عندما يكون اللاّحلّ هو الحَلّ


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ما يجري في قطاع غزة الآن هو استئناف لما بدأت فيه النّكبة عام 1948، وإتمام للمشروع الصهيوني في نسخته الأقبح والأشد إجراماً، إذ أخذ منحى الإبادة الجماعية، أكثر بكثير من عام النكبة التي كانت أبرز مجازره أقل من المجازر اليومية المستمرّة منذ 130 يوما، فقد استشهد عام النكبة حوالي 13 ألف مدني فلسطيني، حسب أعلى التقديرات، وتجاوزتها هذه الحرب بكثير، وما زالت الإبادة اليومية مستمرّة.
منحت قوى دولية كبيرة وعلى رأسها أمريكا، شرعية لحرب الإبادة، بذريعة ضمان عدم تكرار ما حدث في السّابع من أكتوبر، إلا أنّ مؤيدي إسرائيل المتحمّسين صاروا يعربون عن ضيقهم وحرَجهم لكثرة القتل في صفوف المدنيين والصحافيين والطواقم الطبية، والنسبة المرتفعة جدا من أعداد الأطفال الذين قُتلوا. مسؤولون من هذه الدّول صاروا يطالبون بوقف لإطلاق النار لأسباب إنسانية، وإطلاق سراح الرهائن، ويتجاهلون تماما وجود أسرى فلسطينيين، ويضيفون إلى مطالبهم ردع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية و»العودة إلى حلّ الدَّولتين»! فما هو حل الدّولتين الذي يطلبه مسؤولون في إدارات أمريكا أو بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها! هل يوجد تصوُّر واضح لهذا الحل! تعبير حلِّ الدولتين فضفاض جدا، ويمكن تفسيره على عشرات الأوجه!
ما دام أنّ كل تفصيل فيه قابل للتّفاوض، ولا يعني التطبيق الحازم لقرارات دولية سابقة أقرّت إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل في المناطق التي احتلت عام 1967! وما دام أن الفيتو الأمريكي جاهزٌ لاستخدامه، حتى لو كان معارضا لمواقف البشريّة كلها. أين هي حدود هاتين الدولتين! أو حدود كلٍّ منهما! وماذا مع القُدس الشرقية عاصمة لفلسطين «عاصمة إسرائيل الأبدية» التي ابتلعت مئات الكيلومترات من مساحة الضفة الغربية. ماذا مع حوالي 150 مستوطنة في الضفة الغربيّة التي بات عدد سكانها حوالي سبعمئة ألف نسمة، يسيطرون على 42% من مساحة الضفة الغربية! وهل سيبقى هؤلاء مواطنين في دولة فلسطين المفترضة؟ أم أنّهم سيعودون إلى داخل الخط الأخضر! أم سيبقون في الضفة الغربية وفي الوقت ذاته يبقون مواطنين إسرائيليين! أم أن الدولة الفلسطينية تعني الحكم الذاتي على 50% من الضفة الغربية وقطاع غزة منزوعة السّلاح!

اللاحل الذي يفرضه الاحتلال لم يُبقِ أمام الفلسطينيين سوى الصُّمود والصّبر والدّفاع عن أنفسهم وعن أرضهم والتشبّث بوطنهم الذي لا وطن لهم سواه، وهذا ثمنُه باهظٌ جدا، ولا مفرٌ

أما الطرح الأخبث، فهو طرح «دولة لليهود وأخرى للعرب»، وذلك لأنَّ العرب واليهود لا يستطيعون العيش مع بعضهم بعضا، لاختلاف الثقافات في ما بينهم، كما كتب مثلا الكاتب الفرنسي رينو جيرار في صحيفة «لوفيغارو» كما جاء في مقال نشر يوم أمس الأربعاء في صحيفة «القدس العربي»، فهل العرب الفلسطينيون في إسرائيل محسوبون على دولة العرب؟ أم على دولة اليهود؟ أم أن اختلافهم الثقافي عن اليهود يعني نقلهم إلى حيث ثقافتهم المشتركة في الضفة الغربية! هل سيجري ترحيلهم «برضاهم» لجمع شملهم الثقافي! أم ستقبل دولة اليهود أن يعيش فيها مليونا عربي فلسطيني مختلفين ثقافيا عن الأكثرية!
هذا السؤال مطروح بقوّة لدى الإسرائيليين، وسوف يُطرح بقوّة أكبر إذا ما طُرح حلُّ الدولتين مستقبلا بصورة جدّية، وليس لمجرّد تنفيسٍ الضّغط وذرِّ الرّماد في العيون عن مشاهد الإبادة والتهجير والتجويع والقهر لملايين الفلسطينيين!
في إسرائيل أصوات قويّة وذات قاعدة شعبية واسعة ومن أحزاب السّلطة الحالية والمعارضة، تعتبر أو ترى أنّ المقصود بدولة يهودية هي دولة لليهود فقط، وبعضهم يرى فيها يهودية ديمقراطية، ولكن بلا حقوق متساوية إلا لمن يقدم الواجبات كاملة، ويُقصد بهذا أن يخلع العرب جلدهم وانتماءهم، وقد خلعه بعضهم بالفعل ولم يتلق سوى الاحتقار. في المجتمع الإسرائيلي أقلّية هامشية جدا تؤيّد إقامة دولة فلسطينية في المناطق المحتلّة عام 1967، بما في ذلك القدس الشّرقية مع إبقاء الفلسطينيين في إسرائيل كمواطنين متساوين في الحقوق، هؤلاء لا وزنَ يُذكر لهم للأسف. هناك طرحٌ للمقايضة السّلمية بين المستوطنين وعرب 48، أي نقل هؤلاء مكان هؤلاء! وطبعا سوف يرفض العرب هذا العرض، لأنّه يعني تهجيرهم من وطنهم، ويعني أيضا مساواة المستوطن ومغتصب الأرض بابن الوطن الأصلي، وهذا يرفضه أيضا أكثر المستوطنين، الذين يرون في استيطانهم في الضّفة الغربية مَهمّة يهودية قومية ودينيّة مُقدّسة.
الفكر الكاهاني، الذي يعني التخلّص من العرب في كل فلسطين يزداد شعبية، ومن مظاهره فتح باب التسلّح لمن يشاء من الإسرائيليين، ويحظى المسلّحون بغطاء ودعم من المسؤولين في حالة «اضطرار» أحدهم لاستعمال هذا السّلاح ضد عربي أدخل يده في جيب سرواله بصورة مفاجئة. الاحتجاجات الحالية من قبل أمريكا وفرنسا وغيرها هي على ممارسات بعض المستوطنين في الضّفة الغربية وليس على الاستيطان في الضفة الغربية بذاته، وما العقوبات المالية التي أعلنتها أمريكا وفرنسا على مستوطنين إرهابيين، سوى تغطية على المواقِف المُخزية والإجرامية، التي تصل إلى الشراكة في مجازر الإبادة في قطاع غزّة. تطبيق حلّ الدولتين كان ممكنا قبل تشتّت قوّة العرب وعقد اتفاقات سلام وتطبيع، وقبل انفراد أمريكا في قيادة العالم، التي تتنافس إداراتها المختلفة على خدمة الاحتلال. انهيار الجبهة العربية في العقود الأربعة الأخيرة لمختلف الأسباب منح اليمين المتطرّف في إسرائيل قوّة بعد قوة، ولم يعد حلّ الدولتين قابلا للتحقيق، فالقوى المتنفذة في إسرائيل لا تقبل بدولة فلسطينية حقيقية، ولا حديث عن القدس، ولا عن انسحاب مستوطنين!
الحل الثاني الذي يطرحه الفلسطينيون غالبا، يدعو إلى دولة ديمقراطية للشّعبين! هي فكرة جميلة بلا شك، ولكنّها في ظل الواقع تشبه الحُلم الجميل البعيد جدا، والذي يبدو في هذه الأيام وموازين القوى أضغاث أحلام! ماذا تبقى إذن؟ إذا كان حلّ الدّولتين قد بات مستحيلا، وحل الدولة الواحدة أكثر صعوبة واستحالة! الخيار المتبقّي من جانب الاحتلال هو اللاّحل، وهذا يعني مواصلة إدارة الصّراع في كل مرحلة، حسب الظُّروف والمعطيات وما يستجد على السّاحة الإسرائيلية والإقليمية والدولية والفلسطينية، وفي الواقع أن إدارة الصراع هي حلٌّ بالنسبة لقيادات إسرائيل التي لا يعجبها أي حلّ، ما دامت تقيم سلاما ثابتا مع دول عربية أساسية، ودول أخرى تسعى إلى التطبيع من غير شروط، ما الحاجة إلى السلام مع الفلسطينيين الذي قد يعني تقديم تنازلات ما دام العرب بهذه الحالة المزرية، وإدارات أمريكا المختلفة تقفُ إلى جانب إسرائيل وتعتبرها جزءا منها ومن أمنها!
اللاحل الذي يفرضه الاحتلال لم يُبقِ أمام الفلسطينيين سوى الصُّمود والصّبر والدّفاع عن أنفسهم وعن أرضهم والتشبّث بوطنهم الذي لا وطن لهم سواه، وهذا ثمنُه باهظٌ جدا، ولا مفرٌ.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سهيل كيوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *