طبقات اللجوء الفلسطيني


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

كل حرب تفرز مشكلة لاجئين على هامشها.ولأن الحرب تجلب القتل والدمار، فإن من حق البشر الهروب من الموت، والنجاة بأرواحهم وأرواح أولادهم، والعودة إلى ديارهم بعد انتهائها. لكن في حرب العام 1948 التي أسست “دولة إسرائيل”، لم يكن اللاجئون عارضاً هامشياً للحرب. لقد استهدفت الحرب اقتلاع الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين، ودون ذلك لم يكن تأسيس “دولة إسرائيل” ممكنا. فعندما انتهت الحرب منعت إسرائيل اللاجئين من العودة، رغم القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة والقاضي بعودتهم إلى ديارهم.

اختفاء وطن

خلق الطرد الإسرائيلي للفلسطينيين واقعاً كان مستحيلاً بالنسبة لهم، فقد باتوا من دون وطنهم، بين ليلة وضحاها، وتحول هذا الوطن على الخريطة السياسية إلى “دولة إسرائيل”، وما تبقى من الوطن، الضفة الغربية، ضمته الأردن، وقطاع غزة خضع للإدارة المصرية. لقد أصبح الفلسطينيون لاجئين في دول الجوار وفي وطنهم أيضاً، ينتمون إلى مكان اختفى من الخريطة السياسية، وهو ما طرح عليهم أسئلة الوجود والهوية الحادة في شروطهم المعقدة، هل هم أفراد مشتتون؟ هل يشكلون جماعة وطنية؟ ما الذي يجمع بينهم بعد أن فقدوا وعاءهم الجغرافي؟ هل هناك جامع حقيقي بينهم؟ هل يملكون هوية وطنية رغم خسارتهم لوطنهم؟ هل يملكون ثقافة مشتركة؟

AFP
فتيات يشاركن في مسيرة على طول الشريط الحدودي شرقي خان يونس جنوب قطاع غزة في الأول من مايو 2023 بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة

اختصرت تجربة اللجوء حياة الفلسطينيين الحديثة، فقد عاشوا المنفى على مستويين مندمجين، كمنفى جماعي، ومنفى فردي. فكان الانقطاع استمراراً للعلاقة مع الوطن، فلا هو يعيش هناك، ولا يكف عن الانتماء إلى هناك في الوقت ذاته، ما تُرك هناك سيستعاد يوماً، وهذا هو الحلم الفلسطيني الذي اقتات الفلسطينيون عليه، رغم كل النكبات التي تعرضوا لها في تاريخهم الحديث.

طوال العقود المنصرمة، عاش الفلسطيني في دول الجوار بما يذكره بعدم انتمائه إلى المكان، ما شكل أحد الأسباب التي جعلته غير قادر على الانسجام مع المحيط الجديد. وعمل الضغط الخارجي من الدول المضيفة بعدم الرغبة به، كعامل إضافي لإنتاج “المخيم” الفلسطيني والحفاظ على استمراره بأشكال مختلفة.

اختصرت تجربة اللجوء حياة الفلسطينيين الحديثة، فقد عاشوا المنفى على مستويين مندمجين، كمنفى جماعي، ومنفى فردي

غرباء في أوطان الإخوة

أعادت تجربة اللجوء تشكيل الفلسطينيين بوصفهم غرباء في أوطان الإخوة، لكنهم في انتظار العودة إلى وطنهم. وهو ما أنتج ثقافة فلسطينية تقوم على المؤقت، بوصفه الثابت الوحيد في حياتهم طالما أن حلمهم بالعودة إلى وطنهم لم يتحقق. وأصبح عليهم مع طول فترة المكوث في المنافي، إدماج هذا المنفى في حياتهم والتصالح معه إلى حد ما. ومع الوقت، تعمق المنفى وانتقل من تجلياته كحالة جماعية، وأخذ طريقه إلى الحالة الفردية، وأصبح هناك أبناء منفى، ليس بمعنى الانتماء فحسب، بل بالولادة أيضا. تشتت الفلسطينيون عام 1948 في الدول المجاورة، التي استضافتهم على مضض وعلى أساس مؤقت. وهكذا تغيرت طبيعة الجماعة الفلسطينية بشكل متزايد مع تغير المكان الذي يعيشون فيه، وبات عليهم أن يخترعوا حياتهم ووطنهم من تشظي المنافي وتناثر السكان، فعندما اختفى الوطن بات على الفلسطينيين أن يكونوا بديلاً عن بلادهم التي اختفت تحت اسم “إسرائيل” أيضاً.

Getty Images
جنود إسرائيليون يرافقون فلسطينيين مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين للاستجواب في قاعدة عسكرية في 12 يوليو 2007 على الحدود مع قطاع غزة

لأن الاقتلاع شتت الفلسطينيين، كان عليهم استبدال الخيال بالجغرافيا ليعيدوا صناعة فلسطين في أماكن لجوئهم، لم تكن وظيفة هذا الخيال الإبداعية الحفاظ على الوطن السليب من النسيان فحسب، مع أن هذه كانت إحدى مهماته التاريخية الكبرى، بل كان على هذا الخيال (وعلى الرغم من اختفاء الوطن الفلسطيني) أن يشتق المستقبل الفلسطيني أيضاً. أعادت التجمعات الفلسطينية تشكيل نفسها كمجتمع واحد في المنافي بوصفه مجتمعاً جديداً وحديثاً، وبنى مشروعه الوطني بالتضاد مع المنفى. وبذلك تحول من ضحية عارية في منفى نهائي، إلى ضحية صاحب مشروع تاريخي، يستحق استعادة حقوقه.

لم يعنِ هذا أن المنفى لم يكن كارثة على الفلسطينيين، فقد فقدوا القدرة على الإمساك بحياتهم منذ فقدانهم وطنهم، وباتوا يعيشون في بلاد الآخرين، ولو كان هؤلاء إخوة وأشقاء. وهذا ما جعل شروط لجوئهم مختلفة، حيث حسد الضحايا بعضهم بعضا، فحسد اللاجئ في لبنان المحروم من العمل، اللاجئ في سوريا الذي مُنح حق العمل، وحسد اللاجئ في سوريا الذي لم يُمنح حقوقا سياسية وحددت ملكيته بشقة سكنية واحدة شرط أن يكون متزوجاً حسد اللاجئ في الأردن الذي منح المواطنة وكل الحقوق السياسية.

أعادت تجربة اللجوء تشكيل الفلسطينيين بوصفهم غرباء في أوطان الإخوة، لكنهم في انتظار العودة إلى وطنهم. وهو ما أنتج ثقافة فلسطينية تقوم على المؤقت

ولادة وطنية جديدة

لا أبالغ إذا قلت إن الهوية الوطنية الفلسطينية كانت أكثر تبلوراً من شقيقاتها العربيات بحكم الاقتلاع. ليس بسبب ميزات في العيش الفلسطيني، بقدر ما هو بسبب عيب في هذا العيش الذي أنتجه المنفى، فبات على الفلسطينيين أن ينتجوا علاقة مع وطنهم المسلوب أكثر وضوحاً من البلاد العربية التي لم تُسلب من سكانها، ما جعل رابطها الوطني أقل تبلوراً بحكم غياب التهديد الوجودي الذي تعرض الفلسطينيون له.

Getty Images
صورة نُشرت في 15 سبتمبر 1948 تظهر عددا من اللاجئين الفلسطينيين قرب قريتهم بعد استسلامها خلال حرب 1948 ضد إعلان دولة إسرائيل

لذا فإن الحياة الثابتة والمستقرة والمتجانسة التي عاشها الفلسطينيون في وطنهم قبل الاقتلاع، باتت أوضح في المنافي، وإذا كانت الجغرافيا قد اختفت، فهي لم تغِب من حياة الفلسطينيين في المنافي. الاستقرار الذي لم ينتبه الفلسطينيون له وهم يعيشون في بلادهم، أدركوه عندما فقدوه، فما كان منهم إلا أن أدمجوا الوطن المستقر في المنفى القلِق. لقد استطاع الفلسطينيون عبر هذه العملية أن يُرقّعوا المنفى بقطع الوطن التي استعادوها في منفاهم، حتى يصبح المنفى قابلاً للاحتمال. لذلك أخذت الحارات والمحلات التجارية الصغيرة والبائسة في المخيمات أسماء المدن والقرى والجغرافيا الفلسطينية.

بذلك أخذت الأشياء الصغيرة في الحياة الفلسطينية معناها المتجاوز لقيمتها، وأخذت دلالات ماورائية، الصور الفوتوغرافية، الملابس، الأشياء المنتزعة من مكانها الأصلي، طقوس الكلام والعادة. و”جميعها أعيد إنتاجها بكثرة وكبرت، وحُولت إلى فكرة أساسية، وطرزت وتنوقلت كخيوط في نسيج العلاقات التي نستعملها، نحن الفلسطينيين، لنربط أنفسنا بهويتنا ولنربط الواحد بالآخر”. لقد أدى ضياع “ثبات الجغرافيا” وضياع “تواصل الأرض” إلى ضياع قدرة الفلسطينيين على أن يتشابهوا إلا بوصفهم “منفيين” على حد تعبير إدوارد سعيد.

الحياة الثابتة والمستقرة والمتجانسة التي عاشها الفلسطينيون في وطنهم قبل الاقتلاع، باتت أوضح في المنافي، وإذا كانت الجغرافيا قد اختفت، فهي لم تغِب من حياة الفلسطينيين في المنافي

اختراع المخيم

استهلك المخيم المؤقت حيوات أجيال كاملة من الفلسطينيين، وأصبح له تكوينه التاريخي والاجتماعي والسياسي الخاص، وبات سردية كبرى من سرديات التجربة الفلسطينية، ليست سردية لمؤقت يتلاشى سريعاً في منفى لا يريد أن ينتهي، وليست سردية مؤقتة في انتظار وطن تحققت العودة له، فبات تاريخاً وذكرى، وفي هذا الانتظار الطويل تحول المخيم إلى وطن ثانٍ، وبات امتداداً لفلسطين أو بديلاً لها، فقد أصبح للفلسطينيين وطن من طابقين، إذا جاز التعبير، وطن اليوم وهو المخيم، ووطن الحق التاريخ وهو فلسطين.

Getty Images
لاجئون فلسطينيون من مدينة حيفا في بورسعيد بمصر في 3 مايو 1948

ولأن الفلسطينيين لم يعترفوا بأن الوجود الطويل في أرض الآخرين يحولهم إلى ناس آخرين، ينتمون إلى غير البلاد المسلوبة، ويفقدهم الصلة بوطن سينتظرونه لأنه لا وطن لهم غيره. يعتبر أهالي المخيم أنفسهم نسل فلسطين وليسوا نسل آبائهم، الذين كانوا الوسيلة لجعلهم ينتمون إلى مكان لم يولدوا فيه، ولدوا بعيداً عنه، لكنهم ولدوا منه على بقعة خارجية تنتمي إليه كأي بلدة أو قرية أو مدينة فلسطينية، هذه البقعة هي: المخيم.

 في الانتظار الطويل تحول المخيم إلى وطن ثانٍ، وبات امتداداً لفلسطين أو بديلاً لها، فقد أصبح للفلسطينيين وطن من طابقين، إذا جاز التعبير، وطن اليوم وهو المخيم، ووطن الحق التاريخ وهو فلسطين

معنى المخيم

إذا أردت أن أُعطي تعريفًا للمخيم، وأنا ابنه، أقول إنه مكان بناه الغرباء على هامش المدينة. بنوه بإحساس المؤقت، بإحساس الضحية التي تتعامل بشكل خاص مع الأماكن التي تمر بها وتسكنها. وعادة ما تتعامل عبر تطرفين: الأول، أن لا ترى الضحية المكان نهائياً، بصفتها عابرة في مكان عابر. الثاني، أن تضفي على المكان روحها، أن تُحمِّل أجمل ما في تجربتها السابقة إلى المكان الجديد، وتبنيه من روحها، وهذا ما يفسر تعلق سكان المخيم بالمكان البائس الذي سكنوه، فهم لا يرون بؤسه، إنما يرون روحهم في المكان، غرباء بنوا مكاناً يشبههم وجبلوا طينه بروحهم.

عندما يبني الغرباء المكان، يبنونه مفتوحاً على الخارج، لأن الضحايا تبحث عن ضحايا مثلهم، لا ليشاركوها المكان فقط، بل ليخففوا الألم عن بعضهم البعض، وهذا المخيم ببيوته الضيقة كان مفتوحاً على الحارة وعلى الشارع وعلى المدينة وعلى البلد وعلى العالم.

Getty Images
شارع مزدحم داخل مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمان الأردن، 2 فبراير 2019

بالنسبة للفلسطيني، المخيم هو المكان الذي صنع فيه وطنه من الحلم في مواجهة الاقتلاع، بالتالي هو المكان الذي اخترع فيه هويته، وأصبح المخيم هو الوطن/الحلم، الذي امتنع عن التحقق في الواقع على مدى عقود، هذا صحيح، لكنه على كل عيوبه هو الذي منح الفلسطيني هويته. لذلك، يمكن القول إن المخيم شكل تجمعاً للحالمين الذين نسجوا وطناً من الذاكرة ومن الحلم صنعوا شعباً في جغرافيا الآخرين مخترعين هويتهم من جديد، هوية أحبوها وتلبسوها وأصبحت مكوّنهم الأساسي، وفجروا ثورة في ظروف مستحيلة.

عندما يتفكك المخيم ويختفي يشعرون بأن هويتهم مهدّدة، بالتالي يتفكك الحلم وتتفكك الهوية الشخصية، وهي العملية التي بدأت في اتفاق أوسلو، والتي قالت للاجئين لا مكان لكم في مستقبل المنطقة. يحطم تفكيك المخيم الحالمين كجماعة يساندون حلمهم، لأنهم يفقدون المخيم، لذلك يتمسك الفلسطيني اللاجئ بالمخيم لا بوصفه مكاناً للبؤس، بل مكان لصناعة الحياة بوصفها هوية شخصية وجماعية. ولا يمكن فهم الحنين الذي يكنه اللاجئون الفلسطينيون في المنفى الأوروبي لمخيمات البؤس في لبنان وسوريا دون هذا الأساس المكون لنظرتهم الخاصة للمخيمات، التي تتجاوز بؤس المكان لترى جمالية الحالمين الذين يعيشون فيه.

بالنسبة للفلسطيني، المخيم هو المكان الذي صنع فيه وطنه من الحلم في مواجهة الاقتلاع، بالتالي هو المكان الذي اخترع فيه هويته، وأصبح المخيم هو الوطن/الحلم، الذي امتنع عن التحقق

وطنية بفعل النكبة

لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الوطنية الفلسطينية الحديثة ولدت من الانقطاع التاريخ الذي تسبب فيه إعلان دولة إسرائيل ودخول الفلسطينيين تجربة الاقتلاع من الوطن. أي ولدت الوطنية الفلسطينية بعد غياب الوطن عن الخريطة السياسية وبعد غياب أصحاب الوطن عن أرض وطنهم.

ويمكن اعتبار هذا الانقطاع في التجربة الفلسطينية، قطيعة نهائية مع التاريخ الفلسطيني السابق.

بمعنى آخر، لقد ولدت الوطنية الفلسطينية الحديثة بفعل هذا الحدث التأسيسي للتجربة الفلسطينية، وبذلك يكون تشكل الوطنية الفلسطينية الحديثة هو وليد النصف الثاني من القرن العشرين زمنياً، ووليدة نجاح المشروع الصهيوني ببناء دولة إسرائيل على أنقاض الوطن الفلسطيني، ما عنى غياب الأرض الفلسطينية عن الجغرافيا.

Getty Images
لاجئون فلسطينيون من مدينة حيفا في بورسعيد بمصر في 3 مايو 1948

وإذا ذهبنا خطوة إضافية إلى الأمام يمكن القول- وهو ما يحتاج إلى الكثير من النقاش- إن الشعب الفلسطيني ولد في هذا السياق الزمني والحدثي، بمعنى أن الشعب الفلسطيني، كما الوطنية الفلسطينية الحديثة، ولد بفعل النكبة التي عاشها من فقدان الوطن وقيام دولة إسرائيل عليه، وليس قبلها، وشكل المخيم أساساً مكوناً لهذه الوطنية.

وقد تشاركت تجمعات الفلسطينيين الذين بقوا داخل وطنهم والذين ذاقوا مرارات اللجوء في صناعة هذه الهوية. فالوطنية الفلسطينية الحديثة تكونت في مواجهة إلغاء وإخفاء شعب وآثاره في بلده وهو جوهر المشروع الصهيوني الذي لم يكتفِ باحتلال الأرض والسيطرة عليها وطرد سكانها فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك، يريد احتلال التاريخ، من خلال رواية أخرى مختلقة، ومسح آثار شعب بتغيير أسماء الأماكن، على اعتبار استخدام أسماء جديدة ينفي عن الأرض هويتها الأصلية ويعطيها الصفة التي يريدها الاحتلال، بوصف الأرض تنتمي إلى المحتل، ليس بفعل احتلاله، بل بفعل تاريخ طويل مُختلق وكاذب يعود إلى ثلاثة آلاف سنة خلت.

تشكل الوطنية الفلسطينية الحديثة وليد النصف الثاني من القرن العشرين زمنياً، ووليدة نجاح المشروع الصهيوني ببناء دولة إسرائيل على أنقاض الوطن الفلسطيني

غرباء لاجئون ومواطنون

لا أبالغ إن قلت إن مخيم اليرموك، الذي ولدت فيه وعشت فيه جل حياتي، هو قصة حب بين الغرباء والمكان الهامشي في المدينة، أعادوا بناء فلسطينيتهم من أجسادهم الحيّة في هذا الحيز القصي، والذي لم يملكوا غيره، وكانوا بحد ذاتهم وطناً يتنقل في أوطان الآخرين. تطابقت حياة الغرباء مع بطاقة بلاستيكية مربعة اخترعتها سلطة جائرة، تقول إنها “بطاقة إقامة مؤقتة للاجئين الفلسطينيين”.

AFP
امرأة تحمل حزمة قمح ومفتاح يرمز إلى المنازل التي تركها الفلسطينيون عام 1948، خلال مسيرة على طول الحدود شرق خان يونس

تناسل اللاجئون لاجئين، انتموا جميعاً إلى نكبة 1948، حتى الذي ولد عام 2000 كتب في سجلاته: “لجأ إلى سوريا عام 1948″، هذا مجاز الواقع الذي تجاوز كل مجاز شعري. لم يحب الفلسطينيون تعبير “اللاجئ” في الوقت الذي أحبوا فيه تعبير “المخيم” مع أن الاثنين يقولان شيئاً واحداً. ليس لأنهم يرغبون في البقاء داخل أوطان الآخرين، بل لأن كلمة “اللاجئ” عمقت الجرح، وجرحت من ولد بعد اللجوء وانتمى إليه، بينما عنى تعبير “المخيم” المؤقت الفلسطيني العابر إلى الفردوس المفقود.

عندما عجنت (طحنت) الطائرات “الوطنية” السورية سكان مخيم اليرموك بدمهم، معلنة بدء لجوء جديد. في اليوم التالي، ساروا معا، سوريون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم، وفلسطينيون يحملون مفاتيح بيوتهم في المخيم ومفاتيح بيوتهم في فردوسهم المفقود. عادوا ليحملوا أحلامهم في صُرر ثيابهم المربوطة على عجل لرحيل جديد. وبات فلسطينيو اليرموك “المنعوفون” (الموزعين والمشتتين) في كل أصقاع الأرض، يبحثون عن “مخيم” جديد ليفتحوا صُرر أحلامهم التي لا تنتهي.

تناسل اللاجئون لاجئين، انتموا جميعاً إلى نكبة 1948، حتى الذي ولد عام 2000 كتب في سجلاته: “لجأ إلى سوريا عام 1948″، هذا مجاز الواقع الذي تجاوز كل مجاز شعري

أنا أكبر من إسرائيل

عندما يكون اللاجئ الفلسطيني في دول الجوار، يجري اضطهاده لتذكيره بأنه فلسطيني وله الحق في العودة إلى فلسطين، ولذلك، لا يحق للفلسطيني أن يصبح لبنانياً أو سورياً للحفاظ على قضيته الكبرى التي يجب أن يعاني من أجلها. لكن، عندما يأتي إلى الدول الأوروبية، تنكر عليه هذه الدول فلسطينيته، فكل اللاجئين الذين يأتون إلى أوروبا، لهم أوطان يُنسبون إليها، هذا إثيوبي وهذا عراقي، وهذا بلغاري… إلخ. إلا الفلسطيني وعددا قليلا من الملعونين مثله، يصبح “stateless” أي “بلا وطن”.

AFP
مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، جنوب بيروت، في 14 أبريل 2023

عندما لجأ أخي علي المولود في فلسطين في العام 1938 إلى سويسرا في العام 2014 بسبب المذبحة السورية، سأله المحقق في دائرة الهجرة السويسرية عن مكان ولادته فأجاب: “ولدت في فلسطين”. قال المحقق: “تقصد إسرائيل؟”، أجاب أخي المحقق غاضباً: “لا، ولدت في فلسطين، أنا أكبر من إسرائيل بعشر سنين”.

بعد العيش في ثلاثة بلدان لجوء مختلفة، عرفت أن اللجوء وشم في الروح، وشم يدّلنا ويدّل الآخرين على أننا غرباء، مطلق غرباء، من لا يعيش الطبيعي لا يعرفه، يبقى غريباً حتى مماته.

عن المجلة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *