عن الأسرى الستة والفشل الفلسطيني المريع

شي محزن ويبعث على القهر حقاً أن ستة أشخاص لم يجدوا حركة وطنية قادرة على احتضانهم وتوفير الأمان لهم، هذه فضيحة لحركة وطنية لها من العمر قرابة ستة عقود.

ثمة فشل فلسطيني كبير، وهو بالتحديد فشل القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، وطبعاً هذا يشمل الفصائل بخاصة “حركة حماس” (وهي في مكانة السلطة في قطاع غزة)، لا سيما أن هذا الفشل بات مقيماً، ومزمناً، ولا أفق يشي بإمكان التحرر منه أو تجاوزه.

تمكن ملاحظة أهم تمثلات ذلك الفشل في الآتي: أولاً، في الإخفاق في القيادة والإدارة والبنى وفي الخيارات السياسية، وفي الجمود الحاصل في تلك المجالات على رغم ذلك. ثانياً، في الفراغ القيادي المهول، وغياب المرجعيات، لا سيما مع تهميش منظمة التحرير وتكلس بناها. ثالثاً، في الافتقاد للروح الجمعية، التي لطالما ميّزت الفلسطينيين في أماكن وجودهم، فكأنهم باتوا بمثابة شعوب كثيرة، مع صعود الأولويات والحاجات والسرديات المحلية على حساب الأولويات والحاجات والسرديات الوطنية الجامعة.

كثيرون خصوصاً المحسوبين على الفصائل والسلطة والمنظمة، لن يعجبهم، أو لن يقنعهم، هذا الكلام، وسيسحبون من جعبتهم حديث الإنجازات التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي المتمثلة باستنهاض الشعب الفلسطيني بعد النكبة، وتأسيس كيان وطني جامع للفلسطينيين هو منظمة التحرير، ووضع القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العربية والدولية، بعد الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل لشعب فلسطين. ولا خلاف مع هذا الكلام، طبعاً، بيد أن أصحابه يتناسون تفصيلاً بسيطاً مفاده أن كل تلك الإنجازات السياسية والمعنوية التاريخية كانت حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية في منتصف السبعينات، أي في السنوات العشر الأولى لانطلاقتها (1965- 1975)، وأنها بعد ذلك لم تحقق شيئاً، يتناسب مع التضحيات والمعاناة التي ظلّت تبذل، بل إن تلك الحركة أضحت تعيش على تلك الإنجازات، حتى لم يعد من شيء يذكر منها.

 هناك بعض آخر سيسحب من جعبته حديث الظروف والشروط الموضوعية، لكن هذا البعض يتجاهل أن الحديث هنا يقتصر على العجز، أو الفشل، على الصعيد الداخلي/الذاتي، ولا يقارب البتة أي حديث يتعلق بمحاربة إسرائيل وسياساتها، لأن ذلك حديث آخر.

 السؤال الآن، وهو المسكوت عنه، ماذا حققت القيادة الفلسطينية بعد منتصف السبعينات؟ وإذا لم تحقّق شيئاً يذكر، أو يتناسب مع التضحيات، فلماذا ظلت تلك القيادة، أو تلك القيادات، على حالها؟ ثم ما هو حال تلك الإنجازات التي ذكرناها؟ مثلاً، ما الذي تبقى من منظمة التحرير؟ وما أثر تداعيات إقامة السلطة الفلسطينية على مكانة المنظمة، وعلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية عربياً ودولياً وحتى فلسطينياً؟ ولماذا تراجعت إدراكات الشعب الفلسطيني لذاته الجمعية، لمصلحة إدراكات محلية؟

مناسبة هذا الكلام الأحداث المتوالية التي عصفت بالمشهد الفلسطيني أخيراً، يأتي ضمنها التهرب من عملية الانتخابات، وإجهاض مساعي إنهاء الانقسام بين “فتح” و”حماس”، وبين سلطتي الضفة وغزة، وطريقة التعامل مع الهبة الشعبية في القدس، والتضييق على الحراكات الشعبية، والفشل في إيجاد حاضنة وحماية، ولو معنوية وسياسية، للأسرى الستة، الذين حرروا أنفسهم من السجن الإسرائيلي، وهي التي تكشفت عن فضيحة وعززت حال الإحباط بين الفلسطينيين.

هكذا، فإذا تجاوزنا قضايا أو صراعات السياسة ومشاغلها ومتاعبها وتعقيداتها، ففي قصة الأسرى المحررين، وبعيداً من العواطف، ولا سيما الفردية، ثمة ما يبعث على القلق، ويكشف عن عمق الأزمة الفلسطينية وشموليتها، إذ وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام فراغ قيادي مهول، وافتقاد للشعور بالألم الجمعي، وتراجع في حال التضامن، وانحسار في الروح الكفاحية الجامعة، في مختلف أماكن وجود الفلسطينيين، في 48 و67 وبلدان اللجوء والشتات. والخطير في الأمر أن التفكك لم يعد يقتصر على التجمعات الكبرى، وإنما بات في كل تجمع.

لنلاحظ هنا، أن ثمة ستة شباب أسرى صنعوا المستحيل بأيديهم، لكن مشكلتهم كانت في غياب الحاضنة، فقد اختفت “حركة التحرر الوطني” الفلسطينية، وأتت  سلطة، مرتهنة لمعاهدات واتفاقيات مع إسرائيل. للأسف هذه هي الحقيقة المرة، والأمر لا يقتصر على السلطة، إذ لا فصائل حركة تحرر اليوم لا في مناطق الـ67 ولا في مناطق 48، اختفى الجميع، أو نأوا بأنفسهم عن المسؤولية عن الرجال الستة. طبعاً مفهوم أن السلطة لا تستطيع حمايتهم، أو خوض معركة من أجلهم، لكنها لم تقم بما عليها لتأمين حتى الدعم المعنوي أو السياسي لهم، ولا حتى طرح قضيتهم أمام الرأي العام العالمي، كأن ثمة تسليماً بمشروعية أسرهم لدى إسرائيل!

وفي الواقع فإن غياب “حركة التحرر الوطني الفلسطيني” تأسس مع الانتقال من ملف 48، أي ملف النكبة وإقامة إسرائيل وتشريد معظم الفلسطينيين، إلى ملف 67، أي طلب الاستقلال للجزء المحتل في الضفة وغزة، والصراع ضد المستوطنات، مع نسيان أن إسرائيل، الاستعمارية العنصرية، هي المستوطنة الأكبر في فلسطين، وأنها أم المستوطنات، كما أن قضية اللاجئين، هي جوهر قضية فلسطين، التي نأت عنها السلطة وتوابعها أيضاً منذ زمن.

شي محزن ويبعث على القهر حقاً أن ستة أشخاص لم يجدوا حركة وطنية قادرة على احتضانهم وتوفير الأمان لهم، هذه فضيحة لحركة وطنية لها من العمر قرابة ستة عقود، وهو مؤشر جديد على أفول هذه الحركة التي أضحت لزوم ما لا يلزم، وعبئاً على الشعب الفلسطيني، الذي تخلت عنه في أماكن كثيرة، مثل العراق وسوريا ولبنان.

عن درج

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *