عـن تـمـاثـيـل رام الـلـه


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

أقامت بلدية رام الله نصباً تذكارياً في أحد ميادينها العامة، عبارة عن تمثالين لرجلين؛ الأول عامل نظافة بيده مكنسة، والثاني مواطن ينحني احتراماً له، وهي مبادرة إبداعية الهدف منها تكريم موظفي البلدية ممن يعملون على تنظيف الشوارع والساحات، بوصفهم جنوداً مجهولين، للفت انتباه الناس لهم، ودفعهم للإحساس بمعاناتهم.
لم تكلف الفكرة الكثير من الأموال، لكنها حملت الكثير من المعاني السامية، كما أنها أضافت مشهداً جمالياً لشارع حيوي، من المفترض أن يتحول إلى ذاكرة للمكان، يُضاف للرموز الأخرى التي تشكّل هوية المدينة .. وقد لاقى التمثالان استحسان المواطنين عامة الذين رحبوا بالفكرة، وأخذوا يلتقطون الصور بجانبهما.
ولكن، للأسف، لم تمضِ ليلة على هذا المشهد الجميل، لنتفاجأ صبيحة اليوم التالي وقد تحول إلى مشهد قبيح، فقد امتدت يد الإثم إليهما، حيث قام أحدهم بقطع رأس التمثال، وبتر يديه.
عندما تابعتُ حفل تدشين النصب التذكاري، خطر ببالي مشهد تحطيمه، وقلت في نفسي أخشى أن يأتي يوم تعم فيه الفوضى والفلتان، فتقوم مجموعة من الزعران بتحطيمه، كما يحدث غالباً عندما يغيب القانون وينفرط عقد الأمن والنظام فتهاجم الغوغاء المرافق العامة، وتعتدي على رموز الدولة، خاصة إذا كانت تحمل دلالات سياسية، ثم استبعدتُ الفكرة، وقلت حتى لو حصل وعمّت الفوضى فلن يقدم أحد على الاعتداء على تمثال يمثل عمّال النظافة، فهؤلاء ليسوا سياسيين، ولا مشاهير من أي نوع قد يتفق الناس حولهم أو يختلفون؛ هؤلاء من ينظفون شوارعنا، ويجمعون نفاياتنا، ويعملون بكل كد وتعب حتى تظل مدينتنا جميلة، وهم غالباً فقراء وبسطاء، لذا تساءلت حينها: من ذا الذي سيجرؤ على تحطيم رمز يخصهم؟ ومن يكره تكريمهم، والاحتفاء بهم!
ومع ذلك، حصل المكروه.. في مدينة يفترض أنها آمنة، ويسود فيها القانون!
الاعتداء على تمثال مخصص لتكريم عمال النظافة شيء مرعب حقاً، لكن الأشد رعباً هو فكرة التحطيم ذاتها، أي الاعتداء على أي تمثال مهما كان الشخص الذي يجسده، ومهما كانت الفكرة التي يرمز إليها.
المرعب أن يكره البعض الجمال بأشكاله، فمثل هؤلاء لا يكتفون بعدم الإحساس به، أو تقديره، بل إنهم يسارعون إلى تخريبه وهدمه، يستفزهم أي شيء جميل: أغنية، رقصة، فرح، موسيقى، كتاب مستنير، احتفاء بالحياة، لوحة فنية، فتاة تركب دراجة.. والأغرب أن المشاهد القبيحة لا تعني لهم شيئاً، ولا تحرك فيهم ساكناً، لا تستفزهم أكوام القمامة، ولا إلقاء النفايات من شباك السيارة، ولا ظاهرة المتسولين، ولا ازدحامات المرور، ولا انتهاكات القانون، ولا الفقر، ولا البطالة، ولا الاعتداء على الأرصفة، ولا عمالة الأطفال، ولا ضرب النساء، ولا التحرش، ولا استغلال التجار، ولا الغش… فلا يبادرون لتغيير أي منكر حقيقي.. سوى المنكر المعشش في أدمغتهم (على افتراض أنهم يمتلكون أدمغة).  
هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها، فقد سبق لأحد المعاتيه الاعتداء على أسود المنارة، كما سبق لحركة طالبان أن نسفت أكبر تمثال لبوذا في أفغانستان، كما قامت جموع الغوغاء بتحطيم تمثال نصفي للمتنبي عشية سقوط بغداد، كما قامت قطعان داعش بتحطيم تماثيل تعود لحقب تاريخية موغلة في القِدم في الموصل وتدمر، كما قاموا بتحطيم تمثال لأبي العلاء المعري.
لا يدرك هؤلاء القيمة الحضارية والتاريخية والعلمية لهذه النصب التاريخية، وبالطبع لن يدركوا القيمة الفنية والجمالية والرمزية، فإدراك هذه القيم يتطلب حساً إنسانياً وحداً أدنى من الذكاء.. وهم يفتقرون لها بشدة.
أي نصب تذكاري مهما كانت قيمته ورمزيته بالنسبة لهم مجرد أصنام، وينبغي تحطيمها دون تفكير!
علما أن جميع تلك النصب والآثار التاريخية قد عاشت بسلام ودون أن يمسها سوء طوال فترات الخلافة الإسلامية على اختلاف أسمائها، وتعاقب عشرات الخلفاء والقضاة والفقهاء والمفكرين، دون أن يفكر أحدهم بإزالتها.. حتى أتى عصر «الصحوة الإسلامية»، والدواعش، والفكر الوهابي المتزمت والمتخلف.
منذ دخلنا عصر الانحطاط بدأ مسلسل حرق الكتب والمكتبات والتحريض على المفكرين والمبدعين، والذي ما زال مستمراً حتى هذا العصر الذي نعيش فيه ردة حضارية غير مسبوقة، حيث صرنا نرى ونسمع عن تهشيم آلات موسيقية، والاعتداء على المسارح ودور السينما، وتحطيم نصب وتماثيل، واغتيال مفكرين.. وهذه كلها حلقة واحدة متصلة، ومرتبطة ببعضها، فمن يحرق كتاباً سيحرق إنساناً، ومن يحطم تمثالاً سيدمر بلداً كاملاً.. لأن الحرق والقتل والتدمير موجود أصلاً في عقول هؤلاء، سبقته وهيأت له ثقافة العنف وكراهية الجمال، ترافق معها أو نتج عنها جهل وتزمت وتفكير موتور وغير متزن..  
وهذا الجهل والتخلف الحضاري والمدني لا يقل خطراً وقبحاً عن الاحتلال الإسرائيلي، بل هو من مهد له، ومن يمده بأسباب البقاء والتفوق.
الموضوع ليس مجرد تمثال، قد نختلف أو نتفق على جمالياته، وتقنياته الفنية.. وليس مجرد شخص متزمت وجاهل، أو مراهق عصبي انقض عليه بمعوله لأسباب قد لا تكون أيديولوجية .. الموضوع أن الفكر الداعشي متغلغل في ثقافتنا المجتمعية، بدليل ردود الأفعال السلبية والتعليقات الشامتة على الحادثة، والمؤيدة لها.

عن الأيام

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عبد الغني سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *