عن تجارة السلام ….!

التاريخ لا تتم قراءته بالتجزئة، ولا يمكن فصل مكوناته عن مسارها الطويل بصعوده وهبوطه، قد لا يسير بخط مستقيم، ربما ينحني أو يتعرج، ولكن يبقى الخيط متصلا إلى لحظة النهاية الراهنة، فأحداث الحاضر ليست سوى نتاج أحداث تجمعت وتفاعلت في تجربة سنوات وربما عقود أو قرون صنعت حضارة وثقافة وتلك أنتجت سلوكها الاجتماعي والسياسي، أي أن اللحظة في التاريخ لا أن تكون وليدة مصادفة الحاضر.

قبل كتابة هذا المقال، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن في تغريدة على حسابه عن اتفاق آخر بين البحرين وإسرائيل لعقد اتفاق سلام بين الدولتين، ويبشر بأن هذه ثاني دولة عربية تطبع علاقاتها خلال شهر بعد إعلان الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي. وفي هذا ما لا يدعو للغرابة لمن يراقب مسار الإقليم ليس فقط في عقده الأخير بل في عقوده وقرونه الطويلة.

ما حدث من دمار في الإقليم خلال العقد الماضي ليس فقط أنه نجح في إنتاج هذا القدر من الركام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل إن هذا العقد الأسود كان خلاصة التاريخ الطويل من الإرث العربي والصراعات المذهبية وصراعات السلطة والعقل الاستبدادي الذي لم يقلع حتى اللحظة نحو المدنية التي بدت كمعالم عمرانية قشرية لكن ارث العشيرة كان ولا زال السائد.

جاء هذا العقد ليكشف أسوأ ما في تلك الثقافة المستعدة لتدمير بلدانها من أجل مصالحها الخاصة كما اعتبر ابن خلدون يوما ما، هذا في جانب وفي الجانب الآخر ليكشف مدى هشاشة الدول التي اهتزت مع أول رجة أو رغبة في التغيير أو أول مؤامرة فقدت توازنها أيّا كانت تسميتها ولكنها كشفت حجم أخطاء التاريخ وثقافته، ويؤهل هذا المستوى من الضعف لما هو قادم.

كان متوقعا أن إسرائيل التي تعيش في المنطقة بأعين مفتوحة لدواعي الأمن والوجود وتحسب لكل شيء، كان متوقعا أنها من سيلتقط ما سيتساقط من ربيع العرب، وأن تحول خراب العرب إلى مكاسب تراكمها وتحققها ليس بفضل النباهة الإسرائيلية بل بفعل العرب بأنفسهم أو باستخدام العرب ضد أنفسهم وهذا ما كان.

لا يمكن فصل الشعور العربي بالضعف عن حالة التقارب والتطبيع مع إسرائيل، ولا يمكن فصل مكونات ما يحدث في المنطقة عن طبيعة التوازنات القائمة أو التي جسدتها القرون أو العقود الطويلة. فما يحدث، الآن، من تقارب لم يأتِ حسب التطورات الطبيعية لحركة التاريخ وللأشياء وخصوصا مع أقصى اليمين الذي يحكم إسرائيل ولا يستحق كل تلك المكافآت لأنه يسير عكس مسار التاريخ ومسار السلام.

بات الحديث عن هذا المسار «مسار السلام» واحدا من وقائع تاريخ المنطقة، وأصبحت تجارته هي السلعة الأبرز التي بات يتداولها الإقليم دون أن يكون مهيئا للتعاطي لا مع مقدماتها ولا مع نتائجها، وتلك بحاجة الى رأسمال للمتاجرة، أما دون ذلك فهي مقامرة غير محسوبة ورأسمال السلام هو إرادة وسلاح وجنود، هؤلاء هم الذين يستدعون السلام.

وهنا يذهب العربي لسوق السلام بلا رأسمال حقيقي ولا إمكانيات ولا مؤهلات مقابل طرف يمتلك أكبر مما يؤهله قياسا بالآخرين في المنطقة، وبالتالي فهو القادر على صناعة التجارة وفقا لمصالحه واعتباراته وضروراته وإمكانياته ورأسماله الذي يضعه «يعرضه أو يستعرضه».

السلام يعقد بين الأطراف المتحاربة بديلا عن الحرب أو بعد أن تفرض الحروب وقائعها على الأرض هكذا هي تجربة التاريخ …يكمل السلام ما بدأه السلاح، ولكن الشكل الخجول للسلام في المنطقة كأنه حالة تشذ عن سياق التاريخ أو أقرب للفهلوة بين طرفين أحدهما يملك فائض رأس المال والآخر وصل حد الإفلاس. وهنا فإن الحديث عن التكافؤ يصبح شيئا من العبث.

ذهبت مصر للسلام مدججة برأسمالها من السلاح وإرادة الرجال والدم والعرق، توقفت الحرب عند الكيلو 101 ليكمل السلام دور السلاح، وذهب الفلسطينيون في محاولتهم برأسمال من الإرادة وتاريخ من المعارك والدم. لكن أن تذهب دولة بعيدة لا علاقة لها بكل هذا الصراع وليست مهددة، حينها فإن منطق الأشياء يقول، إنه لا السلاح يلزم ولا السلام يلزم ويصبح المعيار ذا بعد أخلاقي على نمط العلاقة مع نظام بريتوريا في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن يسقط نظام الفصل العنصري ضد السود فلو حصل على هذه المكافآت والسلام والتطبيع لظل يحكم جنوب أفريقيا حتى الآن.

«إذا أردت أن تصنع السلام عليك أن تكون جاهزا للحرب» هكذا تحرك مسار التاريخ لأن السلام الحقيقي يكون بين أطراف على قدر من الندية، ولم يجهز العرب ما يضعهم طرفا في أي معادلة، لا القوة على الأرض ولا في السماء ولا في العلم والاقتصاد. أما فقر التكنولوجيا في عالم تكنولوجي فتلك رواية أخرى تعكس حجم الهوة ولا الديمقراطية وصندوق الانتخاب بل ظلوا أشبه بقبائل سياسية تعود للماضي محاولين أن يذهبوا للمستقبل بذلك الإرث، وهنا أزمة الانفصال بين تراث ثقيل يعانون من وطأته وبين مستقبل لا مكان لهم فيه إلا على الهوامش.

تلك الأزمة أيضا تطال الفلسطينيين الذين جردوا أنفسهم من أي شيء لأن الفرصة التي أعطيت لهم على الأقل لإظهار صورة أنهم قادرون على إدارة شعب أعطت نتائجها المعاكسة. وهكذا أيضا ليس من الغريب هذا الشعور بالوحدة وسط عالم عربي على هذه الدرجة من الخفة في موازين السياسة.

Author: أكرم عطا الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *