عن انتقاد المقاومة، وريمونتادا الحرب

قرأتُ عددًا من المنشورات على موقع الفيسبوك، كتبها “ليبراليون وليبراليات” يقولون للعالم لا تنتقدوا المقاومة، لا تبعدوا المسافات بينكم وبينها، “إلي في قلبكم اكتموه”، مديرة مؤسسة نسوية كتبت على صفحتها ” الناس تحت الضرب يقولون ما يشاؤون، إلي قاعدين في أوروبا ما ينَظْروا”، هذا ما تفعله الحرب فينا، تُخرج أسوأ وأكثر الآراء رجعية، بحيث نكون لسنا نحن، بل قد يصيبنا الخوف بالرعب من أن نهمس بالحق، أو ما تفعله الحرب من هوسٍ وطني ومشاعر طاغية تجعلنا غير منطقيين وسذج، وربما هناك من يريد تحقيق مصالح في أوقات حرجة.

من حق الجميع انتقاد المقاومة وما قدمته ولم تقدمه، فهي ليست مقدسة، طالما أنها تتخذ قراراتٍ باسم الشعب وهذا الشعب يموت من أجلها، سواء وسط الحرب أو قبلها أو بعدها، ومن حق من خرج إلى أوروبا للنجاة قول رأيه أيضًا بل له الأولوية لأنه يعرف الحرب جيدًا وهو الآن ليس تحت تأثيرها لذلك يعرف جيدًا ما يدور ويستطيع أن يتحدث عنه دون خوف أو تطرُّف.

لا أنكر ملاحظتي أن الناس تجرأت على انتقاد اتفاقية التهدئة التي أعلنت عنها السلطات المصرية مع الجهاد لوقف إطلاق النار بين الأخيرة وإسرائيل مساء يوم الأحد الفائت، أكثر ما تجرأ هؤلاء الناس على انتقاد أربعة اتفاقيات من قبل عقدتهم حماس مع إسرائيل في حروب أكثر دموية، وبالطبع السبب واضح، فقمع حماس للمنتقدين خلال الحرب وبعدها وقبلها جعل كثيرين لا يتجرؤون على ما تجرأوا عليه مع الجهاد الإسلامي الذي قاد الرد على العدوان الأخير، وحده، إلا أنه في كل الأحوال من حق الناس التجرؤ عليهم جميعًا، فلم يقدم أيًا منهم ولن يقدموا يومًا شروطًا تليق بدماء العائلات التي تُسفَح بين الاسمنت وعلى التراب وتحت القنابل.

لن أقول إن الثمن يستحق والكفاح المسلح الإسلاموي حفظ عروبة الأمة، ودافع عن الكرامة الإسلامية، وغيرها من الشعارات التي اكتشفنا مع الوقت كذبها الكبير، وأن الذين استفادوا من ورائها مَن عبأوا أرصدتهم البنكية باسم الدم الفلسطيني في البلدان المجاورة، لكن سأذكر بالأساسيات التي ننساها مع الوقت، تذكروا أن إسرائيل من اعتدت على غزة، وتستخدم أهلها كورقة رابحة في انتخابات قادمة، وتغرز فينا حقن الموت وكأننا فئران تجارب، إنها قصة الدفاع عن أنفسنا ليس أمام قرار مقاومة بالرد أو لا، بل الدفاع عن أنفسنا أساسًا أمام عدو يتحكم بحياتنا وموتنا، نجاتنا أو سقوطنا، وحش يلتهم الأطفال والعائلات والأمهات والآباء، ويتركنا مقصوصين، نعم يقصّ من العائلات أفرادها ويترك آخرين، كما لو أنه نحاهم من صورة عائلية.

إن تملص حماس من العدوان الأخير، ليس بالسر أو الأمر المخفي، وهي الخطوات ذاتها التي مشيتها فتح من قبلها، بل الجهاد الآن تلعب دور حماس في التسعينات حين كانت تقوم بالعمليات الفدائية، غير معترفة باتفاقية أوسلو، والآن لا يبدو أن الجهاد تعترف بالتزامات حماس أمام الاحتلال. 

إن التحول البراغماتي لحركة حماس بدأ منذ سنوات، ومنذ أن أمسكت سلطة وحكومة وأصبح لديها موظفين، إنه التدجين الأبدي البدائي لكل حركات المعارضة في تاريخ الإنسانية.

إلا أن كل ذلك لا يعني الناس العادية، التي تريد الحياة، تتمسك بها، الروتين العادي الذي مللنا منه نحن بالخارج، والأمان. ما يحلم به أهل القطاع، لذلك من السهل استيعاب مئات المنشورات التي طالبت بوقف الحرب، والتي لا تجد ما يستحق من أجله بدء حرب جديدة ويلومون حركة الجهاد، ويرون أن نيران حرب مايو 2021 لم تخمد بعد. 

هؤلاء لم يدجنهم أحد كما قالت بعض منشورات منتقدي “منتقدي/ات المقاومة”، ولم تغلبهم الدعاية الإسرائيلية، وبعد قليل سنُخَونهم لأننا نهوس نحن أيضًا بالأحكام تحت القصف، بل لأنهم يتطلعون للحياة العادية، يشغلهم سؤال “لماذا نحن؟”، بالطبع أنا وأنتم وهم نحفظ التاريخ والحق والقضية وكل شيء، لكنه سؤال الغلبة، والطبيعة والفلسفة، يشبه تساؤل “أكون أو لا أكون؟”، لكن في النهاية نريد أن نكون وأمام محتل يريد مَحْوَنا وهذا كل قبل أن نكره الحرب، لذلك ستظل ريمونتادا الحرب تؤرق نومنا وأمننا وأحلامنا حتى يوم الخلاص.

وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ، لحظة تاريخية أخرى نعيشها، وحرب خامسة نعاصرها، وفي هذا الوقت يسقط الشهداء والأبرياء الذي نبقى سنوات نستمد منهم القوة والأمل ومعنى البراءة.

أتصفح “فيسبوك” أرى أخبار عن قصفٍ وقنابل فيسقط قلبي، معتقدة أنه كسر للتهدئة، وعودة للحرب، لكني سرعان ما أجد أنه قبل ساعات أو يوم من التهدئة، أستغرب خوارزمية الفيسبوك التي صارت فجأة تظهر لي منشورات العدوان على قطاع بعد أن كنت أبحث عنها “بطلوع الروح” في ثلاثة أيام الحرب، لكنها في الحقيقة مفهومة أكثر من منشورات “ليبراليات وليبرالي” الزعلانين على انتقاد حماس أو الجهاد، ويمنحون تصاريح للكلام بحسب المقيم والمغترب، والموجوع حديثًا وآخر وجعه قديم.

تهدئة أم حرب، سلام أم موت، زعلانين، فرحانين، مقاومة أخطأت أم أصابت، هناك شيء يجب أن يعود أدراجه، وهو الاحتلال، فإسرائيل ليست عزرائيل قطاع غزة، وقتما أرادت تقبص أرواحنا، ووقتما أرادت تتركنا، بل هذا اللسان الساحلي الصغير المهمش على البحر المتوسط والذي يحب الحياة، يستطيع أن يقلب نهارها ليلًا أيضًا.

وعلى الرغم من هذا الحق، فإننا يجب أن نفهم الناس وكيف يرون الأمور بشكلٍ مختلف عما يراه المسيسون والمتحزبون والمقاومون، والكُتّاب، إنهم ينظرون للأمور عبر تاريخ طويل من الموت والخوف والحروب والأفراح المنقوصة، فهم يعيشون في هواجس نفسية من الألم والفقد وطعم الموت وانتظاره، لذلك لا يجب نحن أن نطلق الأحكام عليهم ونعطيهم الأوامر.

عن رمان الثقافية

Author: أسماء الغول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.