على هامش لقاء غانتس- عباس…السلطة أمام “تقليص الصراع”

التقى وزير الحرب الإسرائيلي “بني غانتس” مع الرئيس محمود عباس في المقاطعة الأحد 29/8/2021(بحسب ما ذكرت وكالة وفا)…وبحسب القناة 12 العبرية فقد تمركز اللقاء (الذي يعد اللقاء الأول العلني بين طرفين سياسيين منذ 11 عام) حول “سبل دعم السلطة وتعزيز قوتها”….والسؤال هنا: ما هو السياق الذي جاء به اللقاء، وهل ستتطور الأمور لنصل إلى عقد جولات لمفاوضات “السلام”؟..

في الخلفية نجد التقرير الصادر عن أحد أهم خزانات التفكير الإسرائيلية (think tanks) وهو معهد دراسات الأمن القومي، والذي صدر عقب الاحتجاجات على اغتيال الشهيد نزار بنات، والذي يشير إلى ضعف السلطة، وضرورة الحيلولة إسرائيلياً دون سقوطها[1]. وتصريح بني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي أمام 60 مندوب للدول الغربية “أن السلطة الفلسطينية وقيادتها هي الهيئة التمثيلية للفلسطينيين في المنطقة، ونحن نعمل على تعزيزها في الضفة”[2].

للإجابة على سؤالنا الرئيسي، يجب العودة إلى المقاربة التي يتبناها رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينت للتعامل مع الملف الفلسطيني. كشف بينيت عن توجهاته بعد توليه رئاسة الحكومة بقوله: “الهدوء الأمني وانشغال الفلسطينيين بالشؤون المدنية سيؤديان إلى تطورات في المجال الاقتصادي، وتقليل الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي، وإلى تقليص الصراع[3]. وقبل بدء زيارته للولايات المتحدة الأميركية صرح:”ستواصل إسرائيل سياسة النمو الطبيعي” في إشارة إلى الاستمرار في الاستيطان، موضحاً بأنّه لن يكون هنالك حل للصراع في المستقبل المنظور مشيراً إلى أنّ “هذه الحكومة ستحقق اختراقات دراماتيكية في الاقتصاد، السعي للشهرة لن يحل صراع عمره 130 سنة، هذه الحكومة لن تضم ولن تشكل دولة فلسطينية، كل ما أفعله الآن هو ايجاد حل وسط، كيف يمكننا التركيز على ما نتفق عليه”[4]….إذا باختصار الحكومة الإسرائيلية ستستمر في الاستيطان، ولن تسمح بإقامة دولة فلسطينية، وستعمل على تقليص الصراع…فما المقصود ب”تقليص الصراع”.

يعود استخدام مصطلح “تقليص الصراع” إلى الكاتب الصهيوني ميخا غودمان في طيات كتابه الصادر بالعبرية سنة 2017 والمعنون: “مصيدة 67″، يجادل غودمان بأنّ معضلة مناطق 1967 (المصيدة) تكمن في المشكلة الديموغرافية وتناقضها مع مفهوم الأمن الصهيوني، فعلى المستوى الديموغرافي تظهر إشكالية تحول العرب إلى أغلبية مما يشكل خطر على دولة إسرائيل والسيادة اليهودية فيها، وبالتالي ممنوع على إسرائيل البقاء بالضفة، وعلى المستوى الأمني ممنوع على إسرائيل الانسحاب منها. “ممنوع على إسرائيل الانسحاب من الضفة لكن المفروض أن تنسحب من هناك”[5]…لذلك يقترح للخروج من المصيدة وكحل وسط “تقليص الصراع”. التقط بينت من غودمان مصطلح “تقليص الصراع”، فقد سبق له التعليق على كتابه “مصيدة 67” في صفحته بالفيسبوك في أيار 2017، بقوله “إنه قد لا يُتفق مع كل ما جاء فيه، الا أنه يعد عملا لامعا ومثيرا للنقاش البناء”[6].

قام غودمان بتطوير أفكاره في كتاب مصيدة 67، وصاغها على شكل ورقة نشرت في مجلة ليبرال العبرية سنة 2019[7]،، تتضمن برنامج لتقليص الصراع مكون من ثماني نقاط، يتلازم مع خمس نقاط لحفظ الأمن، ربط غودمان في مقالته بين كتابه والأفكار التي تبلورت داخل المنظومة العسكرية ومراكز الأبحاث، وفي مقدمتها برنامج “الأمن أولاً” لـ “قادة أمن من أجل إسرائيل” برئاسة أمنون رشيف، علاوة على خطة التهدئة ل”نفتالي بينيت” الصادرة سنة 2012، ومنشورات معهد دراسات الأمن القومي INSS، وبشكل رئيسي ورقة “مخطط استراتيجي للساحة الإسرائيلية الفلسطينية” ، بقلم عاموس يادلين وأودي ديكيل وكيم لافي.

تتوزع خطة الثماني على ثلاثة محاور، في المحور الأول نجد الخطوات الثلاث الأولى التي تسعى نحو تحسين حياة الفلسطينيين (“كل شيء يتدفق” بمعنى حرية الحركة داخل الضفة، توسعة أرض الحكم الذاتي من خلال ضم بعض المناطق الهامشية في المنطقة ج للسلطة، توسيع إمكانية السفر للخارج). وفي المحور الثاني نجد الثلاث خطوات التالية (التوسع في إصدار تصاريح العمل في إسرائيل، تخصيص أراضي للتطوير والمساحات الصناعية، الربط البري والبحري للسلع الفلسطينية) التي تهتم بالتعامل مع الحياة الاقتصادية الفلسطينية. وذلك للوصول إلى الانفصال عن الشعب الفلسطيني سياسيًا بالترافق مع التواصل اقتصاديًا، زيادة مستوى “الحرية” من جهة، والازدهار الاقتصادي من جهة أخرى. أما المحور الثالث فنجده في الخطوتين الأخيرتين (السعي لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الكامل، الاعتراف بفلسطين كدولة وليس بحدودها) اللتان تهدفان إلى الارتقاء بمكانة الحكم الذاتي الفلسطيني وتحسين مكانته ووضعه، مما سيقود إلى تغيير جذري في الكيان الفلسطيني، من كيان مثقوب وممزق وضعيف، إلى فضاء مستقل ومستمر، متصل بالعالم ، مزدهر اقتصاديًا وبه رموز مكانة الدولة. بحيث تقود الخطوات الثماني في المجمل للتحول من عملية “الضم زاحف” في المناطق، إلى “الانفصال الزاحف”، بدون وجود اتفاق أو إخلاء للمستوطنات أو تقسيم للقدس، فهذه الخطوات الثماني لا تؤدي إلى “حل الدولتين” لكنها في الواقع تخلق حالة دولتين. الغرض من هذه الخطوات ليس القضاء على الصراع، ولكن تغيير طبيعة الصراع. تحولها من صراع بين دولة ورعاياها إلى صراع بين دولة وجيرانها، هذه خطة تزيل الخطر الديموغرافي دون زيادة الخطر الأمني[8].

تحتاج إسرائيل (بحسب غودمان) إلى وصول عسكري حر إلى كل مكان في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني. وهذا ما تخلت عنه عند فك ارتباطها مع قطاع غزة، عندما سحبت إسرائيل جيشها، ونتيجة لذلك قامت بتفكيك معظم أجهزة مخابراتها، ومن ثم فإن قدرة الجيش الإسرائيلي على إحباط العمل الفدائي في قطاع غزة في وقت مبكر محدودة للغاية، ويجب عدم تكرار هذا الخطأ في إطار تحركات أحادية الجانب في الضفة الغربية. بناء على ما سبق، قام غودمان بإدراج مبادئ أمنية خمسة  في خطته، من أجل ضمان استمرار الأمن للإسرائيليين، وهي كالتالي: أولاً: سيستمر جهاز الأمن العام (الشاباك) والاستخبارات الإسرائيلية في العمل في جميع أنحاء الضفة الغربية. ثانياً: سيواصل الجيش الإسرائيلي مطاردة الفلسطيني. ثالثاً: سيبقى الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في وادي الأردن. رابعاً: سيبقى المجال الجوي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. خامساً: سيبقى الفضاء الكهرومغناطيسي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة[9].

الخلاصة والاستنتاجات:

يمكننا الاستنتاج بأن الخطة نابعة من استشعار الحاجة إلى تعزيز وضع السلطة الفلسطينية، كسلطة “حكم ذاتي”، حتى لو وصل الأمر إلى الاعتراف بها كمسمى “دولة”، وذلك عبر منحها المزيد من الصلاحيات، والحرص على ازدهار الوضع الاقتصادي، بما يضمن استمرار وجود السلطة بشكلها الحالي، كسلطة بلا سلطة، في جوهرها قائمة على التنسيق الأمني وتابعة اقتصادياً لإسرائيل.

يمكننا الإدعاء بالاستناد على ما سبق، بانّ خطة “تقليص الصرع” في جوهرها عبارة عن إعادة انتاج لسياسة الحكم العسكري في مناطق 1967، والتي خطتها الحكومة الإسرائيلية بقيادة حزب العمل، والمتمحورة حول سياسات: عدم الظهور، وعدم التدخل، وسياسة الجسور المفتوحة. والتي تنتمي في مجملها إلى مفهوم الحكم غير المباشر الاستعماري Indirect Rule.

يمكننا الإدعاء بالاستناد على خطة “تقليص الصراع” ومن قبلها خطة “التهدئة” لبينت، بأن الهدف الأساسي لهذه الخطط المحافظة على الحالة القائمة، بحيث يتم تطوير الوضع الحالي بما يضمن استمراريته، والذي يعتبر وضع مثالي للإسرائيليين: احتلال بلا تكلفة، وسلطة تقوم بعبء إدارة السكان، مع تطوير لخطة الانفصال عن غزة مع أخذ العبر الأمنية.


[1] يوحنان تسورف، السلطة الفلسطينية: تدهور خطير، معهد دراسات الأمن القومي، مجلة نظرة عليا، عدد 1513، 23/12/2021. (بالعبرية) https://bit.ly/3knMvJL

[2] موقع معا، غانتس: نعمل على تقوية السلطة ونريد تهدئة طويلة مع غزة، 25/8/2021. https://bit.ly/3yizhTz

[3] وليد حباس، ماذا يعني بينيت بـ”تقليص الصراع” مع الفلسطينيين وكيف يلتقي هذا المفهوم مع أجندة الصهيونية الدينية؟، مركز مدار، 2/8/2021. https://bit.ly/2XR1tAo

[4] Patrick Kingsley and Isabel Kershner, New Israeli Leader Backs Hard Line on Iran but Softer Tone With U.S., The New York Times, 24\8\2021.  https://nyti.ms/3ydqG4B

[5]ميخا جودمان، مصيدة 67: الخلافات الفكرية التي تقف خلف الانقسام السياسي في إسرائيل، ترجمة الهدهد، دار النشر دافير، 2021، ص: 33.

[6] وليد حباس، مصدر سابق.

[7] ميخا غودمان، ثماني خطوات لتقليص الصراع، مجلة ليبرال، 18/3/2019. (بالعبرية) https://bit.ly/383beNM

[8] المصدر نفسه.

[9] المصدر نفسه.

Author: أشرف بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *