“صوت السماء”: حين يروي المنفيون حكاياتهم عن الحرب (1-2)

تُغيّرُ الصراعات والحروب الأهلية الممتدة زمانيًا ومكانيًا من مصائر البشر الذين يعيشون تحت أزيز رصاصها وانفجار قذائف مدفعيتها، وصواريخ وبراميل طائراتها المتفجرة. ولا تقتصر الآثار المدمرة لهذا النوع من الصراعات على القتلى والمصابين، وتدمير البيوت، فهنالك أبعاد لا تقل وحشية عن القتل والإصابات الجسدية وتدمير البيوت، مثل الاعتقالات والتعذيب المستمر حتى الموت، وتهجير العائلات وطردها خارج أماكن سكنها، لتمر بتجارب مذلة ومهينة تدمر حياة ومستقبل أفرادها صغارًا وكبارًا. لقد مرَّ ضحايا الصراع الدموي السوري بطيف هائل من تجارب أكبر من التي ذكرت، كوت وعيهم، ودفعت حيوات الضحايا في مسارات، لم يتوقعها أصحابها، ولم يتخيلوها، ما اضطرهم إلى إعادة اختراع حياتهم المرة بعد المرة في قلب الآلام الذي لا تنتهي. لذلك، يبدو الاشتغال على عمل روائي يحاول الإحاطة باتساع آلام الحرب وتأثيرها على أجيال عدة من البشر هو مغامرة كبرى.
من قلب الجحيم السوري وآلامه، ينهل الروائي سمير الزبن مواد مغامرته الكبرى، في روايته الملحمية “صوت السماء: حكايات عن الحرب والحب” (1300 صفحة في جزأين – صدرت عن دار لاماسو 2025).
تروي كثير من الشخصيات حكايتها بلسانها عبر صفحات الرواية، وتترتب أقسام وفصول الرواية عبر شجرة عائلة، الجدّين اللذين تقتلع قذيفة من قذائف الحرب قبرهما في مخيّم اليرموك، وتجعلهما يعودان للحديث عن اللجوء من فلسطين الموازية لما يعيشه الأولاد والأحفاد في لجوئهم الجديد. كل قسم في الرواية حكاية عائلة، وفي كل فصل تروي شخصية من الأبناء والأحفاد حكايتها مع الحرب. وفي الفصل الخامس يروي ابن الروائي الذي لم يكمل هذه الرواية عن عائلته، شتات الحكايات، وليجمع أغصان شجرة العائلة وفروعها إلى جذع الشجرة، ويروي حكاية عائلته التي لم يروها والده الذي سرقه الموت قبل إكمالها.

حوار الأموات
حوار الجدّين اللذين يعودان من موتهما، يخلَقُ في الرواية رابطًا روحيًّا وفنيًا بين جدَّين ميتين وأبنائهما وأحفادهما، ليصوّر أثر الصراع السوري الدموي والطويل على أجيال عدة وهم يغادرون مخيّم اليرموك بعد قصف الطائرات الحربية، التي تعلن المخيّم منطقة منكوبة. يغادره أغلب سكانه من فلسطينيين وسوريين على عجل في صباح اليوم التالي، فتشتغل الرواية على تقاطع المصير الفلسطيني ـ السوري المأساوي في التجربة السورية.

ذاكرة الألم الممتد
تمزَّق قذيفةٌ مدفعية تقع على المقبرة في مخيّم اليرموك قبري الجدَّين، فتتحرَّر روحا الجدين الفزعتَين من تاريخ يعيد نفسه. يشرعان في حوارٍ حول مصير الأبناء والأحفاد قبل مغادرتهم المخيّم: هل يبقَون في أماكنهم، أم يتركون المكان؟ أَيُكرِّر الأبناء والأحفاد تجربةَ اللجوء التي عاشها الجدَّان أحمد خليل، وآمنة خليل؟ وهل يذهبون نحو متاهةِ لجوءٍ جديدة؟ يفتتح حوار الجدين المسارات المتعرجة للروايةُ، لتصوّر مصائر شخصياتها، وتجاربهم المتباينة، في الحبِّ والأمل والخيبة والخوف والهرب، الضعف والقوة البشريين في لحظات حاسمة تحطم الأحلام السابقة وتهشّمها.

“حوار الجدّين اللذين يعودان من موتهما يخلَقُ في الرواية رابطًا روحيًّا وفنيًا بين جدَّين ميتين وأبنائهما وأحفادهما، ليصور أثر الصراع السوري الدموي والطويل على أجيال عدة وهم يغادرون مخيّم اليرموك”

يصل صدى الحوار إلى كلِّ الأبناء والأحفاد، في أربع بقاع الأرض: من اليرموك إلى صحنايا، فالسعودية، وسويسرا، والإمارات، وألمانيا، وحتى ماليزيا…
بفضل الجدين، يعود السردُ لرواية النكبة الأولى، سردٌ يُشعرك بأنَّ الجدَّين لم يموتا، بل إنَّ روحيهما عادتا تصرخان لتستذكرا تفاصيل المأساة الأولى. أقول، “سرديَّتي الجدَّين أحمد وآمنة”، لأنَّهما سرديَّتان ترويان تفاصيل رحلة حياتهما المشتركة، الحياة من زاويتين مختلفتين: الجدُّ، الذي يريد من الأبناء والأحفاد أن يتركوا المخيّم، حفاظًا على حياتهم وحياة أبنائهم. الجدة، التي تطلب منهم التمسّك بالمكان، لا تريد لهم أن يُعيدوا تكرار مأساة اللجوء الأوّل. تقول: “دعْهم يبقَون في مكانهم، لا تُغادروا بيوتكم حتى لو تهدَّمت؛ فالمنافي موتٌ متكرِّر… المكان حياتُنا حتى لو تهدَّم، لا تتركوا ذكرياتِ أولادكم بين الغرف وتهربوا، منازلُنا هي الحياة، ومن دونها نموت”. فيما صرخةُ الجد تقول: “اهربوا؛ المكانُ الآمن هو مكانُنا، لا حياةَ مع القذائف، الصمودُ عبثيٌّ”.
بعد هذا الحوار تمضي الرواية في سردِ تفاصيل حكايات أفراد العائلة عن اليرموك؛ حكايات محمَّلة بدموعٍ القهر من الجميع على فراق البيت والدار والأحلام، التي بنوها في سنوات حياتهم في المخيّم.

بين لجوئين

يسمع عبد الرحمن، الابن الأكبر، كأخوته وأخواته، حوار الجدّين، لكنه لا يبالي، فهو في الأصل لاجئ عند بيت حماه. بعد قصف الطائرة، يحزم ما تيسَّر له من أشياء أساسيّة على دراجته الهوائية، ويمضي هاربًا خائفًا مع ابنته وزوجته، كما مضى نهرٌ من البشر مغادرًا للمخيّم. ومن هناك بدأت دمشقُ بابتلاعهم وأحزانهم على مهل.
لم يغِبْ عن الرواية أبدًا استحضارُ النكبة الأولى؛ فقد شهد عبد الرحمن اللجوء الأول طفلًا، وفي شيخوخته يعيش لجوءًا أكثر قسوة. ما يجعل التداخلَ التاريخيَّ بين الحدثين يبدو وكأنَّه حدثٌ واحد، من حيث نتيجته: أي التهجيرُ والاقتلاعُ وفقدانُ المكان. ففي النكبة الأولى (1948) فَقَدَ الفلسطينيُّ أرضَه، وفي نكبة اليرموك فَقَدَ الفلسطينيُّ وطنَه المتخيَّل.

الحب والمقاومة
عائدة ابنة عبد الرحمن، الفتاةُ المتمرِّدةُ، الحالمةُ بحياةٍ بسيطة، كانت تدرك في أعماقها أنَّ حلمَها كبير، رغم بساطته؛ فأنْ تحلُمَ بنهايةٍ سعيدةٍ لعلاقةِ حبٍّ مع شابٍّ مسيحيٍّ لم يكن أمرًا هيِّنًا في مجتمعٍ يَحظُر ذلك.
من خلال عائدة نبحر إلى عوالمِ الصراعِ الطائفيِّ الخفيِّ في سورية؛ صراعٌ وإن بدا خفيًّا، إلّا أنّه في الجوهر يعكس انقسامًا حادًّا وإصرارًا على أن يحملَ بُعدًا طائفيًّا عبر آلةِ النظام السياسيّ. ينقلنا الكاتبُ، عبر تحوُّلاتِ عائدة، إلى مسار الثورة السورية التي انطلقت من درعا، لتصلَ إلى كلِّ المدن السورية وأريافها، وصولًا إلى النبأ اليقين بأنَّ عرشَ الطغيان قد اهتزَّ، وأنَّ مرضَ السرطان الذي فتك بجسد عائدة هو دلالةٌ على مرض المجتمع السوريِّ ووصوله إلى نقطة الذروة.
مع أختِها رائدة وحكاية طلاقها الثاني من الشخص نفسه، تعود إلى بيت العائلة، الذي تسكنه أختها عائدة، بعد تحطَّم وتفكُّكُ عائلتها؛ يجمعهنَّ بلدٌ يطحنه الموتُ والألم. رائدة حكاية الوجعِ العائليِّ؛ التي تدفع الأبناءَ لمغادرة البلد، خوفًا من طلقةِ قنّاصٍ، أو قذيفةِ مدفعٍ، أو صاروخِ طائرةٍ، أو من اعتقالٍ قد يؤدّي إلى مقتله. حينما نستذكر كيف تعامل النظامُ مع الثورة السورية ندرك الحرب التي خاضها ضدَّ شعبٍ كان يسعى إلى الحريةِ والكرامة، في حربٍ غيرِ متكافئةٍ على الإطلاق بين الجلّاد والضحية.

استدعاء ألم الوطن في زمن الحرب
“مِن أيِّ مادَّةٍ هشَّةٍ مصنوعةٌ حياتُنا؟”- بهذه العبارة يتساءل خليل الابن الثاني، حينما قصفَ النظامُ السوريُّ بطائرات الـ”ميغ” جامعَ عبد القادر الحسيني، وكان منزله ملاصقًا للمدرسةِ المقصوفة. تساؤلٌ يدفع إلى الدهشة من الحياة كلِّها؛ من حياةٍ نعيشها ونظنُّ أنَّ أوطانًا تجمعنا، أو نعيش في كنف دولٍ تعرف أنَّ لنا حقوقًا عليها، وأنَّ علينا واجباتٍ أيضًا. لكن أن تُدمَّر حياتُنا في ثوانٍ، فذلك أمرٌ لم يحتمله خليل.
شعرَ الفلسطينيون أنَّ مخيَّمَهم، الذي كان بمثابة جسرٍ متخيَّلٍ للعودة إلى وطنهم، قد ذهب إلى غير رجعة، بل اهتزَّ وقد يتحوَّل إلى ركامٍ وخراب… نعم، إلى ركامٍ وخراب، بعد أن صدر إنذارٌ من النظام بضرورة إخلاء المخيَّم والرحيل عنه، تمهيدًا لتطهيره من “الإرهابيين”، وهي الوصفةُ الجاهزةُ للنظام. مات المخيَّمُ عندما غادره سكَّانُه، ولكأنَّ التاريخَ يُعيدُ نفسَه بلبوسٍ جديد.
في هذا السرد الروائيِّ المؤلِم في تفاصيله، يعود بنا الراوي ليستذكِر أحداثَ النكبة حينما كان طفلًا صغيرًا لم يتجاوز العاشرةَ من عمره؛ سردٌ وكأنَّنا أمام شاشةٍ كبيرةٍ نشاهد مأساةَ اللجوء الفلسطينيِّ الأوَّل، مأساةٌ تروي تفاصيلَها وكأنَّها في يومٍ قريبٍ جدًّا، وليس قبل عقودٍ مضت. البكاءُ هو ذاتُه، والألمُ هو نفسُه، وفقدانُ البيت يعني أنَّك فقدتَ جزءًا عزيزًا عليك من وطنك.
لم يكتفِ الزبن بمقارنةِ نكبةِ اليرموك بنكبةِ فلسطين، بل دخل في تفاصيلِ الأوضاع الاجتماعية لسكان المخيَّم؛ من تهجيرٍ وطردٍ للفلسطينيين بمنهجية الحصار القاتل.

هويّة بلا وطن

ع ميرفت خليل أحمد خليل نكتشف صراعَ الأجيال، ومسارَ الخروجِ من مخيَّمِ اليرموك والنزوحَ إلى الأماكنِ القريبةِ منه، في ظلِّ ظروفٍ بالغةِ القسوة، تجعل المرءَ يفقدُ كثيرًا من إنسانيَّته، وتدفعه إلى استرجاع دربِ الآلام التي مرَّ بها الشعبُ الفلسطينيُّ إبَّانَ نكبةِ فلسطين.
في النكبةِ الأولى كانت الخيامُ، وفي النكبةِ الثانية كانت الخياراتُ ما بين المدارسِ، أو العيشِ مع عائلةٍ تجعلُ الحياةَ أكثرَ قسوةً فوقَ قسوتها وظروفِها المأساويَّة.

“شعرَ الفلسطينيون أنَّ مخيَّمَهم، الذي كان بمثابة جسرٍ متخيَّلٍ للعودة إلى وطنهم، قد ذهب إلى غير رجعة، بل اهتزَّ وقد يتحوَّل إلى ركامٍ وخراب…”

في النكبةِ الثانية هرب كثيرٌ من الفلسطينيين والسوريين إلى البلدان الأوروبية، ووجد الفلسطينيون أنَّ سرديَّتهم لم يُعترف بها، وأنَّهم بلا وطن. والدُ ميرفت، الذي وصل إلى سويسرا وقدَّم مُكرَهًا طلبَ لجوئه، رفض أن يُعرَّف بأنَّه “بلا وطن”؛ لأنَّه وُلد في فلسطين، وليس في إسرائيل، كما يقول محقق الهجرة السويسري. فتأتي صرخته في وجهِ محقِّقِ دائرةِ الهجرة، بأنَّه وُلد قبل تأسيسِ إسرائيل بعشرِ سنوات، صرخةً يريد أن يسمعَ العالمَ كلَّه أنَّه صاحبُ الأرض، وأنَّ طردَه منها لا يعني تجريدَه من هويَّته وانتمائه…

بين إرادة الأب وهزائم الحياة
أمَّا عامر خليل أحمد خليل، فهو ابنُ النكسة، أو ابنُ حرب حزيران/ يونيو 1967. وُلد في اليوم الثالث منها، وهي التي لم تستمر سوى ستة أيام، وُلد وكأنَّ في ولادتِه في ذلك اليوم دلالةً على كذبةٍ كبرى: كذبةِ الانتصار وبدء تحرير فلسطين التي سادت قبل أن تنكشف حقيقة الهزيمة. نعم، وُلد في لحظةِ الهزيمة؛ لحظةٍ شعرَ أنَّها طبعت حياتِه التي رغِب أن تمضيَ في مسارٍ معيَّن، لكنَّ والده اختار له مسارًا آخر، وقرَّر عنه كيف يجب أن يكون، وما هو الأفضل له. ظنَّ الأبُّ أنَّ هذا المسار هو الأفضل لابنه، لكنَّه فشل في أن يكون كما أراد له والده أن يكون، وفشل في أن يكون ما يريد.
وعندما أراد عامر ترميمَ حياتِه، جاءت الحربُ في سورية لتحطِّم عالمَه، ولتخرِّب ما رتَّبه. عاش عامر تناقضاتِ الحياة؛ لم يرغب بدراسة الهندسة، كانت رغبتُه أن يكون أديبًا وكاتبًا، فلا كان هذا ولا كان ذاك، فبات إنسانًا مُحبَطًا ويائسًا، ولم يعُد يرى المستقبل؛ لأنَّ الحياةَ التي رغِب بها لم تكن حياتَه، بل حياةَ والدِه الذي قرَّر عنه مستقبله.
من خلال عامر تنقلُنا الرواية إلى عالمِ مخيَّمِ اليرموك في بُعدَيه الاجتماعيِّ والاقتصاديّ؛ نكتشف أنَّ هذا العالمَ مليءٌ بالتناقضاتِ والتفاعلاتِ والصراعات، وهي أمورٌ قد تبدو طبيعيَّةً في مجتمعٍ يعُجُّ بالبشرِ الأخيارِ والأشرار.
في عالمٍ انتشر فيه الفساد، الذي أصبح فضيلةً، وهو تعبيرٌ عن فسادِ المجتمعِ السوريِّ بكلِّ مكوِّناته وأطيافِه؛ فسادٍ اخترق البلدَ حتى العظم. لذا، حينما قامت الثورةُ في سورية، أدرك عامر أنَّ حجمَ أحلامِ المتظاهرين أكبرُ بكثيرٍ من قدرةِ الناس على الاحتمال. لم يتوقَّع حجمَ الدمار الذي عصفَ بسورية؛ لأنَّ الناسَ ظنُّوا أنَّهم على مسافةٍ قصيرةٍ من تحقيق عتبةِ الحريةِ والانعتاق من الظلمِ والاستبداد.
ظنَّ فلسطينيو مخيَّم اليرموك أنَّ نكبةَ آبائهم وأجدادِهم لن تتكرَّر، وأنَّ لومَهم لآبائهم على تركِ فلسطين لا مبرِّرَ له؛ لأنَّهم حينما رأوا الموتَ بأمِّ أعينِهم أدركوا أنَّ عتبةَ الموت تجعل البحثَ عن الحياة أثمنَ من أيِّ شيءٍ آخرَ على وجه الأرض.

مخيم اليرموك بين الثورة والحصار
في فصل “الحصاد المرّ”، الذي يرويه أحمد الحفيد ابن خليل، يكشف عن تفاعلات الثورة السورية وانعكاساتها على مخيم اليرموك وغيره من المناطق. ففي السنة الأولى من الثورة، كانت حركةُ العمران تعلو وتعمل من دون توقف، ظنًّا من الناس أنها فرصةٌ ينبغي استثمارُها في لحظة ضعفٍ لسطوة النظام. لكن النظام ترنح كثيرًا، ولم يسقط؛ خسر كثيرٌ من الناس رهاناتهم، وأضحى كثيرٌ من الأغنياء فقراء، يملكون عقاراتٍ وأراضي ولا يستطيعون الوصول إليها. دُمرت أحياء ومدن، وتحولت ضواحي دمشق وغوطتها إلى ساحات حربٍ حقيقية، وانقسم الفلسطينيون بين مؤيدٍ للنظام وكارهٍ له. ولسخرية الأقدار، أنَّ اليسار الفلسطيني كان من ضمنهم.
مع أحمد الحفيد نكتشف عوالمَ في مخيّم اليرموك لم نكن نعرفها، نحن الذين عشنا دهرًا فيه؛ عالمُ كشاشي الحمام، عالمٌ لم يكن يعني، مثلًا، أبو صطيف، إلا أن تكون حماماته بخير. كان يحادثها وكأنها نساءٌ جميلات، يلعن سقوطَ القذائف لأنها أرعبت حماماته، ويشتم من يحاصر المخيّم لأن طيوره باتت تعاني الجوع.
في حصار المخيّم، نكتشف كيف أصرَّ البعض على البقاء فيه، يعيش حياةً لا تشبهها أيُّ حياة؛ قد يخطف القناص حياتَك بينما أنت عائد وتحمل صندوقَ مساعداتٍ غذائية وزعته الأونروا لتبقى على قيد الحياة، وقد تجد أن الحياة يملكها مسلَّحون يقفون وفي أيديهم سلاحهم يطلق نارًا، ويهشّم عظامًا، ويغير حيوات بشرٍ كانوا يحلمون بأن يعيشوا ويعيشوا فقط بشيءٍ من الكرامة وقليلٍ من الحرية. وقد يفتك بك الجوع، ويكون الموتُ المشتهى بطرق أخرى، أفضلَ من الطريق إليه جوعًا.
في المخيّم، نكتشف قصةَ نشوء تنظيماتٍ إسلامية، كجبهةِ النصرة، وأكناف بيت المقدس، وداعش وغيرها. نكتشف الانشقاقات والاندماجات والمبايعات والتحالفات بين المجموعات المسلحة في المخيّم، ونعرف أيضًا أن عيون النظام السوري كانت قويةً فيه، تنتقم بشدةٍ من أقارب المحاصرين، كما جرى مع سهيلة زوجة أحمد.

الحب في زمن الغياب: مأساة العاشقين
عاد العاشقِ عاطف ليطلبَ يدَ بتول بنت ميرفت خليل أحمد خليل، لكنها عودة جاءت لحصد حياته في معتقلات النظام السوري بسبب نشاطه السابق في الثورة السورية. عودةٌ ترمز إلى فقدان عشرات، لا بل مئات الآلاف، من المغيَّبين في السجون التي ابتلعتهم، ولم يعرف ذووهم عن مصيرهم شيئًا سوى أنهم فارقوا الحياة، بجلطة قلبية، كما كانت تزعم تقارير النظام.
أمَّا بتول، تلك الفتاةُ الحالمةُ بحياةٍ سعيدة، فقد تبدَّدت أحلامُها، وجعلتها الثورة تهرم قبل أوانها. علاقتها مع عاطف فتحت لها بابَ اكتشاف أي مزرعة مرعبة تعيش فيها، وأي ظلم عاشه أبناءُ جيلها؛ ظلمٌ في كلِّ مناحي الحياة، ظلمٌ تحوَّل إلى خوفٍ قابعٍ في نفوس السوريين والفلسطينيين، حتى من ظلِّهم.
ولعلَّ الوصفَ المذهلَ في كلِّ فصلٍ من فصول الرواية لقصةِ خروج الفلسطينيين من مخيّم اليرموك يجعلنا نستحضر المأساة التي كنا جزءًا منها، أو شهودًا عليها. تعيدنا الرواية في هذه الواقعة إلى البداية، إلى النكبة المستمرة؛ نكبةٌ ليس بالضرورة من صنعِ الصهاينة، بل من أدواتها، لأنَّ ألمَ الخروج والتيه من المخيّم هو ذاتُه الألمُ الذي خبره كبارُ السن. وشاءت الأقدار أن تُعاد الكرّةُ ثانيةً، ولم يتبقَّ من أعمارهم إلّا قليلٌ القليل.

الفساد الاجتماعي والخيارات القسرية
مع تغريد، بنت عامر خليل أحمد خليل، تحاول الرواية أن تفتح لنا آفاقًا جديدة في الحياة الاجتماعية. فنجد مقارنةً بين الجدين لأمها وأبيها، مقارنةٌ تعطينا دلالاتٍ بالغة الأهمية عن جدٍّ انغمس في الغشِّ والسرقة والعلاقات المشبوهة، وحصل على ثروةٍ طائلة، وجدٍّ كابدَ الحياةَ، عجنته فصنعت منه شخصًا نبيلًا. كلاهما كانا ابن الظروف التي صنعت منهما هذا التكوين، لكن العامل الذاتي هو المحدّد؛ فأحدهما اختار الشطارة والتجارة، فكان نصيبه الغنى، والآخر رفض قيم البلد فكان نصيبه القليل وستر الحال.
كأنما أراد الكاتب إدخالنا إلى عوالم النفس الداخلية للمجتمع السوري، عوالمٌ بات يحكمها النفاقُ والكذب، سعيًا وراء المال والجاه، أو لغير ذلك من المظاهر الكاذبة، مظاهر تدلّل على الفساد المجتمعي بكل قيمه وأبعاده ومنحنياته، من رأس السلطة إلى قاعدته: الأسرة الصغيرة.
تغريد، تلك الفتاةُ المدلَّلة التي أبت والدتها أن تدرس في مدارس الأونروا ظنًّا من الوالدة أنها دون مستواها، خسرت صداقاتها في المخيّم، ولم تستطع أن تُكوِّن صداقاتٍ خارجه، فكان إحساسها بالغربة كبيرًا، وانعكاساته على شخصيتها بالغ الأثر.
تغريد تغرَّبت عن واقعها، فكان ارتباطُها بالشاب غسان، ابن رئيس فرع فلسطين في المخابرات الأكثر وحشيةً في بنية النظام السوري، يحمل في طياته دلالاتٍ كبيرة. ما كان لها إلا أن تجد أعذارًا تلو الأعذار لحاكم سورية، وتنساق إلى سردية النظام بأن الثورة هي مؤامرة، ومن صنيع الإرهابيين الذين لا يريدون خيرًا لسورية ولشعبها.
ورغم لجوئها مع عائلتها إلى نيوزيلندا، بعد أن مرّوا في محطاتٍ مؤلمة، آثرت العودة إلى سورية، تحت ذريعة أن العودة، ورغم أخطارها، تعني حياةً أقل مللًا، وتعني الارتباطَ الزوجيَّ مع غسان.

عن ضفة ثالثة

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *