نقف في هذه اللحظة بالذات أمام منعطف خطير وحرج بشكل خاص. فهل سننتقل إلى المرحلة ( الثانية ) من صفقة وقف إطلاق النار، أم أن إسرائيل ستستأنف القتال و تضحي بالمخطوفين التسعة والخمسين المتبقين؟
لو كان لدينا قادة يميزون بحكمة ما هو موجود أمامنا تماما ، فإن حرب غزة خلقت بيئة استراتيجية إقليمية توفر فرصة حقيقية لإحراز تقدم في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي الأولى منذ أخر جولة محادثات بين رئيس الحكومة أولمرت والرئيس عباس . فرص التغيير الحقيقي هي اليوم أكبر مما كانت عليه في ذلك الحين . فقد ضعف المحور الإيراني ــ السوري ــ اللبناني، كما أن حماس اصبحت بعيدة جداً عن القدرات العسكرية والسلطوية التي أظهرتها في بداية الحرب. ومن بين كل المسائل المطروحة على جدول الأعمال فإن المهمة الأكثر إلحاحاً هي إنهاء الحرب في غزة. فهذا هو الشرط المسبق لعودة جميع المخطوفين. وهذا أيضاً هو الطريق الوحيد للبدء في إعادة إعمار غزة، الأمر الذي سيحتاج جهداً دولياً ضخماً ونحو 90 مليار دولار.
العائق الرئيسي هنا هو مثلث الزعماء الحالي: نتنياهو وعباس وحماس، الذين يجب إزاحتهم جميعاً من القيادة، إذا أردنا أن نرى تغييراً إيجابياً حقيقياً. الحلقة الضعيفة في هذا المثلث هي محمود عباس. فعباس يبلغ من العمر 90 عاماً، وهو الآن في السنة العشرين من فترة ولايته التي تمتد لأربع سنوات، ويفتقر تقريباً إلى أي شرعية بين شعبه. و معظم الفلسطينيين يرون به وبالسلطة الفلسطينية فاسدين وديكتاتوريين .
قد يفاجئك إلى أي حد يلبي عباس الرغبات السلطوية لدى شخص بنيامين نتنياهو : فقد ألغى السلطة التشريعية، وعوضا عنها يشرع القوانين بمراسيم رئاسية وقام بتعيين معظم القضاة، وهو يسيطر على قوات الأمن وعلى المال ، وأضعف المجتمع المدني بولسطة الإشراف على التسجيل والإبلاغ ، وإلى جانب قوات الأمن جند نشطاء يعملون ضد أي مواطن فلسطيني ينتقد عباس.

في حين يواصل عباس التنسيق الأمني ​​مع إسرائيل – الأمر الذي يتم النظر إليه بشكل إيجابي من جانب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية – فإن هذا بنظر الشعب الفلسطيني يجعل نظامه متعاوناً مع الاحتلال الإسرائيلي، وأحياناً حتى كمقاول فرعي للمستوطنين. و معارضة عباس لحماس أبقت عليه في السلطة لفترة طويلة بدعم من إسرائيل والزعماء العرب. والآن يبدو أن الكثير من الزعماء العرب يعتقدون أن على عباس أن يخلي مكانه لشخص معروف بمصداقيته وقدرته على تولي مقاليد السلطة. وهذا الشخص يجب أن يكون ملتزماً بحل الدولتين، وتوحيد السلطة والأراضي الفلسطينية، وإنهاء الكفاح المسلح، ومكافحة الفساد وتعزيز الديمقراطية الفلسطينية. وهذه قائمة مطالب صعبة من زعيم فلسطيني جديد، سيتعين عليه أيضًا التعامل مع احتلال إسرائيلي معادٍ ومع حكومة إسرائيلية تعمل من أجل تفكيك السلطة الفلسطينية. هناك عدة مرشحين فلسطينيين قد تتوفر فيهم هذه المتطلبات ويقودون الشعب الفلسطيني إلى الحرية، ومن حق الفلسطينيين أن يقرروا من سيكون هذا القائد، وعليهم أن يفهموا أنه ليس لديهم استراتيجية أخرى تضمن حريتهم ،

زعيم فلسطيني جديد يجرؤ على الوقوف ويقول لشعبه: ” كفلسطينيين لدينا خيار واحد فقط إذا أردنا البقاء على قيد الحياة كشعب – وهو الاعتراف بوجود إسرائيل والارتباط المشروع للشعب اليهودي بالأرض الواقعة بين النهر والبحر، ولكن يجب أن نوضح لأبناء الشعب اليهودي أنهم لم يكونوا هنا لوحدهم أبداً. لقد كان هناك دائماً آخرون على هذه الأرض، ونحن الفلسطينيون هم “الآخرون”، ونحن متساوون في حجمنا . وحقنا كفلسطينيين أن يكون لنا دولتنا الخاصة ، غير القابلة للتفاوض “. من الممكن إجراء مفاوضات بشأن الحدود والاقتصاد والمياه والأمن، وحتى حول مستقبل القدس، لكن حقنا في تقرير مصيرنا في دولتنا غير قابل للتفاوض”.
وإذا تحلى الفلسطينيون بالشجاعة الكافية للإعلان أيضاً عن مراجعة كاملة لنظامهم التعليمي، وإجراء إصلاح عميق فيه للاعتراف بإسرائيل كجارة يريد الشعب الفلسطيني أن يعيش معها بسلام (يتعين على إسرائيل أن تفعل الشيء نفسه تماماً وأن تظهر استعدادها في الكتب المدرسية الإسرائيلية للاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وحقه في اقامة دولته في وطنه). أنا مؤمن أنه حينها سوف نشهد تغيراً سريعاً في الرأي العام الإسرائيلي، والذي لن يعود فقط إلى الإيمان بحل الدولتين وإنما سيعمل أيضاً على إسقاط نظام نتنياهو.
العامل الرئيسي الذي يبقي نظام نتنياهو في السلطة هو الإيمان العميق في إسرائيل بأن الشعب الفلسطيني لن يوافق أبداً على العيش بسلام في دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بدلاً من أن يعيش بمكانها . وبطبيعة الحال، ينظر الفلسطينيون إلى الإسرائيليين بنفس الطريقة – ولو كانت الحياة نزيهة ، فإن الجانب الأقوى سيتخذ الخطوة الأولى، ولكن من غير المرجح أن يحدث هذا. فإسرائيل، على الرغم من الثمن الباهظ الذي تدفعه من الدماء، تستطيع مواصلة الصراع لسنوات عديدة أخرى، أطول مما يستطيع الشعب الفلسطيني أن يتحمله، حيث يدفع ثمناً باهظاً من المعاناة. إن الحاجة الملحة للتغيير أكبر بكثير بالنسبة للفلسطينيين. وهذا ببساطة هو الواقع غير المتماثل للصراع.

إن الموافقة الإسرائيلية على إنهاء الحرب والانسحاب من غزة ستأتي فقط إذا أصر الرئيس ترامب عليها. والموقف العربي الموحد بشأن مستقبل غزة من دون حماس وحكومة فلسطينية ملتزمة بحل الدولتين لا يمكن أن يكون إلا الوقود، وليس السيارة نفسها . وعلى ترامب أن يكون راغبا بذلك بشكل يكفي لوضع كامل الثقل الأمريكي لتعزيز المبادرة . وواضح أن تعزيز احتمال حصوله على جائزة نوبل للسلام وعلى مكان في التاريخ كشخص جلب السلام إلى الشرق الأوسط سيخلق ويعزز هذه الرغبة.
في هذه الأثناء، ومن دون انتظار هذه الاجراءات ، يتعين علينا في إسرائيل أن نعمل سوية لبناء حركة سياسية تنهض فورا للتقدم إلى الأمام في اليوم الذي تسقط فيه حكومة نتنياهو. لقد نشأ جيل جديد من القادة الإسرائيليين الشباب والملهمين، تمتد جذوره من حركات الاحتجاج، ومن المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والفنون، وعالم التكنولوجيا المتقدمة. يجب توحيد هذه الكفاءات الشابة في قوة سياسية تسمح للحكومة الإسرائيلية المقبلة أن تفهم أن الطريق للخروج من صدمتنا العميقة يمر في الحفاظ على قيم مجتمع الضمان المتبادل والتضامن الاجتماعي ، وفي التصميم على إنهاء الصراع مع الشعب الفلسطيني. هذا ليس خيالاً ساذجاً، بل نظرة استراتيجية محسوبة للواقع الإسرائيلي، نابعة من الفهم العميق بأنه ليس لهذا الصراع حل عسكري .

ملاحظة : غيرشون باسكن هو رجل أعمال سياسي واجتماعي، وعضو مؤسس ومدير مشارك لـ “تحالف الدولتين”، ومدير منطقة الشرق الأوسط في منظمة المجتمعات الدولية (ICO) الكائنة في المملكة المتحدة .

المصدر: هآرتس

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *