صغحات من تاريخ “فتح”: التيار الديمقراطي او تيار اليسار في الحركة…شهادة شخصية لـ عبد الفتاح القلقيلي/أبو نائل

1-   مدخل:

استعمل القرآن الكريم اليسار من اليُسر والغنى، ولم يستعمله بمعنى عكس اليمين، حيث استعمل لذلك مصطلح “الشِّمال”. وأصحاب الشِّمال جهة مدانة في القرآن، يقول تعالى: “وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سَموم وحميم، وظِل من يحموم” (الواقعة 41، 42، 43)، ويقول في الآية 25 من سورة الحاقة: “وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه”.

الغالبية العظمى من الناس تستعمل يدها اليمنى بشكل أساسي، والذين يستعملون الشمال هم اقليه، وربما لذلك رمز القرآنُ للطيبين المطيعين بأصحاب اليمين، ورمز للعصاة المعارضين بأصحاب الشِّمال.

وكانت الأساطير القديمة ترمز للأنثى باليسار وترمز للذكر باليمين. ولأن الحضارة ذكورية، ألصقوا الشر باليسار والخير باليمين. ويعتقد بعض النقاد الفنيين أن ليوناردو دافينتشي (1452-1519) الذي رسم لوحته الأشهر “الموناليزا” ممثلة لوحدة الذكر والأنثى، قد جعل يسار الموناليزا يبدو أكبر من يمينها، تلميحا لانحياز دافينتشي للأنثى.

وعند قيام الجمعية التأسيسية الفرنسية (1789-1791) في بداية الثورة الفرنسية، وقبيل القضاء على النظام الملكي (1791)، كان الأشراف والنبلاء من أعضاء الجمعية يجلسون في مكان الشرف على يمين رئيسها، بينما يجلس ممثلو الشعب على يساره. وأصبح من الشائع بعد ذلك في البرلمانات الأوروبية ومجالسه التشريعية أن يتجمّع الأعضاء الراديكاليون والتقدميون في المقاعد اليسرى من المنصة، بينما يجلس المحافظون على المقاعد اليمنى.

أما اليسار واليمين كمصطلحين سياسيين فقد ظهرا عندما جرى التوسع باستخدام المصطلح مع تبلور الأحزاب السياسية في أوروبا، فصار المؤيدون للحكومة القائمة يُعرَفون باليمين، والمعارضون باليسار، كما أصبح الحزب السياسي الواحد منقسما الى ثلاثة أجنحة: يميني محافظ، ويساري تقدمي، بينما تمثل العناصر المهادنة الوسط- وإذا انحاز جانب منها الى أحد الجناحين عُرف بالوسط اليميني أو الوسط اليساري. ثم صار اليسار يطلق على ذوي الاتجاهات الاشتراكية والمساواة الاجتماعية حتى لو كانوا في السلطة. وحتى المذاهب الاشتراكية شملها التقسيم الى يمين ويسار، فالشيوعية هي جناحها اليساري. ثم انقسمت الشيوعية ذاتها الى أجنحة يمينية وأخرى يسارية (ويتمثل هذا التقسيم في النزاع العقائدي الذي برز بين ستالين وتروتسكي 1925، وبين ستالين وتيتو 1948، وبين موسكو من جهة والصين والبانيا من جهة أخرى في أعقاب استلام نيكيتا خروتشيف زمام السلطة الكاملة في الاتحاد السوفييتي عام 1958- وبلغت أوجها أثناء الثورة الثقافية التي اندلعت في الصين عام 1966م.

وكان لينين قد نَحَتَ عام 1918 مصطلحَ الطفولة اليسارية ليطلقه على من هم على يسار السلطة البلشفية، متهما إياهم بالسذاجة والمطالبة بما هو غير ممكن حيث اعترضوا على اتفاقية برست مع الألمان في بداية عام 1918 وحاولوا التأثير على المؤتمر السابع للحزب الشيوعي البلشفي في روسيا في آذار 1918 لرفض صلح برست ودفع الدولة السوفييتية لموقف متهور ومواصلة القتال ضد الإمبريالية الألمانية.عبد الفتاح القلقيلي ـ أبو نائل

ولابد من التفريق بين اليسار والراديكالية التي تعني التغيير الجذري نحو اليسار غالبا أو نحو اليمين أحيانا قليلة، وهذه الصفة أطلقتها الموسوعات السياسية وخاصة الموسوعة الاشتراكية على جناح جمال الدين الأفغاني الديني ومعه محمد عبده ثم طه حسين وفي ذات الوقت على جناح شبلي شميل العِلمي ومعه سلامة موسى.

إذا اتكأتُ على مصطلحي اليسار والراديكالية أستطيع أن أخاطر بالقول إن فتح منذ انطلاقتها كانت راديكالية وغير يسارية ولا أقول يمينية. وهنا استشهد بلقطة طريفة عن هاني الحسن عام 1969 في محاضرة له في قاعة سينما الكرك حينما سأله أحد الحضور إن كانت فتح يمينا أو يسارا، فردّ هاني الحسن كما يلي: اليمين واليسار كلاهما على الرصيف، أما في فتح، فنحن التقدميون الجُدد. وظل هذا الوصف مفضلا لدى هاني الحسن حتى الخروج من بيروت عام 1982.

منابع حركة فتح النظرية والتنظيمية هي منابع يمينية بامتياز، فالمؤسسون خليل الوزير وصلاح خلف ومحمد يوسف النجار، جاءوا من خلفية الإخوان المسلمين، أما ياسر عرفات فقد كان نصيرا للإخوان المسلمين ومتعاونا معهم وان لم يكن عضوا فاعلا. وخالد الحسن كان عضوا في قيادة حزب التحرير الإسلامي. وقد استقطبوا في البدايات قليلا من خارج التيار الإسلامي مثل فاروق القدومي وخالد اليشرطي من حزب البعث. باستثناء فاروق القدومي وياسر عرفات كان المؤسسون لاجئين.

وقد كان منبرهم الأول على جريدة النداء التي أُعيد إصدارها باسم “نداء الحياة – فلسطيننا” عام 1959، وكانت الجريدة لاحد أعضاء الإخوان المسلمين السابقين في لبنان “توفيق حوري”. وكانت كل مصطلحات المجلة، وخاصة الافتتاحية التي كانت بعنوان “رأينا” مصطلحات وطنية دينية، وذلك ما جعل الصحف ذات التوجه العلمي والقومي تقف موقفا حذرا ومتشككا من هذه المجلة.

وعندما انعقد مؤتمر الحركة الثاني (أواخر عام 1968، في بلودان- سوريا)، وهو أول مؤتمر للحركة ينتخب لجنة مركزية بشكل رسمي ومعلن، انعكست الخلفية الإسلامية للتأسيس على تشكيلة اللجنة المركزية، فكانت، إضافة لياسر عرفات، كما يلي: خليل الوزير (أبو جهاد)، وصلاح خلف (أبو إياد)، وممدوح صيدم (أبو صبري)، وعبد الفتاح حمود، ومحمود عباس (أبو مازن)، ومحمد يوسف النجار (أبو يوسف)، كانوا من الإخوان المسلمين السابقين. وخالد الحسن (أبو السعيد)، ووليد نمر (أبو علي إياد) كانا من أعضاء حزب التحرير الإسلامي السابقين. وفاروق القدومي (أبو اللطف) من أعضاء حزب البعث السابقين.

أما المؤتمر الثالث للحركة (في حمورية في دمشق عام 1971)، وبعد استشهاد ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية (عبد الفتاح حمود وأبو على إياد وأبو صبري)، وبعد مجازر أيلول في الاردن1970، فقد انتخب المؤتمر السبعة الأحياء من اللجنة المركزية بالإضافة الى نمر صالح (أبو صالح)، وكمال عدوان، ومحمد غنيم (أبو ماهر) – الأول لم يكن له خلفية حزبية ولكنه كان عاملا ولذلك سيكون فيما بعد رمزا من رموز الخط السوفييتي في الحركة، أما الآخران فهما عضوان سابقان في الإخوان المسلمين. واستشهد كمال عدوان وأبو يوسف النجار (10/4/1973)، ومن تبقى من هذه اللجنة المركزية إضافة لهايل عبد الحميد (أبو الهول) الذي أضيف للجنة بقي حتى المؤتمر الرابع (في دمشق عام 1980) الذي انتخب التسعة الأحياء من اللجنة المركزية بالإضافة الى ماجد أبو شرار، وقدري أبو كويك، وهاني الحسن، ورفيق النتشة (أبو شاكر)، وعبد الله الإفرنجي، وسعد صايل (أبو الوليد). ماجد وقدري كانا من اليسار، ورفيق النتشة وعبد الله الإفرنجي كانا من الإخوان المسلمين السابقين، أما هاني الحسن فكان أقرب الى أخيه خالد، ولكن سعد صايل كان وطنيا عاما ومقبولا من الجميع. أي أن اللجنة المركزية صارت إضافة لياسر عرفات: 4يسار بشكل عام (أبو اللطف، أبو صالح، ماجد أبو شرار، قدري)، 10 توجّه إسلامي سابق، واحد وطني مستقل. أي أن نسبة اليسار ارتفعت لتصبح 26% في اللجنة المركزية للحركة، التي ستفقد أحدهم (ماجد أبو شرار) عام 1981 بالاغتيال في روما، واثنين (أبو صالح وقدري) عام 1983 بالانشقاق، إضافة لاستشهاد سعد صايل عام 1982، فعاد أبو اللطف وحيدا في اللجنة المركزية

قبل الانطلاقة المسلحة (1958 – 1965)، كانت فتح حركة تعبئة وتحريض تقلل من شأن الأحزاب وأساليبها النضالية والنظرية على صفحات مجلة فلسطيننا، وكانت تكتفي بان يجمد الحزبي ارتباطه الحزبي ليكون عضوا فيها، ولم تكن تطرح إلا خطا عاما يتمثل بالدعوة إلى أن يمسك الفلسطينيون بناصية قضيتهم، ويهبوا للكفاح المسلح لتحرير وطنهم. وكانت الحركة تصر على إنها حركة، وترفض باستمرار اعتبارها حزباً. ولذلك من الطبيعي أن يبقى أعضاؤها ينتمون للايدلوجيات التي أتوا منها. ولأن الغالبية العظمى من كوادرها وقياداتها هم من اللاجئين والذين لم يتعدوا بارتقائهم الطبقي مستوى البرجوازية الصغيرة كان توجهها راديكالياً. أي إنها محكومة بالتنوع النظري، وربما لم يجانب هاني الحسن الصوابَ عندما قال عام 1968 عن حركة فتح إنها في مجال الأيدلوجيا جبهة أما في الخط السياسي فهي حزب.

وبما أن السياسة حتماً ستتأثر بالايدلوجيا إن لم تنبع منها، فيمكنني أن أتجرأ على القول إن الواقع يشي بان حركة فتح عملياً كانت جبهة سياسية أي تتعايش بها تيارات سياسية مختلفة وأحيانا متناقضة، ومن هذه التيارات اليسار والذي أُطلق عليه ” الخط الديموقراطي”. حتى انه عندما وصلت نشرة ” شئون الأردن” الفتحاوية الى تنظيم فتح في أمريكا ظن هؤلاء إن هذه النشرة هي للجبهة الشعبية، مع إنها كانت تصدر عن لجنة شئون الأردن برئاسة قدري وتحت إشراف صلاح خلف (أبو إياد) وهيئة تحريرها من اليسار (الخط الفيتنامي)، وكل من يكتب بها أعضاء في حركة فتح.

2-   تكوين اليسار الفتحاوي وبنيته.حنا ميخائيل ـ ابو عمر

 

2-1 نظراً لخلفية الإسلام السياسي الذي قدم منه قادة فتح التاريخيون باستثناء فاروق القدومي فقد صار الأخير بؤرة استقطاب لذوي التوجه اليساري. وبما

انه كان مفوض الإعلام المركزي في الحركة حتى عام 1970 فقد أصدر عدداً من أدبيات الحركة ذات الطابع اليساري النضالي (الصيني الفيتنامي الجيفاري) وصار الإعلامُ بيتَ اليسار. ولان اليسار، بشكل عام، مع تحرر المرأة وأميل الى الليبرالية والحرية الاجتماعية، ولان عضوات تنظيم المرأة في حركة فتح غالبا ما كنّ من المتعلمات ومن الشريحة العليا من البرجوازية الصغيرة، فقد كانت غالبية قيادة تنظيم المرأة في فتح والأمانة العامة لاتحاد المرأة من ذوات الاتجاه اليساري. وكانت قيادة التنظيم الطلابي في حركة فتح أميل الى الراديكالية والى الخط الماوي (وهكذا عُرفت قيادة وكوادر الكتيبة الطلابية) حتى عام 1977. أما القيادة العامة لقوات العاصفة فقد كان كل أعضائها من خلفية اسلامية (إخوان مسلمون أو حزب تحرير).

عام 1968 هبت الثورة الطلابية في الغرب عموما وفي فرنسا خصوصا، فسطع نجم اليسار الجديد الذي اظهر ميلا للتعاطف مع المقاومة الفلسطينية خاصة، ولذلك كان من الطبيعي أن يتعزز اليسار الفتحاوي داخل جهاز الإعلام المركزي لفتح باعتباره النافذة التي يطل منها على العالم. وصار من الممكن أن يلاحظ أي مراقب وكأن جهاز الإعلام تابع لحركة سياسية غير التي يتبع لها جهاز التعبئة والتنظيم، وتوسع تيار الإعلام ليشمل التفويض السياسي عندما استلمه ماجد أبو شرار إضافة الى مهامه في الإعلام بعد استشهاد كمال عدوان.

2-2 نظراً لمكانة ياسر عرفات وفرديته،

لا نستطيع أن نواصل الحديث عن يسار فتح قبل أن نشير الى دوره وعلاقته بذلك التيار. كان الاتحاد السوفيتي ينظر للمقاومة الفلسطينية نظرة سلبية باعتبارها متطرفة عموماً، ولفتح باعتبارها حركة برجوازية صغيرة متطرفة يمينية، وعرفات رمز هذه الحركة، ورغم ذلك كان عرفات يدرك انه لا سبيل الى إثبات نفسه وحركته في الساحة الدولية بدون الاتحاد السوفييتي- ولذلك بذل قصارى جهده لإقامة علاقة معه فالتحق عام 1968 بوفد مصري الى موسكو بقيادة جمال عبد الناصر كمستشار. ولكن الصين كانت ترى أن المقاومة الفلسطينية عموماً وحركة فتح خصوصاً حركة شعبية مسلحة تقف عقبة في طريق الإمبرياليتين الرأسمالية والاشتراكية. وياسر عرفات هو قائد هذه الحالة. أما فيتنام فكانت تعتبر المقاومة الفلسطينية حركة شعبية مسلحة حليفة موضوعياً للثورة العالمية ضد الإمبريالية الأمريكية وتسير حتما باتجاه التعاون والتحالف مع القوى الثورية العالمية بما فيها الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية. وأما نظرة فيتنام لعرفات فقد أبلغني عضو اللجنة المركزية للحزب والذي كان مرافقاً لياسر عرفات في زيارته لهانوي عام 1969أنه بعد الزيارة جرى تقييم المكتب السياسي له بأنه قائد وطني برجماتي جدا، ً أي مؤهل لأن يلعب دور تشان كاي تشك الصيني ضد الشيوعيين، وأيضاً هو مؤهل ليلعب دور كاسترو الكوبي ويحول دولته إلى دولة اشتراكية، وحركته إلى حزب ماركسي، وذلك حسب استحقاقات إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة في فلسطين. وكان أي طرح يساري داخل الحركة غالبا ما يكون ذا ملامح ماوية أو جيفارية. أما الاتحاد السوفيتي وأنصاره العرب والفلسطينيون فكانت فتح تنظر لهم بارتياب باعتبارهم تسوويين وضد الكفاح المسلح.

2-3: ومنذ عام 1971، وبداية بذور الاعتدال، صار في اليسار الفتحاوي ثلاثة خطوط أطلق عليها المراقبون الخط السوفيتي والخط الماوي والخط الفيتنامي (التمسك بالتعايش السلمي، السياسة تنبع من فوهة البندقية، الوسط الذهبي بينهما). وكان أبو صالح من رموز الخط الأول، وأبو فادي (منير شفيق) من رموز الخط الثاني، وأبو عمر حنا ميخائيل من رموز الخط الثالث. وتجتمع هذه الخطوط الثلاث بما أطلقت عليه وسائل الإعلام آنذاك وحتى عام 1983 الخط الديمقراطي. وكان هذا الخط شبه علني، ويكاد يكون معترفاً به لدرجة أن ياسر عرفات عندما كان يشكل لجنة ما كان يأخذ ذلك بعين الاعتبار. لم يكن بإمكان هذا الخط أن ينجز شيئاً هاماً إلا في مجال الإعلام والعلاقات مع الجهات الأجنبية.

وفي عام 1973 انفتح الباب على مصراعيه لانزلاق الطرف الفلسطيني في لعبة التسوية، فكان المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر (شباط 1974)، وصدر عنه النقاط العشرة التي سميت البرنامج المرحلي أو برنامج السلطة الوطنية، الذي تبنته قيادة حركة فتح والتزم به كل أعضاء اللجنة المركزية وإن بمستويات مختلفة:

البعض قبل به، والآخر رحب به، والخط السوفيتي تحمس له. ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف أن يكون الإسلام والتاريخ الإسلامي مرجعية القادمين من الإسلام السياسي الذين سيُرمز لهم في المستقبل باليمين. وصار هؤلاء، في دفاعهم عن الخط التسووي، يتكئون على صلح الحديبية (عام 6هجرية أو 627م) وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقده مع مشركي قريش رغم أن معظم بنوده لصالح المشركين في الظاهر- خاصة عندما شُطب من النص وصف محمد برسول الله لأن قريش لا تعترف بذلك. ومن الطبيعي أيضا أن يستقويَ الخط السوفييتي بتاريخ الثورة البلشفية وهو يحاول إقناع بقية اليسار الفتحاوي بالبرنامج المرحلي أو ما كان يسمى للتحبب برنامج السلطة الوطنية. وكان أنصار الخط السوفييتي يركّزون على صلح بريست (1918) الذي عقده البلشفيك مع الألمان، ويسترجعون تعليمات لينين لتروتسكي رئيس الوفد حيث قال له ” وقع حتى لو طلبوا منك أن تلبس ثوب امرأة… فلقد وقعت قبلك أقدام الجنود الفارّين”.

قسّم هذا البرنامج (البرنامج المرحلي) الساحة الفلسطينية (منظمة التحرير الفلسطينية) لا الى يسار ويمين (كما كان سابقا)، بل الى رفض وقبول، فكان أحد أطراف يسار المقاومة (الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين) وحركة فتح (بيمينها وبعض يسارها) في جبهة القبول، أو الاستسلام كما يسميها خصومها، أو جبهة البرنامج المرحلي كما تسمي نفسها أو خط السلطة الوطنية كما تسميها أجهزة إعلامها. وفي الجانب الآخر نجد الطرف الأهم في يسار المقاومة وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع جبهات أخرى تتأرجح بين اليمين واليسار: جبهة التحرير العربية (الموالية للعراق)، والصاعقة (الموالية لسوريا)، والجبهة الشعبية – القيادة العامة (احمد جبريل)، وجبهة تحرير فلسطين (طلعت يعقوب وأبو العباس)، وجبهة النضال (سمير غوشة). وأعلن هذا الطرف نفسه باسم “جبهة الرفض”، مدعومة ماليا وسياسيا من العراق وليبيا، أما سوريا فكانت تدعم جبهة الرفض لوجستيا- وصارت هذه الأقطار الأربعة تنظر لجبهة الرفض لا إنها بديل لفتح فقط بل بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية. أي لم تعد الساحة الفلسطينية مقسومة الى يسار ويمين، بل الى رفض وقبول، وفي كل طرف هنالك يمين ويسار.

وطبيعي أن ينعكس هذا الانقسام الفصائلي على الساحة الشعبية، فصار الفلسطينيون في كل المجالات (المنظمات الأهلية، والاتحادات، والقطاعات المختلفة) إما مع جبهة الرفض أو مع البرنامج المرحلي. ولكن الشعور العام أن المنطقة تسير باتجاه التسوية، ولذلك عبّر ناجي العلي (أمير الكاريكتور الفلسطيني) في كاركتوره الأشهر عن ذلك حينما وضع الرافضين والقابلين في عربة التسوية ذاتها، مع فارق بسيط: الرافضون وجوههم للوراء- والقابلون وجوههم للأمام!!!

فجّر هذا البرنامجُ الخطَ الديمقراطيَّ إلى شظاياه الثلاث: الخط السوفيتي تبنى البرنامج تبنياً كاملاً وصار المدافع الأول عنه، والخط الماوي رفضه رفضاً قاطعاً وعاداه، والخط الفيتنامي عارضه ولم يعاديه. وكان أصحاب الخط الفيتنامي يرون أن الخبراء الأمريكيين الاستراتيجيين يعتقدون انه لا مجال لتطور إسرائيل، بل لبقائها، إلا إذا انتفى كونها فلسطين في أذهان العرب عموما والفلسطينيين خصوصا، ويشاركهم هذا الاعتقاد بعضُ الاستراتيجيين الإسرائيليين الذين يشتركون في حركة السلام الإن ويدعون لإقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة إسرائيل. وهذا النفي لن يكون إلا بإقامة دولة فلسطينية لتصبح هذه الدولة هي فلسطين – ولا فلسطينَ غيرَها، ولهؤلاء الاستراتيجيين الأمريكيين والإسرائيليين أسوة “حسنة” بسوريا، حيث انه بقيام الجمهورية العربية السورية امتنع الساسة عن أن يشملوا الأردن ولبنان وفلسطين عندما يذكرون سوريا، وإن بقي المؤرخون والجغرافيون يشملونها، ولكن باسم سوريا الكبرى. وصار هنالك مصطلح سوريا السياسية لتعني الجمهورية العربية السورية وسوريا الكبرى لتعني بقية بلاد الشام.

وسيأتي يوم (حزيران 1996) يصدر فيه قرار من الرئيس ياسر عرفات لأجهزة الإعلام الفلسطينية وللمصرّحين وللناطقين الرسميين أن يتوقفوا عن استعمال مصطلح مناطق الحكم الذاتي أو أراضيه، وأمرَ باستخدام فلسطين أو الأراضي الفلسطينية بدلا من ذلك، والتزمت أجهزة الإعلام الرسمية منها والخاصة بهذه التعليمات، وما زالت الفضائيات جميعها (باستثناء المنار) ملتزمة بذلك  وتقول عن الضفة الغربية وغزة فلسطين ‘ أما عن القدس الغربية واللد وحيفا فتقول إسرائيل، واخترع الساسة والإعلاميون الفلسطينيون مصطلح “فلسطين التاريخية” ليعني فلسطين تحت الانتداب البريطاني قبل 1948.

استنادا الى تلك الرؤية، فقد كان أصحاب الخط الفيتنامي يعتقدون أن إقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة إسرائيل هو أحد الأعمدة الاستراتيجية للسياسة الأمريكية الدائمة في المنطقة. ولكنها (أي أمريكا) تنتظر أن تتوفر الظروف الملائمة لقيام دولة فلسطينية صورية من حيث الواقع والإمكانيات، وفعّالة من حيث الاعتراف بإسرائيل وتوفير الاعتراف العربي بها، وعامل هام في تعزيز أمن إسرائيل. ويرى الخبراء والمتنفذون أن هذا المسار لا يمكن عبوره الآن إلا بمساعدة “رايات حمراء”، وذلك حتى يحموا المسيرة من الاتهام بالخيانة، ولذلك انفتحت حركة فتح على اليسار الفلسطيني والعربي والإسرائيلي. وكان أنصار الخط الفيتنامي يحذّرون أنصار الخط السوفييتي أن دورهم عند اليمين لن يتعدّى دور “حمير العرس”، تُدعى للعرس، ولكنها للنقل فقط، ولا تشترك في الرقص أو الوليمة. وشاع مصطلح “حمير العرس” في مجالس فتح المختلفة.

وبذلك انتقلت قيادة حركة فتح من مواقع الراديكالية إلى مواقع الوسطية أو ما سيطلق عليه مواقع التسوية، وانتفت الراديكالية عن حركة فتح، وصار من الطبيعي بل والبارز واللافت للنظر أن هنالك يمينا ويسارا داخل الحركة. بل وصار اليمين فيها أقرب الى اليمين خارجها منه الى اليسار داخلها الذي صار بدوره أقرب لليسار خارجها منه لليمين داخلها. وصرنا نسمع أن الخط السوفييتي (مثلا) ينسّق مع الجبهة الديموقراطية الفلسطينية والحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي خفية عن اليمين في الحركة- وأحيانا ضده.

في الماضي، عندما كان يجري حوار رسمي بين منظمة التحرير الفلسطينية والعراق كان يُنظر للجبهة العربية لتحرير فلسطين (عراقية الولاء) على إنها أقرب الى الطرف العراقي منها الى الطرف الفلسطيني، وكذلك يكون موقع الصاعقة (ذات الولاء لسوريا) عندما يكون التفاوض مع سوريا. والآن، صار (الى حد ما) يُنظر للخط السوفييتي في الحركة عندما يجري الحوار مع الدول الاشتراكية وخاصة الاتحاد السوفييتي، أو مع احدى المنظمات ذات الولاء للسوفييت.

وكان كل خط يعبّئ لتوجهه، ويعقد لقاءاته الخاصة العلنية وشبه العلنية والسرية. وصار أصحاب اليمين يُطلقون على الخط الفيتنامي ومَن شايعهم من الكوادر والضباط مصطلح “نوادي التحشيش الفكري” لأنهم يعيشون في الخيال. وأما أنصار الخط السوفييتي فراحوا يطلقون عليهم “الطفولة اليسارية” – إشارة للماركسيين الذين رفضوا صلح بريست (أوائل عام 1918) المشار إليهم سابقا.

3-في إطار تصارع الخطوط داخل حركة فتح، ومنها خطوط اليسار (الخط الديمقراطي)

3-1 تطرف أبو نضال منذ عام 1974 وأعلن تطرفه وأتهمته القيادة بالتخطيط لاغتيال أبي مازن. وأعلن تجريم اللجنة المركزية، وانشق باسم “حركة فتح المجلس الثوري”، على اعتبار أنه عضو في المجلس الثوري ومعه أعضاء آخرون دون أن يسميهم. ووثّق علاقاته مع ممثلي جبهة الرفض في العراق، وشكلوا ما عرف بقيادة الساحة العراقية ليلعب الدور القيادي هناك، كما هو حال عرفات في لبنان.

3-2 الخط الفيتنامي بدأ الإعداد لإعلان نفسه حزباً ماركسياً عربياً قومياً، ناظراً بإعجاب للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي (وأمينه العام رياض الترك).

3-3 الخط السوفيتي بدأ يحس بالفشل شيئاً فشيئاً لانسداد الطريق أمام خط السلطة الوطنية، واتضح أنه لا مسار للتسوية إلا مسار السادات. وأما القشة التي قصمت ظهر البعير فكانت التدخل السوري في لبنان، وضرب المقاومة الفلسطينية، وموافقة السوفييت على ذلك خاصة أن “كوسيغين”، رئيس الوزراء السوفييتي آن ذاك، كان في دمشق عشية الاجتياح السوري للبنان 6/6/1976.

3-4 الخط الماوي بدأ يتجه إلى الخط الساداتي (قبل زيارة السادات إلى القدس)، وخاصة بعد أن ساءت علاقة السادات مع السوفييت، وبذلك صار يُحسب على اليمين أكثر مما يحسب على اليسار. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن رمز هذا الخط (منير شفيق- أبو فادي) اعتنق الإسلام وصار من أنصار الخط الإيراني.

3-5 بعد أن توسع نفوذ الخط الفيتنامي داخل القوات العسكرية، وفشل الخط السوفيتي في مسيرة التسوية، ظهرت محاولات لدمج الخطين في خط واحد، وخاصة بعد المؤتمر الرابع للحركة عام 1980 حيث انتُخب ماجد أبو شرار عضواً في اللجنة المركزية، وأُعيد انتخاب أبو صالح. وانتخب أبو موسى وأبو خالد العملة عضوين للمجلس الثوري. وصار الطرفان بقيادة ماجد وأبو صالح، وبموقف قابل للتسوية وان كان غير متحمس لها.

3-6 بعد استشهاد ماجد أبو شرار – أكتوبر 1981 صار هذا الخط عملياً تحت قيادة أبو خالد العملة القريب جداً من أبي موسى، وكانا ثنائياً ذا نفوذ في قوات العاصفة وخاصة قوات اليرموك.

3-7 بعد الخروج من بيروت وشتات القوات المسلحة، ونظراً للممارسات أثناء الحصار، وللإجراءات بعد الخروج، انتفض الخط الجديد رسمياً في محاولة للاستيلاء على الحركة، وأعلن وراثته لكل شيء فيها ولها بالأسماء السابقة (المراتب والمؤسسات والنشرات الإعلامية) بدعم من سوريا وليبيا. وصار أنصار هذا الخط يسمون حركتهم “الانتفاضة”، أما الجهات الرسمية في فتح وخارجها فيسمونهم “المنشقين”. أما أجهزة الإعلام الدولية والعربية فتسميهم “جماعة أبي موسى”، مع انه (أبا موسى) كان رقم 3 في القيادة الفعلية لهذا الخط: أبو خالد العملة رقم 1، وأبو صالح رقم 2، وأبو موسى رقم 3، وقدري رقم 4، وسُمّي أبو موسى أمين سر الحركة (مثل أبي اللطف في حركة فتح الرسمية).

3-8 كان هذا التحرك انتصاراً لليمين داخل الحركة على اليسار بالضربة القاضية. فبعد ذلك انشقت منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك الاتحادات الشعبية، وصارت الأهمية للأجنحة التي تحت سيطرة “المنشقين”، فعندما انعقد مؤتمر اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في صنعاء بتدبير من القيادة الرسمية للحركة لم يحضر ذلك المؤتمر الكتاب الفلسطينيون الهامّون، ولم يستضف الكتاب العرب الهامين، ولكن المؤتمرين “دبّروا” النصاب وانتخبوا أمانة عامة، وايد محمود درويش المؤتمر ولم يحضره لمرضه الشديد، فعلق محمود درويش على المؤتمر قائلا: “سقط الكتّاب، ونجحت الشرعية”. ودول المعسكر الاشتراكي كانت أميَل الى المنظمات الشعبية التي تحت سيطرة المنشقين، وانحازت لها بعد زيارة ياسر عرفات للقاهرة (21/12/1983 في طريقه من طرابلس الى صنعاء عبر قناة السويس)، وصارت لا تشجع التعامل مع تلك التي تقع تحت سيطرة القيادة الرسمية للحركة بما في ذلك اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين رغم أن أمينه العام هو احمد عبد الرحمن أبرز وأوضح جماعة السوفييت في الحركة، بينما الأمين العام للشق الثاني من الاتحاد هو يحيى يخلف الذي كان الأقرب الى الخط الفيتنامي. والانكى من ذلك إنها (الدول الاشتراكية) لم تعترف بدورة المجلس الوطني السادسة عشرة (في عمان في تشرين ثاني /نوفمبر 1985) والقيادة التي انتخبها، وواصلت التعامل مع ما أنتجته الدورة السابقة سواء رئيس المجلس “خالد الفاهوم” أو أعضاء اللجنة التنفيذية السابقة بمن فيهم الذين لم يحضروا الجلسة السادسة عشرة.

وبذلك صارت بقايا اليسار في حركة فتح على هامش الهامش، ومرّت بأصعب فتراتها على الإطلاق، وصارت أكثر صمتا إذ كل تعليق منهم يقود للاتهام بموالاة “المنشقين”.

ومنذئذ نستطيع القول إن اليسار الفاعل في فتح انحصر (الى حد ما) في “الانتفاضة”، ورغم أن غالبية كوادرها وقياداتها من الخط الفيتنامي إلا إنها صارت أقرب الى الخط السوفييتي، خاصة وانه لم يكن مرغوبا لهم أن يبتعدوا كثيرا عن موقف سوريا، وبالتأكيد لم يكن مسموحا لهم أن يعادوه أو حتى يعارضوه- وموقف سوريا كان قبول القرار 242 وإن لم تنخرط في عملية التسوية.

وساءت العلاقات الى درجة اقتتال فتحاوي لأول مرة، وتطورت الى اقتتال فلسطيني جدي لأول مرة، وكان حصار طرابلس الذي كانت نتيجته هزيمة قوات فتح ورحيلها بحرا مرة أخرى في ديسمبر/كانون أول عام 1983 الى صنعاء.

مباشرة بعد زيارة ياسر عرفات للقاهرة (21/12/1983) انقسمت القيادة الرسمية في فتح، وتنصل أبو جهاد من هذه الخطوة، ولم يبق مع ياسر عرفات من اللجنة المركزية علنا إلا أبو مازن. وانقسم السلك الدبلوماسي الفلسطيني: فكان السفراء في الدول الغربية مع الزيارة (واعتبروها ضربة معلم)، أما السفراء في الدول الاشتراكية والعربية فكانوا ضدها بمستويات مختلفة- وسمّاها البعض (غلطة الشاطر). وذلك شجّع البعض أن يتهم سفراءنا انهم ليسوا سفراء فلسطين لدى الدول المعتمَدين لديها، بل هم سفراء هذه الدول لدينا، فكل سفير تبنى موقف “دولته”.

وكما أشرنا سابقا، صار اليسار داخل فتح بعد الانشقاق هامشيا جدا، وفقد الخطّان السوفييتي والماوي هويتيهما: الأول (ومن أبرز نجومه الباقين احمد عبد الرحمن) لان السوفييت دعموا المنشقين ومنظماتهم الشعبية. ودخل أبو مازن من بوابة الاتحاد السوفييتي، وصار لديه حظوة عندهم مما أفقد الخط السوفييتي صفة الماركسية. أما الثاني (الماوي) فلدعمه الخط المعادي للسوفييت المرفوض جماهيريا. أما الخط الفيتنامي فلم يعد ذا تأثير يُذكر لا من حيث المواقع داخل الحركة ولا من حيث الفعالية.

دخلت مصر الممر الإجباري للتسوية وهو الطريق الأمريكي، وانعزلت عن محيطها العربي والإسلامي، ففقدت عملية التسوية بريقها ويساريتها. ولكن الخط السوفييتي بقي داعما للتسوية ومبادراتها، ومنها مبادرة بريجنيف1981.

وبعد عودة مصر الى المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية رجعت الحيوية مجددا لعملية التسوية، وانفتحت الأبواب أمام مقولة السادات “أوراق الحل بيد أمريكا”، فتمكن الخط اليميني ورصيفاه (الأكثر يمينية، والأقل) من أن يجاهروا بقبول خطة ريغان (الرئيس الأمريكي آنذاك) 1982، والترحيب بالمشروع الفرنسي المصري.

وعندما ظهرت اتفاقية أوسلو 1993، لم يكن أمام ما كان يُسمّى بالخط السوفييتي إلا دعمها لثلاثة أسباب: الأول انه لم يعد هناك شيء اسمه الاتحاد السوفييتي، ووريثته (روسيا) تؤيد هذه الاتفاقية. والثاني لاعتياد عناصر هذا الخط البقاء الى جانب ياسر عرفات. والثالث انسداد طرق التسوية، ولم يبق غير هذا الطريق كممر إجباري.

ولم يعد هناك خط ماويّ لسببين: الأول أن اهم رموزه انتهت من الحركة إما بالفصل أو باعتزال الأيدلوجيا أو باعتناق الإسلام. والثاني أن الصين ذاتها لم تعد ماوية- وليس هنالك ما يمكن أن يُسمّى خطا صينيا.

أما الخط الفيتنامي فلم يعد يُسمّى كذلك لان فيتنام الحالية لم تعد قدوة في أي مجال، ولكن رموزه الباقين، وإن كانوا ذا أهمية قليلة، حافظوا على مواقفهم (تقريبا) من مسألة التسوية.

ويمكن تلخيص رأيهم الذي طرحوه حول مسألة التسوية أن القيادة الفلسطينية (قيادة فتح) التي هي برجوازية صغيرة بامتياز كانت، كمثيلاتها في الأقطار العربية، تعتقد أن قليلا من القتال والنضال سيحرر قطرَها ويأتي بها الى الحكم – كما حصل في سوريا والمغرب وتونس وأخيرا جبهة التحرير في الجزائر التي قاتلت تسع سنوات (1954-1962) فأزاحت الاحتلال الفرنسي الاستيطاني وأتت للسلطة. ولكن واقع الحال اثبت غير ذلك، حيث انه بعد تسع سنوات (1974) وجدت قيادة فتح إنها لم تتقدم قيد أنملة في عملية التحرير، لا لأنها تختلف عن مثيلتها في الجزائر بل لان الاستيطان هناك يختلف نوعا وتاريخا ودعما عالميا عنه هنا. واقتنعت تلك القيادة أن باب التحرير مسدود مسدود!! فلم يبق أمام هذه القيادة إلا باب التسوية، فراحت تقرعه. أي أن هذا التيار كان يعتقد أن التسوية ممر إجباري لمسيرة فتح، فالعمليات الخارجية قبيل ذلك العام كانت قرعا للباب الدولي للتسوية، والامتناع عنها وإدانتها بعد ذلك العام كانت قرعا للباب الدولي للتسوية أيضا: القرعة الأولى تقول نحن هنا اعطونا شيئا والا سنزعج الجميع، والقرعة الثانية تقول اعطونا شيئا فنحن طيبون ومُتفهّمون ويمكننا التعامل مع الجميع.

وكان إصرار قيادة فتح على وحدانية تمثيل منظمة التحرير للفلسطينيين يزداد ويشتد أواره كلما لاحت إمكانية للتسوية. بل وتحمست بعض الأطراف العربية لتفويض منظمة التحرير الفلسطينية بالقضية الفلسطينية بعد أن لاحت في الأفق تباشير التسوية، وبعد أن تأكدت من استعداد قيادة فتح لخوض غمار التسوية وصلاحيتها لهذه المهمة. وبذلك تستطيع هذه الأنظمة أن تغسل يديها وتعلن براءتها من دم النصراويين.

أما رأي هذا التيار حول أوسلو فكان كما يلي: أوسلو إعادتنا الى المربع الأول قبل عام 1948 مع تصغير فلسطين. وسيكون النضال هنا مثلما كان هناك، أي ضد الاستيطان والمستوطنين ربما بالعنف، والعمل سلميا وسياسيا لرحيل الاحتلال. ولكن هنالك فارق بين الحالتين هام وجوهري وخطير، وهو: هناك في فلسطين الكبرى كان الاستيطانُ اليهودي صديقا للاحتلال الإنجليزي، أما هنا في فلسطين الصغرى فالاستيطان اليهودي جزء من الاحتلال اليهودي، وليس فقط صديقا له. ومن المتوقع أن تُطرح الحلول هنا كما طُرحت هناك، أي تقسيم فلسطين الصغرى بين العرب واليهود حول نفس النسبة إن لم تكن النسبة ذاتها، وكان قرار تقسيم فلسطين الكبرى عام 1947 (رقم 181) قد اعطى اليهود 58% والعرب 42% منها.

أيام فلسطين الكبرى لاحظ محمد عزت دروزة انه كان من الطبيعي أن يحتفظ الفلسطيني بصفته الوطنية رغم إعلان صداقته مع الاحتلال بشرط أن يعرب عن رفضه بل وعداوته للاستيطان- ولا يمكن أن يحصل ذلك مع الاحتلال في أي قطر عربي آخر. وهنا في أيام فلسطين الصغرى سمعنا ياسر عرفات، رمز الوطنية الفلسطينية، يعلن عن صداقته بل وشراكته لإسحق رابين رئيس وزراء الاحتلال ولكنه يعلن رفضه للاستيطان والمستوطنين، وقد رأينا جميعا (على شاشات التلفاز) ياسر عرفات وأيهود باراك رئيس وزراء الاحتلال وهما يكرّم كل منهم الآخر ويدعوه للدخول قبله الى قاعة المفاوضات في أمريكا مع الرئيس الأمريكي بل كلنتون. ثم هنا في فلسطين الصغرى، أيام ياسر عرفات وبعده، يحرّم الوطنيون بل ويجرّمون أي أعمال عنف ضد الإسرائيليين (عسكريين أو مدنيين) في إسرائيل، ولا يشجعون العنف في فلسطين الصغرى وإن سكتوا عنه ولم يدينوه.

أي نستطيع القول إن مصطلح يسار فتح لم يعد الآن حقيقيا وذا دلالة نظرية وعملية، حيث إن مفهوم اليسار بعد انهيار المعسكر الاشتراكي لم يعد ذا دلالة ساطعة. حتى الأحزاب الشيوعية في معظم البلاد غيرت أسماءها لتخفيف “لمعة” يساريتها. ولم يعد دارجا التقسيم الى يمين ويسار- خاصة وان اليسار كان الأقرب الى الراديكاليين. والآن صارت الراديكالية مرتبطة (الى حد بعيد) بالإسلاميين- خاصة في فلسطين، وانتقل التقييم من يمين ويسار الى ليبرالي ومحافظ، أو الى نظيف وفاسد.

أما داخل المعتقلات الإسرائيلية (خاصة منذ بداية الثمانينات) حيث كان للفلسطينيين حكم ذاتي ذو ملامح ديمقراطية أكثر مما سيكون لهم في مناطق الحكم الذاتي 1994، فقد كان الجهد، كل الجهد محتشدا ضد قمع السجانين وأساليبهم، بحيث لم يتسع الوقت لتناقض فكري بين أعضاء التنظيم الواحد. في هذه المرحلة التي امتدت حوالي ثماني سنوات تأطر وتعمق البعد التنظيمي للانتماء، وارتبط لفظ ومعنى اليسار بالجبهة الديموقراطية أساسا، ثم امتد ليشمل فصائل المقاومة التي تتبنى فكرا يساريا. فإذا أخذنا بعين الاعتبار تشكل الأطر داخل المعتقلات وما رافق ذلك من تناقضات ثانوية مختلفة، سندرك أسباب النظرة العدائية الأولية لليسار ومضمونه ومعناه. وإذا أضفنا إلى ذلك أن اليسار الماركسي ارتبط بالأحزاب الشيوعية، التي ربط اسمها ومضمون فكرها بالاتحاد السوفييتي لاتضحت معالم النظرة شبه العدائية من قبل فتحاوي المعتقلات وأسبابها. فالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي كان من الدول التي اعترفت بإسرائيل ودعمتها حتى عام 1967، والأحزاب الشيوعية لم تكن تؤمن بالكفاح المسلح، وغلّبت النضال المطلبي والاجتماعي على النضال الوطني، ونظرت لدولتين على أرض فلسطين، أو هكذا قولبت رؤيتها، فكونت صورة سيئة لليسار وفكره ولليسارية بالمعنى البرنامجي عند الوطنيين الفلسطينيين. ولأن اليسار واليسارية فلسفيا ضد الدين، تعززت الصورة السيئة لليسار بالمعنى الفلسفي، ولأن اليسار واليسارية مع تحرير المرأة والمساواة بين الجنسين كان تنظيم المرأة في فتح أميل لليسار (كما أشرنا سابقا) أما داخل المعتقلات فقد تم الربط بين هذا المضمون والانحلال الخلقي بسبب تخلف البنية الاجتماعية والقيمية التي جاء منها الأعضاء الفتحاويون (الفلاحون الفقراء، والعمال العاديين). وأخيرا ولتكتمل الصورة تم استخدام الدين والماركسية كغطاء لخلق تناقضات داخل فتح خاصة من قبل الاحتلال، فارتبط البعدان الأيديولوجيان هذان بالتخريب وتوسيع التناقض في صفوف تنظيم حركة فتح. وأخيرا يمكن القول إن القادة التنظيميين، وخاصة تيار (فتح البيضاء) السائد الذي نظر لفتح إنها ليست يمينا أو يسارا، أو دينية، أو قطرية، أو قومية، بل خليطا وانتقاء من كل هذه الاتجاهات. هؤلاء القادة استخدموا كل السلبيات لجزء من اليسار على تنوعه وعمموها وأعطوها سمة الشمولية لليسار واليسارية، فأصبح معنى اليسار لدى الفتحاويين ارتباطا بالخارج، وتناقضا، وتفتيتا، وكفرا، وانحلالا خلقيا، وتنازلا عن الأرض، وتبنيا لأساليب نضال عاجزة، واغترابا عن الجماهير، وتنازلا عن الأرض، واعترافا بإسرائيل، وتقصيرا في النضال.

بعد اعتقال أبو علي مهدي بسيسو الذي كان يساريا في فكره وممارسته، ولنضوجه الفكري والسياسي العالي بالمقارنة مع بقية الأسرى، ولأنه كان في موقع قيادي في حركة فتح قبل الاعتقال، ولتبوئه مركزا قياديا بارزا داخل المعتقل، تغيرت الصورة في عسقلان فقط نحو الإيجاب، وقد ساعد على ذلك إدخال الكتب والصحف، والسماح بالأقلام والأوراق، والحوارات بين كوادر اليسار وبعض عناصر فتح الذين بدأوا يتنورون ثقافيا وفكريا. وقد ساعدت العلاقة الجيدة بين الأطر التنظيمية على ذلك. وفي بقية المعتقلات ومنذ منتصف السبعينات بدأ مستوى المعتقلين من حركة فتح يتغير من حيث النضوج الفكري ومستوى التعليم، فقد اعتقل طلاب جامعيون، والبعض ممن كانوا في بيروت فنقلوا إلى السجن صورة مغايرة لحركة فتح عن تلك التي تربى عليها الفتحاويون في السجن. وكان لاعتقال مجموعة عسكرية مقاتله من قطاع الحاج حسن سنة 1975 واعتقال البعض ممن كان لهم علاقة بالتيار الماوي، أو التيار الفيتنامي وإرسالهم إلى معتقل بئر السبع أثره الإيجابي في إحداث خلخلة كبيرة في صورة فتح كما كونها الكادر التنظيمي الأساسي المعتقل في بداية الستينات. وقد كان لتطور مستوى الحياة الاعتقالية التنظيمية والثقافية لحركة فتح داخل السجون أثره، ففي هذه المرحلة ساد مبدأ الديموقراطية في اختيار قيادات الحركة الأسيرة، وامتلأت رفوف المكتبات بالكتب التي كان يحضرها الصليب الأحمر، أو الأسرى بعد السماح من قبل إدارة السجن بإدخال كتاب واحد شهريا، وسمح بشراء الصحف المحلية، وسمح لاحقا بإدخال الترانزستورات والتلفازات، كل ذلك ساهم في خلق ثورة ثقافية داخل المعتقل. في هذه المرحلة نما اليسار الفتحاوي بصورة متسارعة حتى أنه سيطر على الهيئة المركزية لحركة فتح في معتقل بئر السبع في السنوات الممتدة بين 1980 و1982. إلا أن الكادر التقليدي الذي تطور أيضا لم يتخل أبدا عن مواقعه. وكان للانشقاق داخل حركة فتح (1983) أثره السلبي على تطور النزعة اليسارية فكرا وممارسة لأن معظم اليساريين في فتح حسموا موقفهم مع “الإصلاح” وضد الاتجاه المركزي، مما عزز من جديد موقع الكادر التقليدي في قيادة التنظيم في منتصف الثمانينات.

وبعد إجراء عملية التبادل، وتحرر الكادر الأساسي لمعظم المنظمات الفلسطينية وخاصة فتح، انخفض مستوى الاهتمام بالثقافة والفكر بين الأسرى لتبدأ فتح من جديد مخاضات فكرية ستجهض تطورها عوامل كثيرة، وليظل المستوى الفكري للفتحاويين أقل بكثير مما كان عليه في منتصف الثمانينات.

وفي ظل الانتفاضة الأولى كان للبناء التنظيمي الأولوية الكبرى، وارتبط معنى اليسار في فتح بالانشقاق عليها، وتعاظم المد الديني لانطلاق حركة حماس ومنافستها لحركة فتح نضاليا ودخول أسراها إلى المعتقلات. وقد كان لانهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات أثره المهم في حدوث جزر واضح في التوجه نحو النزعات اليسارية. كما كان لسيطرة المركز الإمبريالي على العالم كقطب مهيمن أثره الآخر في دحر الفكر القومي الذي صُبغ غالبا بالنزعة اليسارية. حتى أنه يمكن القول اليوم أن حركة فتح وغيرها من الحركات التي ما زالت تناضل من أجل التحرر تعيش تشتتا وضياعا فكريا يتقاسمه التمسك بالدين والتوجه نحو اللبرلة. وصرنا نجد المعارضين والمناضلين السابقين، يساريين وغير يساريين فلسطينيين وغير فلسطينيين، ينشطون في ميادين المنظمات غير الحكومية الممولة من المنظمات الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر. وصارت كلمة التمويل (كما تقول سناء المصري في كتابها تمويل وتطبيع) هي الكلمة السحرية لاختراق تقوقعات المثقفين والعاطلين عن السياسة ومن بقي من مخلفات النضال. أولئك الذين وجدوا أنفسهم في طريق المؤتمرات والاموال الدولية، وتعلّم التعايش في سلام، وهذه بلا مواربة طريق التطبيع مع إسرائيل والتتبيع لها، إن لم يكن اليوم فغدا- وإن غدا لناظره لقريب.

وكما كانت فتح هي أول الرصاص، وأول الحجارة (كما يحب كل الفتحاويين تسميتها)، كانت أيضا أول السلام (كما يحب بعض الفتحاويين تسميتها)، وأول الاستسلام (كما يحب خصومها المتشددون تسميتها)، ويقول الواقع إنها كانت مُعبِّدة الطريق الفلسطينية والعربية نحو التفاهم مع إسرائيل والتنازل لها- ولا نقول السلام أو التسوية لأنه لم يظهر أي منهما حتى يومنا هذا.

كانت الاتفاقية الإسرائيلية- الفلسطينية المرحلية التي وُقّعت في واشنطن قد حملت رسميا اسم “إعلان المبادئ”، ولكنها في الحقيقة إعلان التخلي عن المبادئ من الجانب الفلسطيني في إطار القضية الفلسطينية – أو ما يُسمّى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبدأ هذا التراجع بوتائر مختلفة يجتاح المنظمات الفلسطينية، ابتداء من الجبهة الديموقراطية صاحبة الفكرة الأولى بالتسوية الى حركة حماس آخر المتشددين.

وفي الأقطار العربية أعيد الاعتبار لا لمصر حسني مبارك فقط، بل وللسادات شخصيا. وصار الصلح مع إسرائيل مطلبا وطنيا حتى للجهات الموسومة بالتشدد، وصار شعار هذه الجهات: سلام شامل وتطبيع شامل مقابل انسحاب شامل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد 4حزيران 1967، وسامح الجميعُ الصهيونيةَ بما أخذته وفعلته قبل ذلك.

وبعد عودة القيادات الفلسطينية عموما والفتحاوية خصوصا الى ارض الوطن منذ عام 1994 اختلطت الأوراق الفلسطينية عموما والفتحاوية خصوصا. فلم يعد هنالك إمكانية لتقسيم فتح الى يمين ويسار، ولا الى رفض وقبول- وفي المقابل لم تتوحّد فتح بل صارت “فتحيات”: فتح الداخل وفتح الخارج، فتح المتفائلين بمسيرة التسوية وفتح المتشائمين وفتح المتشائلين، فتح العتاقي وفتح الفراخ، فتح الحرس القديم وفتح الدم الجديد، فتح المتسلقين وفتح القاعدين (وليسوا القاعدة)، فتح المستفيدين وفتح المُستفاد منهم، فتح السلاح وفتح الميكروفون. وكان ياس عرفات هو الحبل الناظم في نظر من يرى فتح عِقدا، وهو الصمغ اللاصق في نظر من يرى فتح قِطَعا، وهو الخيمة لمن يرى فتح عشيرةً، وهو مصدة الرياح عند من يعتبر فتح حقلا، وعند الجميع كان ياسر عرفات هو سورها الواقي يحميها ويمنعها من الظهور كمؤسسات وان سمح بالظهور لأفراد تحت السيطرة. أما وقد خسرت فتح حَبْلها وصمغَها وخيمتَها ومَصدَّتها وسورَها الواقي، فستواجه كل الرياح والعواصف لأول مرة بشكل مباشر، وستنوء مؤسساتها بمسؤولياتها التي كان ياسر عرفات يحملها أو يبعدها عنها.

وإذا كانت الحركات السياسية كالأشخاص، لها صبا وشيخوخة، فإن شيخوخةَ فتح تُخجلُ صباها. وبشيء من الكناية، نستطيع القول إن تحرّكَ شهداء الأقصى الفتحاوية هو شكل من أشكال “رجوع الشيخ الى صباهـ”. وقال أحد اللؤماء: إن قيادات الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها قيادة فتح، تشبه الزوج الذي يقضي نصف فترته الأولى يحاول الوفاء لزوجته ولكنه لا يستطيع، ويقضي النصف الثاني وهو يحاول خيانتها ولكنه لا يستطيع!!!

والآن، لم تعد مسألة التسوية خيارا بل قَدَرا. ولم يعد أمام الذين كانوا يسارا في حركة فتح (وخاصة رافضي التسوية)، وكل الذين كانوا رفضويين، إلا أن يرفعوا دعاءهم: “اللهم إنا لا نسألك ردّ القضاء ولكنا نسألك اللطف فيه”، وكل البرامج الجادة الآن تقعُ في إطار “اللطف فيه”. أي صار النضال مطلبيا أكثر منه مصيريا، وبذلك يمكن تعريض جبهة الإصلاح. وصار هنالك إمكانية لتركيز النضال في الفترة المحددة حول قضايا محددة. وصار الإنجاز يكمن في الخلاص الفردي بالمحافظة على نظافة الجيب والفرج، والبراءة من التلوّث مهنيا ووطنيا.

  • عبد الفتاح القلقيلي، المعروف باسم أبو نائل (جنين تولد 1936)، سياسي وكاتب وأديب متميز، له العديد من المؤلفات: الأرض في ذاكرة الفلسطينيين، وثلاثة كتب ساخرة تحت عنوان خواطر فلسطينية: “يوميات اللئيم والظريف” و”على الرصيف” و”دهاليز الحياة”، شغل من الكوادر القيادية في حركة فتح، شغل منصب نائب المفوض السياسي العام لقوات العاصفة، كنائب للشهيد ماجد أبو شرار، كما شغل منصب سفير فلسطين في عدة دول، وكان مديراً عاماً للمجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية.وكان من رموز التيار الديمقراطي أو اليساري في فتح مع رفيق دربه أبو عمر /حنا ميخائيل، ولمن يود الاطلاع يمكن قراءة المقالة الآتية:
  • https://www.abu-omar-hanna.info/spip/spip.php?article19

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *