن يعمل على إدامة “حفلات التخوين” لأنه كجزء من تذويت القهر والتوق للقوة ـ تمنحه فسحة للتنفيس وممارسة القهر معكوسًا ـ ولو لفظيًّا.

1 thought on “عن “حفلات التخوين”

  1. التخوين ليس هو المشكلة لأن هناك من هو خائن، لكن في تغيير تعريف الخيانة حسب الشخص، لتتحول وجهة نظر. ثم تأتي مشكلة التعميم. عندها ينتظر كل فريق زلة في الفريق الآخر فإن لم يجد إلا خبرا غير مؤكد عن شخص محسوب على الفريق الآخر أشاعه ليكيل كل أنواع الاتهامات لهم جميعا. أما إن كانت الجريمة واضحة في فريقه اختلق تبريرات خيالية وأتى بسوابقه الوطنية لإبراز حسن النية. وبذلك يشارك الفريق في تعميم خطأ أحد أفراده عليهم جميعا بدلا من الاعتراف بالخطأ ومحاسبة المخطئ، ويشارك في تمييع معنى الخيانة، وفي التنازل والانحطاط تدريجيا.
    المشكلة الأخرى هي في نشر الأخبار دون نسبتها إلى مصادرها الأصلية، فما هو مصدر “الخليل الحدث” مثلا عن رواية زكريا للقاضي؟ ومن قال إن زكريا دخل مدينة الناصرة؟ وهل ينتظر أحد أن يسرد أي أسير أسماء من ساعدوه أو استضافوه على القاضي؟ فالمطلوب مطالبة كل من ينشر خبرا بالتحقق من محتواه وعدم نشره بدون ذكر مصادره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *