عن أهميّة الهبّة والمظاهرات ونقد خطابها

ثناء تدفّق الناس إلى المظاهرة في ساحة الانطلاق، من قلب تل أبيب، أمس، السبت، استوقفني مشهد صغير في شكله، كثيف في دلالته.
إحدى النساء المنظِّمات تتصدّى لناشط يهودي، ربما من طيف “الصهيونية اليسارية”، كان يحمل علم إسرائيل، مطالِبةً إيّاه بإنزاله، والالتزام بشعارات المظاهرة المتفق عليها. وسط الضجيج لم أسمع كلمة واحدة، لكن إصراره كان واضحًا: يبتعد عنها، ينسحب داخل الجمهور، ويتمسّك بالعلم. من السهل الاستنتاج أنّها كانت تطالبه بالالتزام بشعارات المظاهرة، التي لم تشمل – عن قصد – رفع العلم الفلسطيني.
اللافت أنّ الحادثة مرّت من دون أي اكتراث يُذكر من الجمهور المحتشد. ربما لأنّ العلم كان واحدًا، أو فعلًا فرديًا، أو لأنّ القضية التي خرج الناس من أجلها بدت أكبر من التوقّف عند هذا التفصيل، على استفزازه.
في زمن مضى، كانت حادثة كهذه في مظاهرة فلسطينية داخل الخط الأخضر كفيلة بإشعال هياج واسع. لكننا لسنا في ذلك الزمن. فحظر رفع العلم الفلسطيني بات واقعًا فعليًا في المظاهرات، بدأ جزئيًا قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وتحول منذ بدء حرب الإبادة إلى إجراء قمعي روتيني.
ومع ذلك، أثبت الجمهور هذه المرّة انضباطًا لافتًا، وقدرة على التعالي على الاستفزاز، وإدراكًا عميقًا لخطورة اللحظة التاريخية التي نعيشها. لقد أُصغي، بوجع جماعي صامت، إلى كلمات أمّ قُتل فلذة كبدها على أيدي المجرمين. كلماتها لم تكن خطابًا سياسيًا، لكنها كانت أقسى وأصدق من أي شعار، وأحرقت قلوب الجميع.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك هذه المظاهرة: أهميتها، طريقة تنظيمها، وخطابها. لا من موقع التشكيك، بل من موقع الحرص على الهبّة، وعلى مستقبلها. ويمكن اختصار هذا التفكيك في عاملين أساسيين: التنظيم والخطاب.
أولًا: التنظيم – من العفوية إلى الفعل الجماعي
شكّلت مظاهرة الأمس خطوة جبّارة أخرى، في لحظة نادرة يتحوّل فيها الوجع العميق، المتراكم والمكبوت، إلى فعل في الشارع. صحيح أنّ هذا الفعل لا يزال في بداياته، ويحتاج إلى وقت لاختبار استمراريته وقدرته على التراكم، لكن المؤكّد أننا أمام تحوّل حقيقي في المزاج العام، وربما في الروح العامة ذاتها.
لقد تحوّلت الصرخة – أو الرصاصة التي أطلقها السيّد علي زبيدات خلال أيّام قليلة إلى فعل شعبي واسع. وللمرّة الأولى تقريبًا، نرى استنهاضًا سريعًا ومنظّمًا لمهارات متنوّعة، قادمة من قطاعات مجتمعية ومهنية وأكاديمية وأهلية مختلفة. أي إنّ العفوية لم تبقَ عفوية، بل تحوّلت بسرعة إلى فعل منظّم وواعد.
هذا النجاح لا يمكن فهمه من دون التوقّف عند أسبابه. أوّلها، الشعور بالخطر الوجودي، لا على المستوى الجماعي فحسب، بل على المستوى الفردي أيضًا. حين يشعر الإنسان أنّ حياته وأمانه اليومي باتا مهدّدين مباشرة، يتحوّل الخوف إلى محرّك للفعل.
وثانيها، أنّ هذا التحوّل لم يأتِ عبر مواجهات عنيفة في الشارع، كما جرى في هبّات وطنية سابقة قوبلت دائمًا بقمع أشدّ، وحملات اعتقال وأحكام قاسية.
ثالثها، أنّ الحراك لم ينطلق تحت شعارات سياسية وطنية مباشرة، بل تحت عنوان يبدو “مدنيًا” ومحدّدًا: محاربة الجريمة والعنف.
ورابعها – وهو عامل حاسم – انخفاض الكلفة. يدرك الناس أنّ المشاركة في مظاهرات منظّمة ضد العنف لا تكلّفهم كثيرًا، وربما لا تكلّفهم شيئًا مقارنة بتجارب سابقة. وهذا ما شجع أعدادًا كبيرة من الناس، خاصة من النساء والجيل الشاب، ربما لم يشارك الكثيرون منهم، في حياتهم، في مظاهرة، في المشاركة في هذه الهبة. ولكن كل هذا الفعل الشعبي المتجدد، أعاد إليهم الثقة بأنفسهم، وبقدرتهم على كسر الشلل المفروض، والخروج مجددًا إلى الفضاء العام.
ثانيًا: الخطاب – الغائب الحاضر
منذ انطلاق الهبّة الجديدة، وصولًا إلى مظاهرة الأمس، يبرز غياب واضح للخطاب السياسي الذي يربط الجريمة بجذورها البنيوية، في الهتافات، والشعارات المكتوبة، وفي معظم كلمات القادة، بل أحدهم لا يضيّع فرصة أمام الإعلام دون اجترار مسألة الانتخابات والكنيست، معتبرًا المعركة الأهم هي يوم الانتخابات، وليس ما يجري أمام ناظريه من تحول عظيم يعيد الاعتبار لفعل الشارع. هذه ليست مسألة شعارات أو مفردات، بل مسألة جوهرية تتعلّق بالوعي والمسار، وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني داخل الخط الأخضر وتعزيز حضوره الوطني.
لا يقتصر هذا الغياب على عدم رفع العلم الفلسطيني، وهو أمر يمكن تفهّمه مرحليًا في ظلّ الاستنفار الدائم لشرطة إسرائيل واستعدادها للتدخّل العنيف. المشكلة أعمق: غياب الخطاب عن الكلمات، عن الهتافات، وعن التسمية الواضحة للأشياء بأسمائها.
لا يجوز إخفاء مصطلح الأبرتهايد، ولا تغييب بنية الدولة اليهودية بوصفها الإطار الذي يفسّر كل شيء: من تفشّي الجريمة، إلى سياسات الإفقار، إلى الحصار المكاني، إلى تدمير شروط التطوّر الطبيعي للمجتمع الفلسطيني في الداخل. هذا الغياب لا يضر فقط بالتحليل، بل يفرغ الهبّة من إمكان تحوّلها إلى وعي سياسي متراكم، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تنخرط اليوم للمرّة الأولى في فعل جماهيري واسع.
فإذا لم تُعالج جذور الجريمة، فإنها ستتجدّد، بأشكال مختلفة. استمرار الحرمان، نهب ما تبقّى من الأرض، هدم البيوت، حجب الميزانيات، ومحاصرة البلدات العربية بالمستوطنات – كلّها ليست ظواهر منفصلة، بل مكوّنات متكاملة لنظام أبرتهايد بات تعريفًا وتوصيفًا سياسيًا وقانونيًا معترفًا به دوليًا.
ولا يمكن فصل هذا الغياب الخطابي عمّا يجري في غزة، حيث لا نواجه حربًا عسكرية فحسب، بل سياسة إبادة مكتملة الأركان، تستهدف محو الشعب الفلسطيني جسديًا ورمزيًا، ودفن قضيته السياسية. إنّ ما يُمارس في غزة هو التعبير الأقصى عن منطق الأبرتهايد الإبادي ذاته، فيما يُمارس داخل الخط الأخضر بأدوات مختلفة: التفكيك، الإفقار، نشر الجريمة، كسر الروابط الجماعية، وتجريد الفلسطيني من كونه فاعلًا سياسيًا. الجريمة ليست انحرافًا عن سياسات الدولة، بل إحدى آلياتها، وكما الحصار والهدم والمصادرة، هي جزء من مشروع محو طويل النفس، يهدف إلى تفريغ الفلسطيني من المعنى وتحويل وجوده إلى مسألة أمنية أو ملف اجتماعي منزوع السياسة.
إنّ تغييب هذا الربط لا يضر فقط بالتحليل، بل يهدّد الهبّة نفسها، عبر حصرها في إطار احتجاجي محدود، قابل للاحتواء والتفريغ. وإذا لم يتحوّل هذا الحراك إلى وعي سياسي يربط بين الجريمة وبنية النظام، وبين الداخل وغزة، فإنّ أسباب الجريمة ستبقى قائمة، وستتجدّد بأشكال مختلفة.
قد يكون غياب هذا الخطاب في بدايات الهبّة مفهومًا، سواء في مظاهرة سخنين أو تل أبيب، أو في كلمات القيادات الأولى، بوصفه تعبيرًا عن لحظة صدمة، أو محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة، أو تفادي القمع المباشر. لكن الاستمرار في هذا الغياب لم يعد مبرَّرًا، بل يتحوّل إلى خطر سياسي. فالهبّات التي لا تُراكم وعيًا، ولا تُسمّي العدو، ولا تُحدّد طبيعة النظام الذي تواجهه، تكون عرضة للاحتواء، أو التفريغ، أو التحويل إلى مجرّد صرخة أخلاقية في فراغ سياسي.
إنّ الانتقال التدريجي من خطاب ينزع الجريمة عن سياقها البنيوي، إلى خطاب وطني تحرّري، يستعيد روايتنا وسرديتنا، ليس خيارًا إضافيًا ولا ترفًا فكريًا. إنه شرط لمراكمة الفعل ولتقدّم الهبّة نفسها، ولتحويلها من ردّ فعل على عنف منفلت، إلى مواجهة شاملة مع منظومة العنف التي أنتجته. فالجريمة، كما الأبرتهايد، كما الإبادة في غزة، ليست وقائع منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن منطق واحد: منطق محو الشعب الفلسطيني، وتفكيكه، وتجريده من معناه السياسي وحقّه في تقرير مصيره.
من هنا، فإنّ الرهان الحقيقي لهذه الهبّة لا يكمن فقط في قدرتها على وقف نزيف الدم، بل في قدرتها على إعادة وصل ما فُصل عمدًا: الداخل بغزة، الاجتماعي بالوطني، اليومي بالتحرّري. هبّة بلا أفق تحرّري شامل ستبقى محصورة في دائرة المطالب الآنية، أمّا هبّة تُدرِك موقعها في معركة الوجود، وتُسمّي النظام القائم نظام أبرتهايد كولونيالي إبادي، فبوسعها أن تتحوّل إلى إحدى روافع المشروع الوطني الفلسطيني في لحظته الأكثر خطورة.
هذه ليست دعوة إلى رفع الشعارات قبل أوانها، بل إلى بناء وعي لا ينفصل فيه النضال ضد الجريمة عن النضال ضد الأبرتهايد، ولا ينفصل فيه الغضب على القتل في الداخل عن الغضب على الإبادة في غزة. وحده هذا الربط هو ما يمنح الهبّة معناها التاريخي، ويحوّلها من حدث عابر إلى محطة في مسار تحرّري طويل، يعيد للفلسطيني، حيثما كان، موقعه كفاعل سياسي، لا كضحية دائمة في نظام صُمّم لإلغائه.
عن عرب 48