طفولتي حتَّى الآن” لإبراهيم نصر الله- تحوُّلات الهويَّة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

كيف يستطيع الكاتب الفذُّ أَن يحوِّل السِّيرة الذَّاتيَّة إلى رواية مشوَّقة دون أَن يقع في فخِّ السِّيرة؟

يقول إبراهيم نصر الله: أَتعرف ما مصير تلك الرِّوايات الَّتي لا نكتبها؟ ويجيب، ببساطة: إنَّها تصبح ملكاً لأَعدائنا.

ربَّما من هذا المنطلق بالذَّات يغوص إبراهيم في غياهب الذَّاكرة الَّتي حملت كلَّ ملامح المخيَّم، وتلك التغيُّرات الَّتي طرأَت عليه خلال سبعين عاماً، ليس في محاولة تأريخ المخيَّم فقط، إذ إنَّ تلك وظيفة المؤرِّخ، بل من خلال رصد التحوَّلات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وتقمُّص دور الشاعر الرِّوائيِّ القادر على رؤية دلالات الأَحداث، والأَشياء، وظلالها، وما لا يمكن للشَّخص العاديِّ أَن يراه، في محاولة لتسليط الضَّوء على هويَّتها، فإن كان تعريف الهويَّة الفردانيَّة هي السِّمات الَّتي يحملها فرد ما، ضمن المجموعة، والَّتي تميِّزه عن هذه المجموعة، فإنَّ هذه الهويَّة بالضَّرورة نتاج البنية النفسيَّة الَّتي أَنتجتها نتيجة لمجموعة من العوامل المتراكمة الَّتي تحدِّد ملامحها وقد لا تظهر للعيان أَحياناً، حيث تكون بحاجة إلى سبر أَغوار الفرد للوصول إلى هذه الملامح، وفي إطار البحث عن الهويَّة الجمعيَّة، والهويَّة الاجتماعيَّة، لا بدَّ من تفكيك الملامح النفسيَّة السَّائدة في الهويَّة الفرديَّة للوصول إلى أُسس تكوين هذه الهويَّات مجتمعة.

لا بدَّ من الاعتراف بأَنَّ الهويَّة بمعظم مكوِّناتها هي هويَّة متحرِّكة، تتغذَّى على التَّاريخ، وتتحوَّل تبعاً للتطوَّرات الاجتماعيَّة السياسيَّة، سلباً أَو إيجاباً، ما يعني وجوب حماية هذه الهويَّة من التراجع، أَو الانكفاء، أَو حتَّى الاندثار، ولا شكَّ أَن الأَدب والفنون تشكِّل جزءاً من منظومة حماية الهويَّة، وضمان تطوُّرها، من خلال تقديم التَّفسير النظريِّ للواقع، ووضع الحلول النظريَّة أَحياناً، في محاولة للخروج من المآزق التَّاريخيَّة الَّتي تهدِّد استقرار الهويَّة وصولاً إلى تشويهها، أو تآكلها.

فهل أَنتج المخيَّم هويَّته الخاصَّة؟

سيشير نصر الله إلى واقع الهويَّة المهدَّد في لحظة الخروج من فلسطين، حيث أَصبح الفلسطينيُّ لاجئاً، وفقد عنصراً رئيسيَّاً من عناصر الهويَّة، وهو الأَرض، سيشير إلى ذلك على لسان الجدِّ قائلاً: الحمد لله أَنَّنا لاجئون خلف النَّهر لا خلف البحر.ص 64.

ثمَّ سيعود في نفس الصَّفحة ليقول: أَبي علَّمته النَّكبة، لكنَّني كنتُ أَعرف أَشياء أَكثر منه.

وفي عالم المنافي، يتعلَّم الأَبناء بسرعة تفوق سرعة تعلُّم آبائهم.

وفي ص 65 يقول: كان أَوَّل شيء علَّمنا إيَّاه الوعي، هو الحسد، كلَّما عرفنا مخيَّمنا حسدنا عمِّي أَحمد على مخيَّمه أَكثر، مع أَنَّه مخيَّم أَيضاً، لكنَّه مخيَّم في الوطن.

إبراهيم المبدع، الكاتب، الشَّاعر، المؤلِّف الموسيقي، الرسَّام، المصوُّر، إبراهيم الَّذي خرج من طفولته مبكَّراً جدَّاً بسبب الهجرة، والمخيَّم، وقسوة الحياة فيه، كان يبحث دائماً عن الهويَّة الَّتي خاف عليها بالفطرة أَن تضيع، فبقي دائماً يعود إلى النُّقطة الأُولى، منبع الهويَّة، القرية الَّتي كتب عنها كثيراً، وفلسطين الَّتي كانت مسرح أَعماله، معظم أَعماله، محاولاً ربط كلِّ عناصر وجود المخيَّم بفلسطين، خوفاً من انفكاك هذه الحبال الَّتي تربط المخيَّم بها، كان حريصاً دائماً على أَن يوثق هذه الأَربطة، كي لا يفلت المخيَّم في صخب الواقع من فلسطين ويضيع.

فهل أَنتج المخيَّم هويَّته الخاصَّة؟

لا شكَّ أَنَّ المخيَّم كتكوين جغرافيٍّ سينزع إلى تكوين هويَّته الخاصَّة، خصوصاً، كما قلنا، لأَنَّ الهويَّة تحاول التفلُّت من خلال انقلاباتها على ذاتها نتيجة لتطوُّر الواقع، فأَبناء القرية الواحدة، أو المدينة الواحدة، الَّذين جاؤوا بعادات وتقاليد وأَزياء، وروابط محدَّدة، أَصبحوا ضمن شروط المخيَّم جزءاً من تكوين اجتماعيٍّ خليط من قرى، ومدن مختلفة، وكان على اللَّهجات، والعادات، والتَّقاليد أَن تتداخل، وتنتج صفات جديدة، وقد أَنتج ذلك إغناء للشخصيَّة المخيَّميَّة إن جاز التَّعبير، لكنَّ هذه الشَّخصيَّة أَنتجت حدودها الجغرافيَّة المقدَّسة -المخيَّم- وسماتها العامَّة، استناداً إلى الماضي، وليس إلى الحاضر أَو المستقبل، لأَن كلاهما نتاج ملزم من هذا الماضي.

لقد ظلَّ المخيَّم كبيئة حكراً على الفلسطينيِّ الَّذي جاء مهجَّراً من كلِّ مكان في فلسطين، والَّذي يحلم بالعودة إلى فلسطين، ويحمل كرت الإعاشة، كهويَّة ملموسة تثبت هجرته وانتماءه، ثمَّ أَفرز هذا المخيَّم الحركة الفدائيَّة الَّتي عملت على تحرير فلسطين، ومع خروج المقاومة من عمَّان، لم تتغيَّر هويَّة التَّحرير، إذ بقي المخيَّم ينتج العناصر الوطنيَّة الفلسطينيَّة كافَّة دون توقُّف، وهذا ما ذهب إليه إبراهيم.

ففي عام 2019، أَثناء مؤتمر حول القدس عقدته جامعة البتراء، سيقف إبراهيم ليقول:

– من الَّذي نعرفهم أَكثر من الآخرين؟….ويجيب: الشُّهداء.

– ما الَّذي نعرفه عن المنفى؟….ويجيب: الوطن.

– ما الَّذي نعرفه عن الخيمة؟….ويجيب: بيوتنا الَّتي وراءنا.

– ما الَّذي نعرفه عن حريَّتنا؟….ويجيب: أَسرانا.

– ما الَّذي نعرفه عن كهولتنا؟….ويجيب: طفولتنا.

بهذا يلخِّص إبراهيم نصر الله هويَّة المخيَّم.

قال بن غوريون: الكبار يموتون، والصِّغار ينسون، لكنَّ إبراهيم نصر الله، يؤكِّد في هذه الرِّواية على أَنَّ الصِّغار بالذَّات هم الأَقدر على حمل راية فلسطين، “يتعلَّمون بسرعة تفوق سرعة تعلِّم آبائهم” على حدِّ تعبيره، لأَنَّهم تجرَّعوا مرارة المنافي مضاعفة بكلِّ ما تحمل من أَلم وحلم في وطن تشكَّل قطعة قطعة في الذَّاكرة، ببطء، واكتمل عبر تلك الكتابة الَّتي تحوِّل الوطن إلى حالة مقدَّسة لأَنَّها تقترب من التَّجريد وإعادة الخلق من جديد، لكنَّ هذه المهمَّة لم تأت بسهولة، إذ إنَّ الأُمَّ-الوطن هي بالأَساس من شكَّلت هذه الحالة، وهذا الوعي، لقد كان الجيل الأَوَّل- المهاجر، وعلى رأسهم الأُمُّ، هم من وثَّقوا رباط المخيَّم بفلسطين، وشكَّلوا وعي الجيل التَّالي، الَّذي سيشكَّل بدوره وعي الجيل الَّذي سيليه، وهكذا، خوفاً من انفلات المخيَّم وضياعه بعيداً عن فلسطين، وهويَّتها.

لئن شهد المخيَّم كثيراً من التطوُّرات، والتحوُّلات عبر سبعين عاماً، خصوصاً مع كلِّ قوى الشدِّ والجذب الَّتي تحاول أَن تجرِّد الفلسطينيَّ من هويَّته في الخارج ليسهل ابتلاعه، وتوطينه، فقد شكَّلت هذه الحالة هويَّة جامعة للمخيَّم، عنوانها هويَّة تحرير فلسطين، مع كلَّ ما تحويه هذه الهويَّة من عناصر، وقد حاول إبراهيم نصر الله في روايته هذه أَن يضع أَمام أَعيننا عناصر هذه الهويَّة، ليورث الجيل الَّذي يليه الرَّاية في طريق العودة إلى فلسطين.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أحمد أبو سليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *