عقلية الجدار اليهودية: الجذور الدينية والتطور التاريخي

نبذة مختصرة: 

لم يكن من المستغرب أن تطلق إسرائيل على عمليتها العسكرية ضد قطاع غزة في أيار / مايو 2021 مصطلح “شُومير هَحُومُوت” أي “حامي الأسوار”، لأن الشخصية اليهودية – الإسرائيلية فعلياً لا تستطيع العيش خارج الأسوار؛ تلك الأسوار التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها الانعزالية وتاريخها الاستعلائي، وبلورة عصرية متجددة لخضوع المجتمع الإسرائيلي لهيمنة عقلية الجدار.النص الكامل: 

لقد أصابت عقلية الجدار إسرائيل بالهوس الأمني، فهي تختزل في داخلها منظومة متنوعة من التحصينات التقليدية والمتطورة التي نتج منها تشييد جدار الفصل العنصري والجدار الأمني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والجدران العازلة على الحدود المصرية والأردنية واللبنانية والسورية. وفي إثر هذا الهوس الجداري، تحوّل المجتمع الإسرائيلي من جديد على أرض فلسطين إلى ما يشبه غيتواً كبيراً بجدرانه الحجرية الكئيبة وبواباته الضخمة، بل بالأحرى تحولت إسرائيل إلى سجن كبير، بما يشي بهيمنة مطلقة لعقلية الجدار وحياة الغيتو على الشخصية اليهودية.

لقد أصبحت إسرائيل داخل أسوارها العالية السجين والسجان في آن واحد؛ فقد سجنت نفسها طوعاً خلف جدرانها المحصنة التي يزعم الإسرائيليون أنها “جدران أمنية”، وهي مسألة لها جذورها الدينية والتاريخية والنفسية والسياسية، والتي اعترف بها العقيد يهودا فاخ قائد اللواء الإسرائيلي 769 المتمركز في منطقة جبل الروس على الحدود اللبنانية في مقالة نشرها في المجلة الإسرائيلية “بِين هَقْطَافِيم” العسكرية في سنة 2020، فيقول: “إن تشييد الجدران والتحصين المتواصل هو في الواقع نوع من الحصار الذاتي الذي له من دون شك آثار بعيدة المدى تتجاوز التأثيرات العسكرية والأمنية، إذ يُعدّ التحصين منذ القدم نقطة ضعف كثيراً ما يتم اللجوء إليها بدافع الخوف.”[1]

تأسيساً على ما تقدم، يمكن طرح السؤال الآتي: هل عقلية الجدار عقدة أمنية مرتبطة بتوجهات سياسية وأحداث تاريخية وممارسات عنصرية عانت جرّاءها الجاليات اليهودية والمجتمع الإسرائيلي، أم إنها عقيدة دينية متجذرة داخل الوعي اليهودي؟

ترتكز هذه الدراسة على محورَين متكاملين، في سبيل التوصل إلى إجابة علمية رصينة لتحليل نشأة عقلية الجدار وأسبابها، ثم التعمق في فهم العناصر المتحكمة في صوغ الشخصية اليهودية من أجل إدراك واعٍ للواقع واستشراف نابهٍ للمستقبل، وهما على النحو التالي:

أولاً: استعراض الجذور الدينية اليهودية التي رسّخت لعقلية الجدار، وخصوصاً في أسفار العهد القديم (التوراة والأنبياء والمكتوبات) ونصوص التلمود (المِشناه والجِمارا)، من منطلق أنها المصدر الأساسي لتشكيل الوعي اليهودي، فهذه النصوص الدينية تساعد في تحديد أسباب هيمنة عقلية الجدار على المجتمعات اليهودية، ثم في وضع توصيف دقيق لهذا النهم بالجدران الحصينة.

ثانياً: التطرق إلى أبرز محطات التطور التاريخي للأسوار اليهودية مع مراعاة التنوع الجغرافي للنماذج المستقاة، وذلك بهدف معرفة ما إذا كانت هذه الظاهرة تقتصر على فترة زمنية معينة في إطار جغرافي محدد، أم إنها ظاهرة مستمرة عبر الزمان والمكان، وتختلف فقط في أشكال التعبير عنها. 

أولاً: الجذور الدينية لعقلية الجدار

يتطلب إدراك الأبعاد الحقيقية لعقلية الجدار الرجوع إلى التشريعات اليهودية التي وضعت أسس العزلة ورسّختها في وعي اليهود عبر التاريخ. ويمكن رصد مظاهر تلك العزلة في القوانين الدينية المتعلقة بطقوس الزواج والطهارة والختان والدفن وشروط الطعام الموافق للشريعة اليهودية “الكاشير” وطقوس الأعياد والاحتفالات الدينية وغيرها من الأوامر والنواهي اليهودية.

وتنهض الانعزالية اليهودية على فكرة اختيار الرب لبني إسرائيل، فاليهود يُعدّون “أنفسهم عنصراً مميزاً، وشعباً مختاراً”،[2] وجاء ذلك في العهد الذي “قطعه الرب مع إبراهيم، ثم مع موسى على جبل سيناء، وبموجب هذا العهد يصبح يهوه إله إسرائيل، ويصبح إسرائيل شعب الرب”،[3] ثم راحت التوراة تؤكد فكرة الاختيار في عدة مواقع أُخرى، فتقول: “لأَنك أَنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض” (سفر التثنية: الإصحاح 7، الآية 6). ويتكرر عهد الاختيار لبني إسرائيل في مواضع أُخرى كما في: سفر التثنية: الإصحاح 8، الآيتان 19 و20؛ سفر الخروج: الإصحاح 19، الآيتان 5 و6؛ سفر التثنية: الإصحاج 11، الآيتان 26 و28؛ وغيرها كثير.

إن أكثر مصدر “غذّى في اليهود أنهم شعب الله المختار هو التلمود الذي نفث في اليهود (الاحتقار التام للشعوب التي تؤمن بديانات أُخرى)“،[4] فقد ورد في “المِشناه”: “بنو إسرائيل أحباء الرب لأنهم يُدعَون أبناءه [….] والله نفسه قد سماهم بهذا الاسم في قوله في التوراة: أنتم أولاد الرب إلهكم.”[5] ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من التشريعات اليهودية لم يعد مستمداً من التوراة مباشرة، وإنما من أحكام التلمود الذي “يتضمن تفاسير وعادات وطقوساً يهودية وشرائع وقوانين لا حصر لها تشمل كل وجهات الحياة اليومية. إذ إنه بمثابة سياج من القوانين وضعها الحاخامات حول التوراة، ومن ثم اعتُبرت الشريعة الشفوية المدونة في التلمود على قدم المساواة في الأهمية مع الشريعة المدونة في التوراة.”[6]

ونما في ظل فكرة الاختيار كثير من الطقوس وفتاوى الحاخامات التي غذّت معاني الاختيار وحوّلته من “حمل رسالة التوحيد” إلى “عنصرية تقوم على نقاء العرق وتفرّد العقيدة”، ثم تشكّل حول مفهوم الاختيار “بناء خرافي من العقائد العنصرية الانعزالية الخطيرة”،[7] إذ أصبح الختان “علامة من علامات حلف الدم بين الرب وبني إسرائيل، ومن ثم تعهّد الرب بأن يرعاهم، عندما قال الرب لإبراهيم: (هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك: يُختن منكم كل ذكر [….] فيكون علامة عهد بيني وبينكم [….] فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً)” (سفر التكوين: الإصحاح 17، الآيتان 10 و11).[8] وبات الختان في اليهودية “بداية انتماء إلى شعب يتميز عن سائر الشعوب. ومَن لم يُختن لا يُحسب من شعب الله، فيُمنع من الاشتراك في أكل الفصح ويُحرم من الحياة مع الجماعة، ويخسر جميع حقوقه الدينية والمادية والاجتماعية.”[9]

من هذا المنطلق الانتقائي حرّمت أسفار التوراة صراحة زواج اليهود من أبناء الشعوب الأُخرى، مثلما يرد في سفر الخروج: الإصحاح 34، الآية 15 – 16، وسفر التثنية: الإصحاح 7، الآية 4. وكان الهدف من هذا التحريم في البداية هو عدم خروج اليهود من عبادة الإله الواحد والتأثر بالعبادات الوثنية، لكن بمرور الوقت أخذ هذا التحريم بعداً انتقائياً “عنصرياً”[10] ناتجاً من إيمان اليهود العميق بفكرة الاختيار الإلهي. وهكذا فقد “منع النبي عزرا منذ القرن الرابع قبل الميلاد الزواج المختلط بين اليهود وبقية البشر، أي كان على اليهود، (الجنس المقدس)، أن يكونوا في معزل عن بني البشر.”[11] وقد أسهب التلمود في وضع القوانين التي تحرّم هذا الزواج المختلط،[12] وتلخّص نصوص التلمود والمدراش[13] عقدة الاستعلاء اليهودي هذا بقولها: “كما أن العالم لا يمكن أن يعيش بلا هواء، فإنه لا يمكن أن يعيش بدون إسرائيل (التلمود البابلي، عبادة الأوثان: 10 / ب، تعنيت: 3 / ب، مدراش يلقوت: زكريا 969).”[14]

من الطبيعي أن تؤثر تشريعات العزلة اليهودية وقوانينها سلباً في اليهود، وتطبّعهم بصفات مقيتة، مثل: الحقد، والكراهية، والانطوائية، والتشاؤم، والكآبة، والتشكك، والعدوانية، واللامبالاة، وغيرها من الصفات السلبية التي أثّرت في تعاملات اليهود مع الآخرين واحتفظت بها طقوس احتفالاتهم الدينية، مثل: “طقوس عيد الفصح التي تحولت إلى مجالس للدعاء على الأمم الأُخرى، ويوم التاسع من شهر آب [أغسطس] اليهودي الذي هو أيضاً فرصة لإيقاد نار الكراهية للبشر جميعاً، وصبّ اللعنات عليهم”،[15] حتى باتت هذه الأمراض “وغيرها من أعراض العزلة والتقوقع سوراً حصيناً يحيط باليهود”،[16] وأصبحت تشريعات حاخاماتهم وقوانينهم الاستعلائية تعزلهم في داخلها حتى قبل أن تظهر حصون خيبر وأسوار الغيتو والجدران العازلة. وأصبح الجدار في ظل عقيدة العزلة مفهوماً معنوياً راسخاً في أعماق الوعي اليهودي، وأيديولوجيا حياتية لا يمكن التخلص منها، لأنها نابعة من إيمانهم العميق بفكرة الاختيار، وأضحت تشكيلات الجدار اليهودي على مر التاريخ تجسيداً واقعياً لطابع اليهود الانعزالي، وتطبيقاً مادياً لتشريعاتهم التي سنّها الحاخامات.

ولم تكتفِ النصوص الدينية في اليهودية بتسييج حياة اليهود بتشريعات انعزالية، بل إن أسفار العهد القديم سجلت بكل وضوح احتفاء اليهود ببناء الجدران والأبراج العالية، وتشييد التحصينات المتنوعة منذ فجر التاريخ الإنساني. ويمكن تلخيص أهم الأهداف من وراء بناء الحصون والأسوار المنيعة بما يلي:

1 – الدفاع والتحصين: يذكر العهد القديم أن تحصين المدن ضد هجمات الأعداء الخارجية كان السبب الأثير في اهتمام الحكام بتشييد الأسوار وإقامة التحصينات، وهو أمر مشروع تستدعيه الضرورة العسكرية والحاجات الأمنية، ومن ذلك على سبيل المثال ما قام به ملك يهوذا، يحزقياهو (715 – 697 ق. م.) من تحصين مدينة أورشليم (القدس) لمواجهة الملك الآشوري سنحاريب (705 – 681 ق. م.): “وتَشدَّد وبنى كل السور المنهدم وأعلاه إلى الأبراج، سوراً آخر في الخارج، وحصّن القلعة، مدينة داود، وعمل سلاحا ًبكثرة وأتراساً” (سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 32، الآية 5).

2 – تعضيد المُلك: أشارت أسفار العهد القديم إلى حرص ملوك بني إسرائيل على تحصين مدنهم في وقت السلم أيضاً، تدعيماً لحكمهم وتقوية لسلطانهم. فقد بدأ سليمان بن داود (961 – 922 ق. م.) عهده بتحصين مدينة أورشليم القدس،[17] فـ “أكمل بناء قصره وهيكل الرب وسور أورشليم المحيط بها” (سفر الملوك الأول: الإصحاح 3، الآية 1). ويتمثل هذا أيضاً في أعمال ملك يهوذا: آسا بن أبيَّا (914 – 874 ق. م.) خلال فترات السلام والهدوء: “وقال آسا الملك لشعب يهوذا: لنبنِ هذه المدن ونحصّنها بأسوار وأبراج وأبواب ومغاليق ما دامت الأرض لنا، لأننا عبدنا الرب إلهنا فأراحنا من كل جهة. فبنوا ونجحوا” (سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 14، الآية 7). وهو عين ما قام به ملك إسرائيل في الشمال، عمري (886 – 875 ق. م.)، في الفترة ذاتها، إذ أقام مدينة السامرة لتكون عاصمة لمملكته، “وا‏شترى جبل السامرة من شامر بربعِ قنطار من الفضّة، وعليه بنى مدينة سمّاها با‏سم شامر صاحبِ الجبل” (سفر الملوك الأول: الإصحاح 16، الآية 24). وقد حرص الملك عمري على بناء مدينة السامرة “على طريقة سليمان عند بنائه لأورشليم القدس، وهذا يعني بناء معبد وقصر وحيّ ملكي، بالإضافة إلى سور للمدينة تتخلله بوابات وأبراج [….] كما أن اسم السامرة يعني برج الحراسة”،[18] نظراً إلى طبيعة موقعها الجغرافي ومنعتها. وقد حصّن عمري الموقع الجديد لمدينته في مرحلة لاحقة “بسور منيع، خاصة من الناحيتين الشمالية والغربية، وبلغ سُمكه مئة وستين سنتيمتراً، وكان ارتفاعه يتراوح بين مترين وأربعة أمتار.”[19]

ويُذكر أن نصوص التوراة استعملت صيغة الجمع “حُومُوت” بمعنى “أسوار”، في إشارة واضحة إلى تعدد الأسوار حول أورشليم القدس، مثلما ورد في سفر إرميا: الإصحاح 52، الآية 7، وفي سفر الملوك الثاني: الإصحاح 25، والآية 4.

3 – توسيع المملكة: يتمثل هذا في مجهودات سليمان بن داود الرامية إلى توسيع رقعة مملكته وتحصين مدنها، وذلك بحسب ما ورد في نصوص العهد القديم: “وبنى بيت حورون العليا وبيت حورون السفلى، مدناً حصينةً بأسوار وأبواب ومغاليق” (سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 8، الآية 5). ومن ذلك أيضاً ما قام به ملك يهوذا عُزِّيّاهو بن أَمَصْياهو (769 – 741 ق. م.): “وبنى عُزِّيـّاهو أبراجاً في أورشليم عند باب الزاوية وعند باب الوادي وعند الزاوية وحَصَّنَها [….] وبنى أبراجاً في البرية” (سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 26، الآيتان 9 و10).

4 – التوبة والتقرب إلى الرب: نظرت التوراة إلى بناء الأسوار وتحصين المدن على أنها فريضة دينية تُقرّب الحاكم من الرب. فقد ورد في خطاب الرب إلى داود (1000 – 961 ق. م.): “أَحْسِنْ برضاك إلى صهيون، وا‏بنِ أسوار أورشليم” (سفر المزامير: المزمور 51، الآية 20). ويتكرر هذا الدافع مع ملك يهوذا، مِنَسَّى بن حزقياهو (697 – 642 ق. م.)، الذي حصّن مدينة أورشليم القدس ضد الآشوريين، تقرباً إلى الرب، وتكفيراً عن آثامه عندما ابتعد عن طريق الاستقامة: “وبعد هذا، أعاد مِنَسَّى بناء السور الخارجي لمدينة داود [….] ورفعه جداً، وعيّن قادة حرب في جميع مدن يهوذا المحصّنة” (سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 33، الآية 14).

5 – مركزية الجدار: تعكس نصوص التوراة في عدة مواقع مدى أهمية الأسوار والأبراج مادياً ومعنوياً بالنسبة إلى اليهود، فالرب استعملها من ناحية رمزاً للخلاص والأمان: “في ذلك اليوم يُنشَد هذا النشيد في أرض يهوذا: لنا مدينة منيعة حصّنها الرب لخلاصنا بأسوار ومتاريس” (سفر إشعياء: الإصحاح 26، الآية 1)، كما استعملها من ناحية أُخرى، وسيلة قاسية عاقب بها بني إسرائيل بسبب آثامهم: “وتحاصركم في جميع مدنكم حتى تسقط أسواركم الشامخة الحصينة التي أنتم تعتمدون عليها في جميع أرضكم التي يعطيكم الرب إلهكم” (سفر التثنية: الإصحاح 28، الآية 52).

وفطن أعداء بني إسرائيل إلى مركزية الجدار في حياة اليهود، ومن هذا المنطلق، حرص البابليون على معاقبتهم بهدم أسوارهم: “وأحرق البابليون قصر الملك وبيوت الشعب بالنار وهدموا أسوار أورشليم” (سفر إرميا: الإصحاح 39، الآية 8). وتتأكد هذه الواقعة في سفر الملوك الثاني: “في اليوم السابع من الشهر الخامس في السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذنصر ملك بابل، جاء نبوزرادان قائد حرسه وكبـير حاشيته إلى أورشليمَ [….] وهدم جنوده كل أسوارها” (سفر الملوك الثاني: الإصحاح 25، الآيتان 8 و10)، وَتَرِد هذه الحادثة أيضاً في سفر إرميا: الإصحاح 52، الآيتان 12 و14. ولهذا العقاب البابلي طابع عسكري يرمي إلى تقويض البنية التحتية لبني إسرائيل وتدمير وسائلهم الدفاعية، وطابع معنوي رمزي يتمثل في أن هدم الأسوار أصبح وسيلة عقابية ناجعة للتنكيل باليهود، بسبب رمزية الجدار بالنسبة إليهم، وعلاقتهم الوطيدة به عبر التاريخ.

من الطبيعي أمام ما تحمله الأسوار من رمزية بالنسبة إلى العقلية اليهودية أن يهتم اليهود كثيراً بترميم الأسوار وصيانتها على مر العصور، ومن الأمثلة أن النبي نَحَمْيا بن حَكَلْيا، وفور عودته من بابل في سنة 444 ق. م.، أعاد بناء سور أورشليم القدس المتهدم جرّاء السبي البابلي 586 ق. م.: “إني بنيت السور وما بقيَت فيه فجوة [….] وتم بناء السور في الخامس والعشرين من أيلول [سبتمبر] في ا‏ثنين وخمسين يوماً” (سفر نَحَمْيا: الإصحاح 6، الآيتان 1 و15). وقد استمر اهتمام “الحكام ببناء أسوار أورشليم وترميمها حتى أيام هيرودوس الأول ملك اليهود؛ إذ إنه عندما تولى حكم أورشليم من عام 36 حتى عام 4 ق. م. قام بترميم أسوار المدينة وتقويتها.”[20]

وتبيّن التوراة أنها أعلت صراحة من أهمية بناء الأسوار والتحصن في داخلها بصفتها وسيلة لتوفير الحماية والأمان، ونقطة انطلاق لفرض الهيمنة على الأرض وتوسيع رقعة المملكة، وأنها شجعت اليهود على ضرورة العناية بتشيـيـدها مهما تكلّفهم من مشقة، مثلما جاء في سفر نَحَمْيا: “وقال رجال يهوذا (ضعفت قوّة الحمّالين، والتراب كثير، ونحن لا نقدر أن نبني السور) [….] فرجعنا كلنا إلى عملنا في بناء السور” (سفر نَحَمْيا: الإصحاح 4، الآيتان 4 و9).

ومع الإقرار بأن طبيعة المرحلة اقتضت تحصين المدن وبناء الأسوار، وهي ظاهرة عامة انتشرت بين الأمم القديمة وارتبطت بعوامل الاستقرار وبسط السيادة وتوفير الأمن، فإنه يتبيّن من متابعة دراسة الحالة اليهودية أن اليهود ظلوا خاضعين لتأثير عقلية الجدار، ومرتبطين بها عضوياً، بينما شرعت المجتمعات الأُخرى في المقابل، تتخلص من هذا النمط العتيق شيئاً فشيئاً. ولتفادي أي تمرد على عقلية الجدار، أضفت نصوص العهد القديم عليها قداسة ورمزية خاصة عندما استعملتها قرباناً لتكفير الذنوب، وبرهاناً على التوبة والرغبة الصادقة في نيل رضا الرب وعونه. وهكذا ترسخت داخل الوعي اليهودي فكرة الجدار بشقَّيها المادي والمعنوي، وبقيت الجماعات اليهودية أسيرة عقلية الجدار ومحصورة بين زواياها الضيقة الكئيبة.

إذا كان البعد المادي للجدار يتجسد في التكوينات المعمارية والتحصينات العالية، فإن بُعده المعنوي، ورمزيته المرتبطة بمفهوم الاختيار الإلهي والنقاء العرقي، ظلا حاضرَين وبقوة في الوعي، واستغلهما منظّرو الفكرة الصهيونية التي هي في أساسها فكرة سياسية علمانية، في الترويج لأيديولوجيتهم ومشروعهم الاستعماري في أوساط الجاليات اليهودية، وخصوصاً عندما تعرضت أسوار الغيتو اليهودي في أوروبا للتصدع والانهيار أمام التغيرات الفكرية والاجتماعية بتأثير من حركة التنوير العبرية “الهسكالاه” منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلاديين، حين أصبحت الجاليات اليهودية أكثر عرضة لخطر التفتّت والذوبان في المجتمعات الأوروبية.

وربما يفسر هذا الأمر رؤية شاعر الصهيونية الأبرز حاييم نحمان بيالك (1873 – 1934) إلى اليهودية التي اعتبرها جدار اليهود الآمن وحصنهم الروحاني الحصين. فعندما اجتاحت العواصف الفكرية اليهود، وأخذتهم الأطماع المادية، “تمسّك بيالك متحصناً بيهوديته الدينية التوراتية ومخلصاً لنظامها الديني”،[21] واصفاً إياها في قصيدته “هَـمَتْمِيد” (المثابر)[22] التي نشرها في سنة 1898، بأنها “كِير هَـبَرْزِيل” (الجدار الحديدي) الذي يحتمي خلفه اليهود، كي لا ينصهروا وينسلخوا عن جذورهم اليهودية.

كذلك نظّر بيالك بأن انتصار الشخصية اليهودية لحياة الانغلاق، هو الرافد الرئيسي المغذي لعقلية الجدار اليهودية في أي صراع قد ينشب بين فكرة الاندماج مع الآخر وفكرة الالتزام بالتقاليد اليهودية، وذلك من خلال قصته الشهيرة “أَحُورِي هَجَادِير” (من وراء الجدار)، التي نشرها في سنة 1909، تعقيباً على قصة “هَتَالُوش” (المغترب)، الصادرة في سنة 1904، للكاتب اليهودي يتسحاق دوف بِيركُوفِيتس (1885 – 1967).[23]

هكذا لم يختفِ البعدان المادي والمعنوي عن عقلية الجدار اليهودية على مر العصور، وإنما ظلا متلازمين، يتقدم أحدهما على الآخر في تبادلية مستمرة وصيرورة دائمة ترتبط بطبيعة اليهود الانعزالية في المقام الأول، ثم بالأحداث التاريخية، حتى إذا لم يجد اليهود الجدران المادية التي يعيشون خلفها، فإنهم شرعوا يبحثون عن أي مفهوم أو فكرة لتكون جدارهم الحصين الذي يتمترسون خلفه من الآخَر. 

ثانياً: التطور التاريخي لعقلية الجدار

مرّت عقلية الجدار، بعد الحقب التوراتية، بعدة محطات تاريخية أضفت كل مرحلة منها طابعاً خاصاً أضيف إلى ما هو مخزون داخل الوعي. وكان القاسم المشترك بين الجماعات اليهودية هو الافتـتـان ببناء الأسوار حول تجمعاتهم السكانية، وكان الجدار الحصين والبرج المرتفع والبوابات ذات المغاليق الضخمة من الطُّرُز المعمارية المميزة لليهود. وقد ظهر هذا على سبيل المثال في قلاع يثرب (المدينة المنورة) وحصون خيبر في شبه الجزيرة العربية، وفي الغيتو اليهودي في أوروبا، وفي مستعمرات الهجرات الصهيونية على أرض فلسطين، وهي ثلاثة نماذج تنتمي إلى فترات تاريخية متعددة وأماكن جغرافية متنوعة. وربما يساعد هذا التنوع على رصد تطور عقلية الجدار وبيان خصائصها الأساسية.

1 – حصون خيبر وقلاع يثرب: أخذت عقلية الجدار اليهودية تكتسي بعد الشتات الروماني في القرن الثاني الميلادي، طابعاً أكثر انعزالية عن المجتمعات التي عاش اليهود بين ظهرانيها، وهو ما ظهر في شبه الجزيرة العربية في حصون القبائل اليهودية في خيبر ويثرب. وهذا يرجع إلى خصوصية العقيدة وقيود التشريعات اليهودية، وشعور اليهود هناك بتميزهم، أكان هذا التميز من ناحية العقيدة، أم من ناحية شعورهم بالتفوق الاقتصادي، لامتلاكهم المال وسيطرتهم على صناعة السلاح.

من أبرز الحصون اليهودية في خيبر التي تقع شمالي يثرب بنحو 165 كيلومتراً: “حصن ناعم، والقَموص، وحصن أبي الحقيق وحصن الشق، وحصن السُّلالِم وحصن الوَطِيح”،[24] وهناك أيضاً “حصن الصعب، وقلعة الزبير، ودار بني قمة، وحصن أُبَيّ، وقلعة سمران، وحصن النزار، وحصن وَجْدة، وحصن المرطة، وحصن الظهار، وحصن القصار.”[25] وقد ذكر المستشرق والمؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون (1899 – 1980) حصناً آخر في “منطقة تيماء بالقرب من يثرب، وهو حصن الأبلق للشاعر السموأل بن عادياء.”[26] وهذه الحصون في جملتها هي حصون منيعة شامخة شهد العرب ويهود الجزيرة العربية بقوتها وشدة تحصينها واستحالة غزوها.[27]

وتجدر الإشارة إلى أن يهود خيبر – على غرار غيرهم من اليهود – اهتموا للغاية بتعزيز منعة حصونهم، إذ أقاموا على سبيل المثال حول “حصن ناعم ثلاثة جُدر، وزرعوا غابة من النخيل على مقربة من أسواره وأبراجه، ووضعوا عند أسواره أكواماً من الحجارة.”[28]

فضلاً عمّا سبق، كان هناك حصون وآطام[29] لليهود في مدينة يثرب، بلغ عددها نحو “تسعة وخمسين آطماً”،[30] فقد كان لكل قبيلة يهودية حصون منيعة اشتهرت بها، “فمن آطام بني قينقاع: آطم قرع؛ ومن أشهر آطام بني النضير: حصن كعب بن الأشرف [….] وحصن ناضحة، وحصن عمر بن جحاش، وحصن البديلة، وحصن براج ومنور؛ ومن حصون بني قريظة: حصن الزبير بن باطا القرضي، وحصن بلجّان، وحصن كعب بن الأشرف، ويسمى حصن (بلجّان)، وكذلك حصن الملحة، والمعرض [….]؛ ومن أشهر حصون القبائل اليهودية الأُخرى: آطم صوار، والريان، والعائدان لبني ثعلبة. وهناك حصن الشفجان شمالي شرق المدينة.”[31]

كانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، “فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء. وقد كانت الآطام تُستعمل مخازن تُجمع فيها الغلال والثمار [….] وكان الآطم مرجعاً لكنز الأموال والسلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق.”[32]

هكذا كانت حصون اليهود في يثرب والمناطق المحيطة بها نموذجاً لاهتمام الجماعات اليهودية ببناء الجدران والولع بتشييد الحصون، على الرغم من عدم وجود أي تهديدات خارجية تتربص باليهود وتعرّض كيانهم للخطر، حتى إن القبائل العربية في جزيرة العرب لم تمثل لهم أي تهديد، ولم تفرض عليهم أي قيود، وهو أمر يدل على الميول الانعزالية الاختيارية، والخضوع لهيمنة عقلية الجدار لدى الشخصية اليهودية.

ويتقاطع هذا السلوك الانعزالي الاختياري مع موقف يوسف بن يعقوب بعد أن أحضر إخوته إلى مصر، إذ كان في إمكانهم “أن يتعايشوا مع المصريين لو شاءوا. فقد (قالَ فِرعَونُ ليوسُفَ أبوكَ وإخوتُكَ جاؤوا إليكَ، فهذِهِ أرضُ مِصْرَ بَينَ يَدَيكَ، أنزِلْهُم بأجودِها [سفر التكوين: الإصحاح 47، الآيتان 5 – 6])، ولكنهم اتفقوا من قبل على أن يسكنوا في أرض جاسان [سفر التكوين: الإصحاح 46، الآيتان 33 – 34] [….] منعزلين، باختيارهم، عن الناس أجمعين.”[33] وعلى هذا النحو تؤكد الأحداث التاريخية التي مرت بها الجماعات اليهودية تفضيلهم حياة التقوقع والانعزال خلف الأسوار والآطام طواعية. 

2 – الغيتو اليهودي في أوروبا: اتخذ الوجود اليهودي داخل المجتمعات في العصور الوسطى والحديثة أشكالاً متعددة، مثل: “حارة اليهود” في مصر، و”قاعة اليهود” أو “المسبتة” (نسبة إلى يوم السبت) في اليمن، و”الملاح” في المغرب،[34] بينما اتخذت مناطق الانعزال اليهودي في أوروبا تسميات كثيرة. ففي شرق أوروبا عُرفت أماكن انعزال اليهود باسم “تِحُوم هَمُوشَاف” أي منطقة الاستيطان، أو “الشِّتِتِل” أي البلدة اليهودية، وفي غرب أوروبا عُرفت باسم “الغيتو”. ويُعدّ الغيتو “أشهر الأشكال الانعزالية اليهودية في العالم، بحيث أصبح يُطلق على سبيل التعميم على كل شكل من أشكال الحياة اليهودية الانعزالية وسط الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها.”[35] وقد اصطُلح على أن تسمية الغيتو لا تعبّر عن الغيتوهات الإجبارية فقط، بل عن مجتمع اليهود الانعزالي والاختياري أيضاً.[36]

يحلل ناحوم غولدمان (1895 – 1982)، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية من سنة 1956 حتى سنة 1968، ظاهرة العزلة اليهودية داخل الغيتو بقوله: “إن الغيتو يُعتبر اكتشافاً يهودياً من الناحية التاريخية!.. ومن الخطأ القول بأن الغوييم [أي (الأغراب) غير اليهود] قد أرغموا اليهود على الانفصال عن بقية المجتمع. هناك فرق بين أن يختار المرء بحريته جيرانه، أو أن يكون مرغماً على السكن في مكان معين.. إن الغيتو، لم يكن مجرد مجموعة من المنازل والمؤسسات اليهودية المحاطة بسور، سواء كان هذا السور مبنياً أم سوراً نفسياً، لم يكن سجناً جماعياً لليهود فرضه الآخرون عليهم، وإنما كان سوراً دفاعياً داخلياً، حقيقياً ورمزياً في آنٍ واحد، شكّل حصناً شيّده اليهود لأنفسهم.”[37]

لمست تصريحات ناحوم غولدمان جوهر حقيقة الانعزال اليهودي خلف أسوار الغيتو، مؤكدة الطابع الاختياري لهذا الانعزال، ولافتة الأنظار إلى أن أسوار الغيتو نفسية قبل أن تكون أسواراً مادية. ويتفق كثير من المصادر المعنية بالمشكلة اليهودية مع ما ذهب إليه ناحوم غولدمان من تغليب الطابع الاختياري للانعزال اليهودي في الغيتو، تلبية لشعورهم بتميزهم الديني، واعتقادهم بنقائهم العرقي، وتطبيقاً للطقوس اليهودية، وانصياعاً لفتاوى الحاخامات التي تفرض عليهم كثيراً من القيود عند التعامل مع الآخر.

لكن مصادر أُخرى ترى أن الانعزال اليهودي خلف أسوار الغيتو العالية جاء نتيجة مباشرة لضغوط قهرية فرضتها عليهم المجتمعات الأوروبية آنذاك، وهو التفسير الذي تبنّاه الأديب اليهودي الإنجليزي يسرائيل زانجفيل (1864 – 1926)، معتبراً أن “مسيحيي أوروبا أرغموا اليهود على البقاء خلف بوابات تُغلق في الليل وخلال أوقات معينة من السنة.”[38] وزانجفيل على قناعة تامة بأن الغيتو لم “ينشأ من أجل إذلال اليهود فقط، بل لحماية المسيحيين منهم أيضاً… لأنه كان يُعتقد آنذاك أن اعتناق اليهودية جريمة مخالفة للقانون، وكان حُكم مَن يثبت عليه التهود هو الحرق”،[39] مشيراً إلى أن “(عصور الظلام) اليهودية في الغيتو، تبدأ من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر.”[40]

لحل هذه المعضلة المتداخلة يمكن القول إن الدفع باليهود داخل أسوار الغيتو لقي لدى اليهود استحساناً وقبولاً في بداية الأمر، لأنه وفر لهم الخصوصية التي مكّنتهم من الحفاظ على دينهم وممارسة شعائرهم وطقوسهم اليهودية، وتَوافق مع طبيعتهم الانعزالية الاستعلائية، وضَمِن لرجال الدين اليهودي استمرار سيطرتهم على أفراد الجالية اليهودية. لكن بمرور الزمن تبدلت الأوضاع وتحولت الإقامة الاختيارية إلى إقامة جبرية، فتجسدت معاناة اليهود داخل أسوار الغيتو، وتفاقمت المشكلة اليهودية.

يصف الأديب الصهيوني يوسف حاييم برينر (1881 – 1921) النزعة الاستعلائية لدى يهود الغيتو بقوله: “يُجمع كتّاب تاريخنا على أن أجدادنا يهود الغيتو القديم كانوا يحسون بنوع من الكبرياء والسمو بالنسبة (للغوى) [من غويم، أي تجاه الآخر] حتى عندما كانوا يقبّلون يدَيه ويركعون أمامه.”[41] وقد تحول استعلاء اليهود العنصري المشحون بالكراهية إلى اضطهاد من طرف الشعوب التي يعيش بينها اليهود، فالاستعلاء العنصري اليهودي ظل يجذب الكراهية، والكراهية تولد الحقد، والحقد يُغري بالاضطهاد، وإذا باليهود يدورون، والعالم في إثرهم، في حلقة جهنمية مفرغة من الاستعلاء والحقد والاضطهاد.

وربما يفسر هذا التحول ظهور الشخصية اليهودية الغيتوية المكروهة في الآداب العالمية مثل شخصية شايلوك التاجر اليهودي المرابي في مسرحية “تاجر البندقية” (1596) أحد أشهر أعمال الكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير (1564 – 1616). وقد عبّرت أعمال أدبية كثيرة عن “كراهية شديدة تجاه اليهود، مثل (حكايات كانتربري) (1387) للشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر (1340 – 1400). وقدمت الدراما الإنجليزية إنتاجاً مسرحياً غزيراً ينضح بكراهية شديدة تجاه اليهود ويسخر منهم بشكل لاذع، على غرار مسرحية (كل رجل حسب مزاجه) (1595) للكاتب المسرحي بن جونسون (1574 – 1637)، ومسرحية (المومس الشريفة) (1604) للكاتب المسرحي توماس ديكر (1570 – 1637)، ومسرحية (تسلية جاك درم) (1601) للكاتب جون مارستون (1575 – 1634)، وغيرهم الكثير.”[42]

وقد التصق التقوقع اليهودي داخل أسوار الغيتو الأوروبي، وما نجم عنه من صفات، بالشخصية اليهودية الغيتوية، وذلك بالتضافر مع ممارسات المجتمعات الأوروبية العنصرية تجاه الجماعات اليهودية، وساهما معاً، وبشكل كبير، في ترسيخ عزلة الشخصية اليهودية واتساع الهوة بينها وبين الآخر، وفشلها “في التعايش الحر المنفتح المتسامح العادل مع الآخر”، وخضوعها لـ “عقلية الشك والخوف والعداء.”[43]

هكذا أضحى الغيتو الحصن الآمن الذي فضّل اليهود العيش في داخله، كي يحافظوا على هويتهم ومعتقداتهم ويحموها من الذوبان، ويدفعوا عن أنفسهم الخوف والاضطهاد الطبقي والتمييز الإثني، والتي أصبحت مسوغات اعتيادية من أجل تفسير ارتفاع أسوار الغيتو المادية والمعنوية. وتأزمت في ظل هذه الأوضاع حالة الشخصية اليهودية الغيتوية الرافضة للاندماج والراغبة في التقوقع والعزلة، فمع مرور الزمن تفاقمت أمراض الغيتو النفسية والاجتماعية بشدة، مثل: القلق والاضطراب والاكتئاب والخوف، الأمر الذي انعكس في كتابات الحركة الصهيونية والأدبيات العبرية رفضاً للشخصية اليهودية الغيتوية وكل ما له علاقة بحياة الغيتو، تلك الحياة التي أصبحت رمزاً للخنوع والضعف.

غير أن الأمر المثير للدهشة أنه بعد مرور ما يقارب 150 عاماً على نداء الشاعر اليهودي يهودا ليف جوردون (1830 – 1892) “كن يهودياً في بيتك وإنساناً خارجه”، والذي ضمّنه في قصيدته الشهيرة “أَقِيتْسَاه عَمِّي” (انهض يا شعبي) في سنة 1863، واتخذته حركة التنوير العبرية “الهسكالاه” شعاراً لها في القرن التاسع عشر الميلادي، من أجل حضّ اليهود على ضرورة الاندماج في المجتمعات التي يعيشون بينها والانفتاح على الآخر بدلاً من الانعزال والتقوقع، نجد أن الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين يشتاق مرة أُخرى إلى حياة العزلة والتقوقع خلف الأسوار، على الرغم من تجربة اليهود المريرة مع الغيتو، إذ راحت إسرائيل ترفع الجدران العازلة داخل القدس والضفة الغربية وحول قطاع غزة وعلى الحدود المصرية والأردنية واللبنانية والسورية، وتسلّح الأبراج وتشيّد التحصينات وتقيم السواتر الترابية والخنادق وتنشر المكعبات الأسمنتية والكتل الخرسانية وتضع الحواجز الأمنية الثابتة والمتحركة والموسمية وتمدّ الأسلاك الشائكة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتعزل المجتمع الإسرائيلي عن العالم. والمفارقة الغريبة أنها عزلة مزدوجة، مثلما ذكرنا سابقاً، فقد سجنوا عنوة على الطرف الآخر من أسوارهم المنيعة، الشعب الفلسطيني بعد أن سلبوا الأرض بما ومَن عليها.

3 – مستعمرات “سور وبرج”: تُعدّ مستعمرات الهجرات الصهيونية[44] على أرض فلسطين نموذجاً تطبيقياً حديثاً للطابع الاستعماري لعقلية الجدار اليهودية، ومن ذلك مستعمرات مشروع “حُوماه أُومِغْدَال” (سور وبرج)، وهو المصطلح الذي وُسمت به عملية إقامة أكثر من “خمسين مستعمرة زراعية محصنة في فلسطين خلال ثورة 1936 – 1939، خصوصاً في المناطق الحدودية البعيدة عن مراكز الاستيطان”،[45] بحيث أصبحت تلك المستعمرات “بمثابة نقاط ارتكاز من أجل ترسيم حدود الاستيطان.”[46]

وقد أقيمت مستعمرات “سور وبرج” ضمن “عملية خاطفة في ساعات الليل وطيلة يوم واحد فقط”، تحت إشراف منظمة الهاغاناه[47] التي استهلت نشاطها الاستعماري بتجديد مستعمرة “كِفَار حطين”[48] قرب طبرية في السابع من كانون الأول / ديسمبر 1936، وفي العاشر من الشهر نفسه تأسست مستعمرة “تِل عَامَال”[49] في مدخل غور بيسان، “وقد ساهمت في عملية سور وبرج جميع التيارات الاستيطانية.”[50]

وتعود فكرة مشروع “سور وبرج” إلى المهندس شلومو جرزوفسكي،[51] و”التي تتلخص في إقامة معسكر محصن على مساحة كيلو متر مربع، يضم أربعة أكواخ وبرج حراسة، ويحاط المعسكر كله بجدار خشبي مزدوج يتم حشوه بالحصى والرمال لمقاومة إطلاق النار، وعلى مسافة قريبة من سور المعسكر تنتشر الأسلاك الشائكة للحيلولة دون إلقاء القنابل. ويتم تجهيز كل الأجزاء الخشبية المكونة للمعسكر قبل موعد التنفيذ، على أن يتم نقلها مفككة إلى الموقع الاستيطاني في الموعد المحدد. يأتي كل هذا بهدف الانتهاء من بناء المعسكر المحصن قبل وصول السلطات البريطانية، ولمنع أي مضايقات عربية.”[52]

كانت مستعمرات سور وبرج دليلاً على أن “التحصين أهم عنصر في العقيدة الأمنية”[53] الصهيونية، وترجمة عملية للأطماع الاستعمارية التوسعية؛ فقد فرضت أمراً واقعياً على الأرض، وحققت زيادة ملحوظة في رقعة الاستيطان بهدف إحداث تغيرات ديموغرافية على خريطة فلسطين المستقبلية لمصلحة الهجرات الصهيونية في فترة شهدت فيها فلسطين ثورة عربية واسعة ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني.

يؤكد المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف (1945 – ) أن مستعمرات مشروع “سور وبرج” تدخل أيضاً ضمن إطار “العمليات العسكرية السرية التي تبنّتها حركة العمل الصهيونية في فلسطين.”[54] وبحسب وصف المصادر العبرية، فإنه “كان للنشاط الاستيطاني آنذاك أهداف سياسية واستراتيجية، إذ أقيمت أغلبية المستوطنات في أماكن جديدة (غور بيسان، والجليل الأعلى الشرقي والغربي، وخليج عكا)، أو في مناطق ذات كثافة سكانية يهودية ضئيلة (الجليل السفلي وجزء من الجليل الأعلى). ويمكن بلورة الأهداف المركزية من وراء إقامة مثل هذه المستوطنات، بما يلي: أولاً: ربط مناطق الاستيطان المعزولة (مثلما حدث عند إقامة عين هشوفيط وبني بريت)؛ ثانياً: توسيع حدود الاستيطان الصهيوني لتشكل حدوداً مستقبلية: في الشمال (مستوطنة حنيتا)، وفي الشرق (عين جاف)، وفي الجنوب (نجيفا)؛ ثالثاً: العمل على إقامة امتداد سكاني بين التكتلات الاستيطانية؛ رابعاً: العمل على أن يشمل الاستيطان المناطق الجبلية والحدودية.”[55]

وكان من عادة الحركات الاستيطانية الصهيونية آنذاك دعوة الشعراء والأدباء إلى المشاركة في عمليات إقامة مستعمرات “سور وبرج”، ثم تسجيل مثل هذه اللحظات الفارقة في تاريخ الاستيطان الصهيوني في أعمالهم الأدبية، كي يروجوا للفكرة ويحثّوا اليهود على الهجرة ويُلهبوا حماسة المستوطنين.

في ضوء هذا النهج تبارى شعراء العبرية آنذاك في الإطراء على ما قام به المستوطنون من مجهودات، وتغنّوا في قصائدهم بمستعمرات سور وبرج، مثلما نرى في قصيدة “كِيبُوتس عُوليه عَل هَقَرْقَع” (تشييد كيبوتس على الأرض) في سنة 1937، للشاعر شاؤول تشرنحوفيسكي (1875 – 1943)،[56] وقصيدة “جُلُّو إيفِين جْلَٰل” (دحرجوا الصخر العظيم)، في سنة 1937، للشاعر آهارون أشمان (1896 – 1981)،[57] وقصيدة “هَمِغْدَال هَرِيشُون” (البرج الأول) للشاعر ناتان ألترمان (1910 – 1970) بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس مستعمرة “تِل عَامَال”[58] التي تُعدّ من أوائل مستعمرات “سور وبرج”، وقصيدة “حنيتا” للشاعر يعقوف أورلاند (1914 – 2002) تيمناً بمستعمرة “حنيتا”[59] التي تأسست في سنة 1938، والتي يقول فيها أورلاند: “حنيتا… / أنتِ حدود سنوسعها، / أنتِ حدود سنحددها… / أنتِ جدار الفولاذ / في ليالي الحصار / أنتِ الحلم المنشود…”[60]

جدير بالملاحظة أن المستعمرات الصهيونية التي اندثر تحت وطأتها كثير من القرى العربية الفلسطينية، لم ترتبط بفكرة الجدار والرغبة في الانغلاق على الذات فحسب، بل جسدت بشكل واقعي أيضاً، قضية الأطماع الاستيطانية وسلب الأراضي الفلسطينية ومنحها هوية صهيونية بتفريغها من سكانها الأصليين ووسمها بأسماء عبرية، بهدف قطع وشائج التلاحم الطبيعية بينها وبين البيئة العربية الفلسطينية المحيطة بها. وهذا كله فضلاً عن تشويه الاستيطان للطبيعة بالتحصينات الخرسانية المعقدة، إذ تشير الدراسات العبرية المتعلقة بالنشاط الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين إلى أن “معظم المستوطنات التي أقيمت في المناطق المحتلة بعد حرب 1967 قد أحيطت بالجدار، بالرغم من السيطرة شبه المطلقة للجيش الإسرائيلي على المناطق، بَيْد أن عقلية الجدار كانت هي المسيطرة، حيث كان منظر المدن والقرى عن بعد يبيّن وجود جدار وأبراج حراسة في الاتجاهات الأربعة وكأنها قواعد عسكرية وليست قرى أو مدناً عادية.”[61]

هذه المرحلة، وما تلاها من مراحل، خلّفا وراءهما تداعيات خطرة ساعدت على تعميق مشاعر العزلة وترسيخ عقلية الجدار بين الجماعات الصهيونية المهاجرة إلى فلسطين. لقد تحول الجدار والبرج والسلاح إلى أيقونات مقدسة وهوس مزمن لدى الشخصية اليهودية في جميع مراحلها التاريخية، وهي الظاهرة التي سجلتها أقلام الأدباء الإسرائيليين أنفسهم، ومن ذلك ما كتبه الشاعر دانيئيل عاموس عوز (1978 – ) في قصيدته “هَحُومَاه” (الجدار) التي عبّر فيها عن ارتباط الوعي اليهودي بفكرة الجدار على مر العصور، مؤكداً عدم قدرة اليهود على الفكاك منها منذ قديم الأزل حتى الآن. وقد سجّل في قصيدته هذه اهتمام شخصيات يهودية تاريخية بارزة بتطوير الجدار وتوسعته وتعليته بقدر الإمكان، مثل: داود، وسليمان، وحزقياهو الذي ملك يهوذا (715 – 686 ق. م.)، وأسرة المكابيين اليهودية التي حكمت في فلسطين من سنة 164 حتى سنة 63 ق. م.، وصولاً إلى فترة حزب كاديما الذي أسسه أريئيل شارون (1928 – 2014) في سنة 2005؛ يقول دانيئيل عوز: “عندما أسس داود ملك إسرائيل مدينته / على خرائب يبوس المندحرة / قاموا بتوسعة الجدار / وعندما أتمّ سليمان بناء الهيكل فوق الجبل / قاموا بتوسعة الجدار / وحتى في أيام الملك حزقياهو تمت تقوية / الجدار الواسع بصعوبة /… وفي فترة الهيكل الثاني خلال حكم المكابيين / قاموا بتوسعة الجدار /… وبعد ذلك بألفي عام في فترة حكم كاديما / قاموا بتوسعة الجدار / بـإيعاز من أريئيل ملك إسرائيل / وقد ارتفع الجدار حتى وصل إلى ثمانية أمتار / وربع.”[62]

بعد عرض أبرز المحطات التاريخية لعقلية الجدار وما تميزت من تنوع في الزمان والمكان، بات من المؤكد أن عقلية الجدار تحولت من مجرد كونها إرثاً تاريخياً نشأ في إطار الرغبة الاختيارية للعزلة بأبعادها المتعددة، إلى متلازمة مَرَضِيّة يهودية متأزمة عمقت داخل الوعي اليهودي الإحساس بالتميز والنقاء العرقي، ومشاعر الإيمان بالقوة التي لا تُقهر، والقدرة على البطش بالأعداء، والاستعلاء على الآخر، وهو أمر استغلته الصهيونية كأداة فاعلة لتحقيق الأطماع الاستعمارية التوسعية في فلسطين. كما ترسخت مع هيمنة عقلية الجدار على الشخصية اليهودية صورة اليهودي المنغلق على نفسه، والكاره لجيرانه، الذي يثير الشك والريبة ويكون محل اتهام دائم. 

الخاتمة

حاولت هذه الدراسة برهنة أن عقلية الجدار اليهودية هي نتاج موروث ديني وفكري متأصل، وبلورة عصرية لتجربة الغيتو الانعزالية المتجذرة في الوعي الجمعي اليهودي، وترجمة متجددة لمشاعر الكراهية والخوف من الآخر والاستعلاء عليه. وقد كشفت النصوص التوراتية عن المفاهيم العقدية والجذور التاريخية المؤسسة لعقلية الجدار، وبيّنت الدوافع الحقيقية وراء تحصّن اليهود وراء الجدران.

لقد سعى اليهودي على مر التاريخ لبناء جدار يكفل له الخصوصية الدينية والشعور بالأمن – الوقتي – كما في حصون خيبر وقلاع يثرب، أو من أجل إشباع رغبته النفسية في الانغلاق كما في الغيتو الأوروبي، أو ربما وسيلة تمكّنه من الاستيلاء على أرض فلسطين كما في المستعمرات الصهيونية. ويؤكد هذا وجود تشابك شديد بين منطلقات عقلية الجدار، والتي تراوحت بين كونها عقيدة دينية وعقدة أمنية وأزمة نفسية وجشع استعماري وحسابات سياسية، بل يمكن القول أيضاً، إن عقلية الجدار تعكس بجلاء مجموعة من العقائد والعُقَد المتأصلة في الوعي اليهودي الكاره للآخر، بحيث أصبحت عمليات بناء الجدران مؤخراً تجسيداً واقعياً للجشع الاستيطاني الصهيوني ولسياسة فرض الأمر الواقع. ولا يعدو الصواب مَن يرى أن الجدار ليس مجرد حاجز مادي خرساني فحسب، بل أداة قمعية استعمارية أيضاً، فرض اليهود من خلالها أيديولوجيتهم الانعزالية الغيتوية على أصحاب المكان، عندما وضعوا الشعب الفلسطيني في سجن كبير. وبذلك تبدلت الصورة تماماً، فبدلاً من أن يتقوقع اليهود داخل أسوارهم المنيعة طواعية، إذا بهم يجبرون الشعب الفلسطيني على الانعزال في الطرف الآخر من الجدار داخل معازل عنصرية. ولا ريب في أن الهدف الأثير من بناء الجدران في فلسطين هو الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة، كما أن بناء الجدار يُحدث اضطراباً ديموغرافياً في توزيع السكان الفلسطينيين، فيجبر الفلسطينيين على الرحيل أو البقاء داخل قراهم المحاصرة في معاناة دائمة، وفي المقابل يعمل الجدار على ضم أكبر عدد ممكن من المستعمرات إلى داخله.

إلّا إن أحداث التاريخ تثبت أن الأسوار المنيعة والحصون القوية والقلاع الحصينة قد توفر الأمن والحماية بعض الوقت، لكن من المستحيل أن توفر الأمن والحماية طوال الوقت، بل إنها تشي بدلالات واضحة عن سيطرة هواجس الشك والخوف والرعب الأمني والتوتر النفسي على المجتمع المتحصن خلف الجدار، وتبرهن على إصابته بمرض “فرط الانعزال”. كما تثبت أحداث التاريخ أن الإنسان ابتكر وسائل عديدة لهدم الحصون وتجاوز الجدران واقتحام الأسوار، بل على العكس نجد أن عقلية الجدار تخلق حالة من العدائية والكراهية والتحدي بين طرفَي الجدار، وتضفي حالة من الغموض والريبة المتبادلَين، وهي بؤرة للتوتر ومصدر للمآسي، وتبثّ إحساساً دائماً بأن الآخر المتربص وراء الأسوار يسعى للاقتحام والانتقام في أي وقت. غير أن من المستحيل أن تصنع الكراهية حضارة، أو يوفر الخوف استقراراً، فضلاً عن الاحتلال ونهب الأرض والممتلكات وقتل أصحاب المكان.

المصادر:

[1] انظر: يوآف زيتون، “إسرائيل تتحصن، في جيش الدفاع الإسرائيلي هناك مَن يرى في الجدران (مجتمعاً يعيش في خوف)“، “يديعوت أحرونوت” (بالعبرية)، 8 شباط / فبراير 2020، في الرابط الإلكتروني

[2] أُلفت محمد جلال، “العقيدة الدينية والنظم التشريعية عند اليهود كما يصورها العهد القديم” (القاهرة: مكتبة سعيد رأفت، 1974)، ص 107.

[3] روفائيل البرموسي (إعداد)، “الحياة اليهودية بحسب التلمود”، مراجعة الأنبا إيسوذورس (دير برموس في وادي النطرون: دار نوبار للطباعة، 2003)، ص 37.

[4] رشاد عبد الله الشامي، “الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية”، “عالم المعرفة” (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون)، العدد 102 (حزيران / يونيو 1986)، ص 15.

[5] انظر: حسن ظاظا، “أبحاث في الفكر اليهودي” (دمشق: دار القلم، وبيروت: دار العلوم، 1987)، ص 111.

[6] البرموسي، مصدر سبق ذكره، ص 7 – 9.

[7] ظاظا، مصدر سبق ذكره، ص 101.

[8] جلال، مصدر سبق ذكره، ص 64 – 65.

[9] البرموسي، مصدر سبق ذكره، ص 38، 40.

[10] لمزيد من التفصيلات، انظر: حسن ظاظا، “الفكر الديني الإسرائيلي: أطواره ومذاهبه” (القاهرة: قسم البحوث والدراسات الفلسطينية في معهد البحوث والدراسات العربية، 1971)، ص 231 – 232.

[11] انظر: رشاد عبد الله الشامي، “اليهود واليهودية في العصور القديمة: بين وهم التكوين السياسي وأبدية الشتات” (القاهرة: المكتب المصري، 2001)، ص 140.

[12] انظر: البرموسي، مصدر سبق ذكره، ص 69.

[13] المدراش أو المدراشيم، هي شروحات لأسفار العهد القديم تهتم باستخراج التطبيقات العملية والمعاني الجديدة، واستنباط الأمور القانونية. وظهر من المدراشيم، مدراش هَلاخاه ومدراش هَجاداه. ويتضمن مدراش هَلاخاه القوانين العملية المستمدة من نصوص التوراة والمتعلقة بسلوك الإنسان اليهودي في حياته الدينية والاجتماعية والأخلاقية. وأسلوب مدراش هَلاخاه تشريعي جافّ، في حين أن مدراش هَجاداه يجمع سير الشخصيات الواردة في التوراة والأمثلة والقصص والروايات التاريخية والحكايات الأسطورية التي تساعد على فهم التشريعات والقوانين واستيعاب كيفية تطبيقها بسهولة.

[14] انظر: ظاظا، “أبحاث في الفكر اليهودي”، مصدر سبق ذكره، ص 101.

[15] المصدر نفسه، ص 103، 105.

[16] المصدر نفسه، ص 98، 103.

[17] انظر: حسن ظاظا والسيد محمد عاشور، “شريعة الحرب عند اليهود” (القاهرة: دار الاتحاد العربي للطباعة، 1976)، ص 169.

[18] مصطفى كمال عبد العليم وسيد فرج راشد، “اليهود في العالم القديم” (دمشق: دار القلم، وبيروت: الدار الشامية، 1995)، ص 112.

[19] المصدر نفسه، ص 113.

[20] ظاظا وعاشور، مصدر سبق ذكره، ص 170.

[21] محمد الصالح العياري، “الشعر العبري والصهيوني المعاصر” (سوسة، تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 1991)، ص 79.

[22] صدر الجزء الأساسي من القصيدة في مجلة “هشاليح” عدد آذار / مارس – أيار / مايو 1898، وأضاف إليها بيالك أجزاء من قصيدة “مِبْنِي هَاعَنِييم” (أبناء الفقراء) التي نشرها في مجلة “هزمان” في سنة 1896. ونُشرت قصيدة “المثابر” كاملة ضمن باكورة أعماله الشعرية في سنة 1901. وللمزيد، انظر: حانا هليفي، “يوسيف القديس والمثابر لبيالك”، “مَيم مِدَالْيَاف” (الصادرة عن أكاديمية لِيفشَايتس الدينية التربوية في القدس)، العدد 13 (2002)، ص 203 – 216 (بالعبرية). وأيضاً: دان ميرون، “تكوين المثابر” (تل أبيب، د.ن.، 1978)، ص 11 – 35. (بالعبرية)

[23] انظر: تامي لوز جربر، “تيمة الفاقة في أعمال بيالك” (حيفا: مركز هَمِدْرَاشَاه، كلية أورنيم الأكاديمية للتربية والتعليم، 2009)، ص 2. (بالعبرية)

[24] انظر: رياض مصطفى أحمد شاهين، “النشاط الاقتصادي لليهود بالحجاز في الجاهلية وفي عصر الرسول r”، “مجلة الجامعة الإسلامية: سلسلة الدراسات الإنسانية” (الصادرة عن الجامعة الإسلامية في غزة)، المجلد 12، العدد 2 (حزيران / يونيو 2004)، ص 27.

[25] لمزيد من التفصيلات، انظر: سلام شافعي محمود سلام، “حصون خيبر في الجاهلية وعصر الرسول r: دراسة تاريخية لأهم الحصون وعقيدة الحرب والقتال عند اليهود فى خيبر” (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1989)، ص 18 – 50.

[26] انظر: إسرائيل ولفنسون، “كعب الأحبار: اليهود واليهودية في التراث الإسلامي”، مراجعة وإعداد محمود عباسي (شعفاط، القدس: مطبعة الشرق التعاونية، 2008)، ص 16.

[27] سلام، مصدر سبق ذكره، ص 14 – 16.

[28] المصدر نفسه، ص 23 – 24.

[29] آطام: جمع آطم، ويُرجّح إسرائيل ولفنسون أن هذا المصطلح مشتق من الفعل العبري “أَطَمَ” الذي يحمل دلالات متنوعة، ومنها الحائط الضخم. بناء عليه يمكن الافتراض أن اليهود أطلقوا على الحصن اسم آطم. وللمزيد انظر: إسرائيل ولفنسون، “تاريخ اليهود في بلاد العرب: في الجاهلية وصدر الإسلام” (القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1927)، ص 117.

[30] شاهين، مصدر سبق ذكره، ص 32.

[31] المصدر نفسه، ص 32 – 33.

[32] ولفنسون، “تاريخ اليهود في بلاد العرب…”، مصدر سبق ذكره، ص 116.

[33] محمود نعناعة، “المشكلة اليهودية وهل تحلّها إسرائيل: من ظهور أبرام حتى سقوط يهوذا”، الجزء الأول (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1972)، ص 136.

[34] انظر: الشامي، “الشخصية اليهودية الإسرائيلية…”، مصدر سبق ذكره، ص 12.

[35] المصدر نفسه، ص 16.

[36] المصدر نفسه، ص 17.

[37] عرفة عبده علي، “يهود مصر منذ الخروج الأول إلى الخروج الثاني”، “سلسلة الإصدارات الخاصة”، العدد 83 (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط 2، 2010)، ص 28.

[38] يسرائيل زانجفيل، “الطريق إلى الاستقلال: خطابات ومقالات ورسائل” (تل أبيب: مِدِينِيت، 1938)، ص 1. (بالعبرية)

[39] المصدر نفسه، ص 5.

[40] المصدر نفسه، ص 6.

[41] انظر: الشامي، “الشخصية اليهودية الإسرائيلية…”، مصدر سبق ذكره، ص 28.

[42] لمزيد من التفصيلات، انظر: رمسيس عوض، “صورة اليهودي في الأدب الإنجليزي”، “سلسلة كتب دار الهلال” (القاهرة)، العدد 579 (آذار / مارس 1999)، ص 5 – 32.

[43] محسن محمد صالح وفاطمة عيتاني (إعداد)، “معاناة القدس والمقدسات تحت الاحتلال الإسرائيلي”، سلسلة “أولست إنساناً؟ – 7” (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2011)، ص 6.

[44] هناك خمس مراحل رئيسية للهجرات الصهيونية قبل إقامة الدولة، وهي: الهجرة الأولى (1882 – 1904)، والهجرة الثانية (1904 – 1914)، والهجرة الثالثة (1919 – 1923)، والهجرة الرابعة (1924 – 1928)، والهجرة الخامسة (1930 – 1939)، وتستعمل معها المصادر العبرية مصطلح “عَلِيَّاه” ومعناه المعجمي “صعود”. وهناك الهجرة “ب” وهي الهجرة غير الشرعية التي نُظمت بمخالفة لأوامر حكومة الانتداب البريطاني وتعهداتها في الكتاب الأبيض (1939)، واستمرت حتى إعلان الدولة (1948)، وتستعمل معها المصادر العبرية مصطلح “هَعَبَالَاه” ومعناها المعجمي “صعود بمشقة”.

[45] إفرايم تلمي ومناحم تلمي، “معجم المصطلحات الصهيونية”، ترجمة أحمد بركات العجرمي (عمّان: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 1988)، ص 198.

[46] أفنير باطِيسط، “ألترمان وأبي وأنا”، “عموتَت دور هبلماح” (صحيفة جيل البلماح)، (آذار / مارس 2008)، ص 9. (بالعبرية)

[47] الهاغاناه: كلمة عبرية تعني “الدفاع”، وهي اسم منظمة عسكرية صهيونية تأسست في سنة 1920 ضمن فاعليات مؤتمر حزب أحدوت هعفودا. وكان كثيرون من أعضاء الهاغاناه ضمن صفوف قوات الانتداب البريطاني، وتميز زعماؤهم بعلاقاتهم الوطيدة بالمنظمة الصهيونية العالمية ومؤسساتها واتحاد العمال الصهيوني (الهستدروت) والحركة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين. وبين أهداف المنظمة: حماية ممتلكات المستوطنين اليهود ومستعمراتهم من العرب والانتداب البريطاني، وفي سبيل ذلك اهتمت الهاغاناه بعقد صفقات لشراء السلاح وتهريبه إلى فلسطين، وإنشاء الورش لتصنيع القنابل اليدوية والمعدات العسكرية الخفيفة، وتنظيم عمليات تدريبية على مختلف أنواع الأسلحة وطرق القتال، وشكلت مجموعات صغيرة لحماية المستعمرات، كما تولت حماية عمليات هجرة اليهود وترتيب تسللهم إلى فلسطين. وفي حقيقة الأمر، لم يتوقف دور الهاغاناه على الدفاع والحماية فحسب، بل نظمت أيضاً، كثيراً من الهجمات الإرهابية الدامية على القرى العربية والمواقع البريطانية العسكرية والمدنية، ونفّذت عمليات تهجير وتطهير عرقي للفلسطينيين من مدنهم وقراهم. وقد أصبحت الهاغاناه حجر الأساس في الجيش الإسرائيلي والحياة السياسية في إسرائيل، فقد تولى قادتها المناصب العليا في الجيش الإسرائيلي، ومناصب سياسية في الحكومات الإسرائيلية.

[48] كفار حطيم: تُعدّ أول مستعمرة في مشروع “سور وبرج”، وهي تقع غربي بحيرة طبرية في منطقة الجليل الشرقي شمال فلسطين، وأقيمت على أنقاض الجزء الشرقي من قرية حطين العربية.

[49] تل عامال: مستعمرة تقع في منطقة غور بيسان، وهي من أوائل مستعمرات “سور وبرج”، وفي 13 أيار / مايو 1937 تغير اسمها إلى “نير دافيد” على اسم “دافيد ولفسون”، الرئيس الثاني للمنظمة الصهيونية العالمية (1905 – 1911). وقد نُشر هذا الاسم الجديد في الكتاب الحكومي السنوي لسنة 1958، وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين أضيف إليه الاسم القديم ليصبح اسمها الحالي “نير دافيد” (تل عامال). انظر بهذا الشأن: “لجنة الأسماء الحكومية، قائمة الأسماء”، “ملف بيانات 3165” (تل أبيب: د.ن، 1985)، ص 1495. (بالعبرية)

[50] انظر: تلمي وتلمي، مصدر سبق ذكره، ص 199.

[51] شلومو جرزوفسكي: ولد في سنة 1913 في أوكرانيا، وهاجر إلى فلسطين في سنة 1930. درس الزراعة في مدرسة ميكفيه يسرائيل، وهو أحد مؤسسي كيبوتس “نير دافيد” (تل عامال) في سنة 1936، وكان من المبادرين إلى إقامة الجدار الشمالي في سنة 1938 على الحدود الشمالية بين فلسطين ولبنان في محاذاة الطريق الشمالي المعروف باسم طريق 899. توفي في سنة 1997.

[52] انظر: أفيجيل باز يشعياهو، “الثلاثينيات والهجرة الخامسة: استيطان سور وبرج”، موقع “صندوق بيرل كتسنلسون وصندوق حركة العمل، المكتبة الافتراضية، مركز التكنولوجيا التعليمية” (بالعبرية)، في الرابط الإلكتروني

[53] صالح حسين سليمان الرقب، “جدار الفصل العنصري حول مدينة القدس: الدوافع والآثار السياسية” (غزة: جمعية القدس للبحوث والدراسات، 2010)، ص 6.

[54] انظر: توم سيغف، “الحرب العالمية الثانية: فلسطين تحت الانتداب” (القدس: كيتير، 1999)، ص 309. (بالعبرية)

[55] يشعياهو، مصدر سبق ذكره.

[56] لمزيد من التفصيلات، انظر: حفيفا يوناي، “قراءة في أشعار شاؤول تشرنحوفيسكي: ضد التقسيم ومع سور وبرج”، “سيدرات عيدان”، العدد 9 (1987)، ص 181 – 192. (بالعبرية)

[57] انظر: عمانوئيل عميران، “جبل المُر” (تل أبيب: المشروع الثقافي والتربوي، 1980)، ص 13. (بالعبرية)

[58] انظر: باطِيسط، مصدر سبق ذكره، ص 9؛ وأيضاً: مُردخاي زعيرا، “111 قصيدة” (تل أبيب: مركز الثقافة والتربية، 1960)، ص 122. (بالعبرية)

[59] مستوطنة حنيتا: من مستوطنات “سور وبرج” تقع في الجليل الغربي على الحدود اللبنانية، وكانت تسمى في بداية الأمر “حانوتا”. وقد اشترى اليهود هذه الأراضي من عائلة زُعْرُب اللبنانية. انظر: عمر الغباري (تحرير وترجمة)، “ذاكرات البصّة” (تل أبيب: جمعية ذاكرات، 2012)، ص 8، 12.

[60] انظر: زعيرا، مصدر سبق ذكره، ص 119.

[61] عبد الله عيسى الموسوي، “جدار الفصل العنصري تحدّ للقانون الدولي والأعراف الإنسانية”، “القبس” الكويتية، 22 نيسان / أبريل 2006، في الرابط الإلكتروني. 

[62] دانيئيل عوز، “الجدار”، في: “شعر يحطم الجدار”، كرّاسة شعرية عبرية – عربية (حيفا: جريلاه تربوت، 2010، ص 69. (بالعبرية)السيرة الشخصية: 

أحمد هيكل: أستاذ الدراسات العبرية الحديثة في جامعة حلوان – مصر.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 129- شتاء 2022

Author: أحمد هيكل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.