عباس وتناقضات الخطاب

لا يعدم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الوسائل لمفاجأة متابعي خطاباته، خصوصاً عبر المنصّات الدولية. وعلى الرغم من أن غالبية الفلسطينيين لم يتوقعوا أي جديد في كلمات رئيس السلطة، إلا أنهم حرصوا على مشاهدة أو الاستماع إلى خطابه على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لمتابعة مصير المهلة التي كان أبو مازن قد أعطاها لإسرائيل العام الماضي على المنصّة نفسها، للانسحاب من الضفة الغربية. حينها، وتحديداً في الرابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2021، قال أبو مازن “إن أمام سلطات الاحتلال عاماً واحداً لتنسحب من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وفي حال عدم تحقيق ذلك فلماذا يبقى الاعتراف بإسرائيل قائماً على أساس حدود عام 1967؟”. التحليل الأولي لنتائج مثل هذه المهلة كان توقّع سحب اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل. على هذا الأساس، كان انتظار الخطاب، وتوقع مفاجأة يُمكِن أن يحدثها عباس في المحفل الدولي.

لكن المفاجأة كانت في تجاهل أبو مازن كلياً ما أعلنه العام الماضي، ودخوله في سرد للانتهاكات الإسرائيلية، الكثيرة، بحق الفلسطينيين. لم يكتف أبو مازن بذلك، بل أمعن في قول الشيء ونقيضه في آن واحد. وحفلت كلمته بمجموعة من المتناقضات، والتي يمكن ذكر العديد منها. بداية من إعلانه أن إسرائيل لم تعد شريكاً في السلام، وأن السلطة الفلسطينية ستتعامل معها كدولة احتلال، الأمر الذي يمكن النظر إليه بإيجابية، لكن في نهاية خطابه أبدى ترحيباً بما قاله الرئيس الأميركي جو بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يئير لبيد، حول الموقف المؤيد لحل الدولتين، وطالب إسرائيل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. لم يصمد فك “الشراكة” مع إسرائيل أكثر من دقائق معدودة فاصلة بين بداية الخطاب ونهايته، لتعود إلى شريك ينتظر قبوله بالمفاوضات.

في السياق نفسه، يمكن وضع طلبه من الأمم المتحدة تنفيذ القرار 181 الخاص بالتقسيم، والصادر في عام 1947. فرغم أن هذا القرار لم يعد صالحاً للتنفيذ، وهو ما يدركه أبو مازن، نتيجة تغير الظروف التي صدرت خلاله، إلا أنه عاد في نهاية خطابه للحديث عن حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، والتي تعني، بحسب ما هو متعارف عليه، القرار 242 الصادر بعد حرب يونيو/ حزيران 1967.

حتى تعداد الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لم يصمد من دون إدانة الفلسطينيين ومقاومتهم الاحتلال. ففي حديثه مثلاً عن معاناة الأسير ناصر أبو حميد في السجن من مرض السرطان، ومنع الاحتلال أهله من زيارته، لم يتوان عن إدانته باعتباره ارتكب فعلاً جرمياً. إذ قال “إن الأسير ناصر أبو حميد معه مرض السرطان .. طيب أسير وارتكب جريمة بس إنسانيا عليك (الاحتلال) معالجته”. مثل هذا التوصيف لاقى استنكاراً فلسطينياً كبير وإدانات من المنظمات المعنية بمتابعة شؤون الأسرى، فيما دُشن وسم “#اسرانا_مش_مجرمين” للرد على أبو مازن.

لم يتوقف عبّاس عند ذلك، بل زاد عليه بتبنّي الخطاب الإسرائيلي في نعت المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وهو توصيف سبق لأبو مازن استخدامه في عام 2017 من على منصّة الأمم المتحدة أيضاً، ووضعه ضمن سياق ما سماه “الإرهاب المحلي”، مقدّماً النصائح لإسرائيل لمكافحة “التنظيمات الإرهابية”. أول من أمس أيضاًَ، أدرج عبّاس العمل الفلسطيني المقاوم في خانة الإرهاب، قائلاً “لن نلجأ للسلاح والعنف. هذه قاعدة لدينا. لن نلجأ للإرهاب وسنحاربه معاً وسوياً”. من غير الواضح من هو الطرف الآخر الذي يخاطبه عبّاس ليكون شريكاً معه “في مكافحة الإرهاب”، غير أنه لا يمكن تخيّل أن يكون المخاطب غير دولة الاحتلال، وهو فعلياً يعمل معها على هذا، ولعل ما حدث قبل أيام في نابلس خير دليل.

هذه التناقضات في الخطاب لا يمكن اعتبارها إلا انعكاساً لحال التخبط الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، وحالة الانفصام الذي تعيشه بين كونها “سلطة حكومية” أو مجرد “سلطة بلدية” تنفّذ إملاءات الاحتلال.

عن العربي الجديد

Author: حسام كنفاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *