رواية “صوت السماء: حكايات عن الحرب والحب” لـ سمير الزبن

صدرت حديثًا عن دار لاماسو في السويد رواية “صوت السماء: حكايات عن الحرب والحب” للكاتب سمير الزبن. تحاول هذه الرواية أن تكون معادلًا أدبيًا للخراب في زمن الحرب، ولسؤال الهوية والحب وسط الرصاص والرماد. هذه الرواية التي تتجاوز حدود السرد التقليدي تأخذنا في رحلة عبر انكسارات البشر، وتفكك العائلات، وتحوّل الوطن إلى شظايا وذكرى متصدعة.
هنا، لا تروي “صوت السماء” الحرب فحسب، بل تُعايشها بكل طيف الألم الواسع في البلد أيضًا: من سؤال “من نحن؟” إلى خوف طفل من صوت الريح… من امرأة تكره القمر بسبب الحرب، إلى منافٍ لا تنتهي. الرواية تراقب بعين السماء وألم الأرض تلك اللحظات التي يتحول فيها الإنسان من كائن يتشبث بالمبادئ، إلى كائن يحاول النجاة بأي ثمن.
تحاول الرواية الإمساك بجذور الأوجاع التي تتسبّب فيها حرب طويلة، حيث تنغمس في عمق تجارب شخصية مؤثرة، تتفاعل وتتشكّل تحت وطأة الحرب وقسوتها التي لا تنتهي على البشر، تلتقط الرواية تحوّلات لتجارب إنسانية معقّدة، وتكشف التأثير العميق للحرب على العلاقات العائلية والصداقة، وكيف تتداخل تلك العلاقات مع تحديات قاسية، مثل النزوح، والتغيّرات الاجتماعية، في أزمنة بالغة الصعوبة. تُبرز الرواية اللحظات المفصلية في حياة شخصياتها، التي تروي بصوتها تجاربها مع الحرب وتداعياتها المدمّرة، وما تحمله من أحلام ومخاوف شكّلت معالم هذه الحيوات في لحظات الخطر والاقتلاع.
ينقسم السرد إلى أقسام، يروي كل قسم منها حكاية عائلة، في حين يقدّم كل فصل حكاية فرد من أفراد تلك العائلة، لتشكّل الفصول معًا طيفًا غنيًا من التجربة الإنسانية في أقسى الظروف. كما تصوّر الرواية الهروب، والخوف، والبحث عن الأمان في أوج حرب طاحنة، وتسلّط الضوء على الصراعات بين الضحايا أنفسهم، حول المصالح والهوية والانتماء، وتنازعهم على الموارد القليلة المتوافرة. كذلك، ترصد لحظات القوة والضعف لدى البشر حين يُمتحنون بالخطر والقهر.
تُفتتح الرواية بسقوط قذيفة على قبرَي الجدّ والجدّة المتجاورين في مقبرة داخل مخيّم فلسطيني جنوب مدينة دمشق. تُحرِّر هذه القذيفة روحي الجدين، فيشرعان في حوار حول مصير العائلة: هل تبقى في مكانها، أم تهرب من الموت الذي تحمله الحرب؟ تستعيد روحا الجدين في هذا الحوار خلافًا قديمًا بينهما يعود إلى نكبة فلسطين، حول البقاء، أو الرحيل. يتمكّن كل فرد من أفراد العائلة من سماع حوار الجدّين، فيدفعهم ذلك إلى استحضار تجاربهم الشخصية مع النكبة الجديدة، كلٌّ يروي تجربته بطريقته وصوته. تسعى الرواية لكشف أبعاد التجربة الإنسانية في ظل الحرب، وتتبّع آثارها على أجيال مختلفة من العائلة، نساءً ورجالًا. فطيف النكبات التي تسببت فيها الحرب السورية، الممتدة على أربعة عشر عامًا، أوسع وأعمق من أن تغطيها رواية واحدة، حتى لو كانت بحجم “صوت السماء” التي تتجاوز 1300 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على جزأين.
كما تصوّر الرواية اللحظات والقرارات الصعبة التي تفرضها أخطار الحرب: التردّد، الخوف من اتخاذ قرار الهرب، والتعامل مع القصف الوحشي من قِبل الضحايا الذين ليسوا طرفًا في الصراع الدموي. وتبيّن كيف تجعل الحرب الخوف من كل شيء أمرًا ممكنًا، حتى إن الليل والعتمة قد يُصبحان أكثر رعبًا من القذائف نفسها. كأن يحمل طفلٌ شقيقه الصغير لساعات طويلة وسط الظلام، مرتجفًا من صوت الريح. تتجلى الصدمة حين تهرب إحدى الشخصيات من الحرب وصولًا إلى أوروبا، لتجد نفسها في سفينة متجهة إلى قبرص، التي لا تصلح للجوء، وذلك بعد رحلة بحر مرهقة ومخيفة. تُبرز الرواية هشاشة الحياة في أوقات الصراعات والحروب، وتُظهر التعقيدات الكامنة في العلاقات العائلية: الرضوخ والتمرّد، خصوصًا بين النساء.
تُبيّن الرواية كيف تتأثّر جميع التجارب والعلاقات الإنسانية في أثناء الحرب، نتيجة للخسائر المتكررة للأحبة، وبسبب من الضغوطات الداخلية والخارجية، والصراعات السياسية. إذ بدأت القصة باحتجاجات سلمية على أوضاع معيشية صعبة، ومطالب متواضعة، في مدينة درعا، لكنها ما لبثت أن تدحرجت لتتحوّل إلى حرب مدمّرة شنّها النظام على الشعب السوري. هذه الحرب لم تترك عائلة في البلاد من دون أن تُصيبها بتغيير جذري، بفعل الجرائم المرتكبة على مدار سنوات طويلة. حتى إنها تسبّبت بانقسامات داخل العائلة الواحدة، ومزّقت روابط القربى، وجعلت التعايش مع أقرب الناس شبه مستحيل. وتقدّم الرواية أيضًا شخصيات عاشت الظلم لسنوات طويلة حتى قبل اندلاع الحرب، ثم استمرّت معاناتها وازدادت خلالها، في دوامة لا تنتهي من القهر والصمت.
ولا شك في أن الحرب تفرض شروطًا قاهرة على الجميع، لكن ثمّة من ينجون أكثر من غيرهم، أو يمكن القول إنّ مأساتهم أقلّ وطأة من الآخرين، ضمن معادلة ظلم لا تنتهي. كما أن قدرة البشر على التعامل مع النكبات الكبرى تتفاوت، فهنالك من ينتصرون على ظروفهم ويحققون النجاة، وهنالك من تلتهمهم الحرب، أو تفتك بأحبّتهم. وعند بعضهم، يبدو التمسّك بالمبادئ ترفًا لا ينسجم مع قسوة الواقع، ما يفضي أحيانًا إلى انهيار أخلاقي في زمن الحرب. وهنا يُطرح سؤال كبير ومهم حول القيم الشخصية والتنازلات التي يمكن للمرء أن يقبل بها، أو يرفضها، تحت ضغط الظروف القاهرة.
تنعكس آثار الخسارة والصدمة في شخصية تشعر بأنها ماتت من الداخل، وفقدت المعنى في الحياة بعد خسارة الحبيب الذي ابتلعه السجن. وأخرى باتت تكره القمر، لأنه في ليلة المجزرة لم يُخفِ هروبهم، بل فضحهم أمام القتلة. حتى المرض يظهر كعامل إضافي يدمّر استقلالية الإنسان خلال الحرب، ويجعله معتمدًا على الآخرين، ما يغيّر طبيعة العلاقات وديناميكيتها. ورغم كل المآسي التي تسببها الحرب، تستمرّ الحياة، ويُصرّ البشر على المقاومة من أجل البقاء. إذ يجدون في التفاصيل الصغيرة طوق نجاة، أو في القدرة على الصمود شهادة على قوة الروح البشرية، حتى وهي مجروحة ومُحطّمة.
تسعى الرواية إلى رسم لوحة بانورامية غنية بالتفاصيل المؤلمة لمفاعيل الحرب، تلك التي تُخرج من الإنسان أسوأ ما فيه، أو أفضل ما فيه. فالبشر يصنعون تجارب مضيئة وسط أحلك الظروف، ويظلّ السؤال الذي تحاول الرواية الإجابة عنه، عبر مصائر شخصياتها، هو: كيف تشكّل الأحداث المؤلمة الأشخاص الذين يعبرونها؟ وكيف يجد الأفراد القوة، ليس للنجاة فحسب، بل لإعادة بناء حياتهم من جديد أيضًا، بعد أن حوّلتهم النكبات إلى غبار ورماد.
تُبرِز “صوت السماء” كيف تتحول الكارثة إلى مرآة حادة تعكس هشاشتنا كأفراد، وتعيد تشكيل وعينا الجماعي وهويتنا في أزمنة الخراب. ليست الرواية استذكارًا للألم فحسب، بل أيضًا تفكيكًا دقيقًا لما تتركه الحرب في الروح، وفي فكرة الوطن ذاتها. بوعي سرديّ رفيع، تنجح الرواية في أن تجعل من الحكاية الفلسطينية والحكاية السورية امتدادًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ويصوغ الكاتب عبرها عملًا أدبيًا واسع النَفَس، لا يكتفي بأن يسجّل ما جرى، بل يطرح علينا أسئلته الأخطر: ماذا يعني أن نحيا بعد أن ينكسر كل شيء؟ وهل تُبنى الهويّة من الرماد؟

(عن ضفة ثالثة )

لقراءة الرواية الجزء الأول بصيغة pdf

لقراءة الجزء الثاني من الرواية بصيغة pdf

About The Author

الفكر 1 على “رواية “صوت السماء: حكايات عن الحرب والحب” لـ سمير الزبن

  1. ​الرواية بعنوانها وموضوعها تبدو وكأنها رحلة أدبية عميقة ومؤثرة في أدب الحرب وسؤال الهوية الإنسانية في زمن الخراب. الوصف يشد الانتباه حقًا، خاصة التركيز على تحولات البشر وصراعهم من أجل النجاة، وكيف تتشظى العائلات والوطن.
    ​أتمنى للرواية كل النجاح والانتشار الواسع لتصل رسالتها المؤلمة والعميقة. أتطلع لقراءتها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *