صعود التيار الديني القومي في الانتخابات الإسرائيلية لعام 2022 .. حقيقة أم أوهام؟

على سبيل التقديم..

تخلُصُ المادّة التي بين أيدينا إلى أنّ انتخابات الكنيست الأخيرة والتي حصلت فيها قائمة الصهيونية الدينية بقيادة “سموتيرتش” و”بن غفير” على 14 مقعدًا من مقاعد الكنيست، جاءت ضمن المستوى المعتاد لهذا التيار على مدى تاريخ انتخابات الكنيست، أيّ أنّ دعوى صعود التيار القومي الديني في “إسرائيل” استنادًا إليها دعوى غير صحيحة.

غيرَ أنّ قراءَاتٍ أخرى للنتائج تشير إلى النتيجة بوصفها صعودًا للتيار القوميّ من جهةِ تحصّله على ذروة نتائجه. فباستقراءِ نتائج التيار خلال السنوات السابقة يلاحظ أنّ نتائج القوائم الممثلة للتيار تراوحت بين قاع وذروة، وقد تحصّلت “الصهيونية الدينية” في الانتخابات الأخيرة على نتيجة مقاربة للذروات السابقة التي حصّلتها قوائم اليمين القومي الديني، وتحصيل ذروة النتائج يمكن عدُّهُ تقدمًا.

كما أنّ صعود “الصهيونية الدينية” هو صعودٌ لا للتيار من حيث هو فحسب، بل هو صعودٌ ليمينه الأكثر فاشيةً وتشدُّدًا، مع شخصيات مثل “بن غفير” سليل حركة “كاخ”، ويمكنُ من هذه الجهة النّظرُ إلى صعود “الصهيونية الدينية” على حساب ممثلين آخرين للتيار كـ “البيت اليهودي” الذي لم يتجاوز نسبة الحسم، بأنّه إشارة إلى توجهٍ أكثر يمينيةً وتشدّدًا في المجتمع الإسرائيلي.

وفي العموم، فإنّ هذه المقدّمة هي التفاتةٌ إلى وجهات نظر وقراءات مختلفة لنتائج التيار القومي الديني في انتخابات الكنيست الأخيرة، بالإضافة إلى القراءة التي تتبناها المادة.

·      التحرير

انتشر في وسائل الإعلام الادعاء بأن انتخابات الكنيست الإسرائيلي لسنة 2022 تميزت بصعود الصهيونية الدينية والتيار الفاشي في “إسرائيل”. من هنا جاء السؤال الذي تسعى هذه المقالة للإجابة عنه، وهو: هل صعدت الصهيونية الدينية في انتخابات 2022، أم أن نتيجتها كانت ضمن المستوى نفسه مقارنة بمجموع الانتخابات الماضية؟ تعمل هذه المقالة على فحص دقة الادعاء بصعود الصهيونية الدينية من خلال استعراض نتائج انتخابات الكنيست منذ نشأة الكيان الصهيوني، ابتداءً من انتخابات الكنيست الأولى سنة 1949 وحتى الانتخابات الأخيرة للكنيست الخامس والعشرين في سنة 2022. مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التمييز بين التيار الديني القومي والتيار الحريدي، حيث تتعرض هذه المقالة لسؤال صعود التيار الديني القومي الذي مثّلته في انتخابات 2022 قائمة الصهيونية الدينية.

تجادل هذه المقالة بأنّ نتيجة انتخابات 2022 التي أبرزت التيار الديني القومي قوةً ثالثةً في الساحة الحزبية الإسرائيلية؛ قد جاءت ضمن المستوى المعتاد نفسه لهذا التيار على مدى تاريخ انتخابات الكنيست.

تمهيد

       تنقسم الساحة السياسية الإسرائيلية إلى ثلاثة تيارات أساسية، أولها: التيار الصهيوني العمالي “الاشتراكي”، وهو التيار المؤسس لـ “دولة إسرائيل” والذي يغلُب عليه التوجهات العَلمانية. وقد اصطُلح على تسمية المنتسبين له بـ”اليسار” الإسرائيلي، وقد تقلّد منتسبوه المناصب المهمة في الدولة منذ نشأتها وحتى حصول الانقلاب الأبيض في انتخابات 1977، وصعود اليمين ممثلاً بحزب “الليكود”. يعدُّ ثيودور هرتسل الأب الروحي لهذا التيار، ومن أبرز قياداته: دافيد بن غوريون، ليفي أشكول، غولدا مائير، شمعون بيريس، إسحق رابين، إيهود باراك. وقد مثَّل التيارَ الصهيوني العمالي في انتخابات الكنيست عدةُ أحزاب، على رأسها “مباي” الذي توحّد سنة 1968 مع حزبي “أحودات هعفوداه” و”رافي” تحت مسمى حزب العمل، وفي سنة 1969 توحد مع “مبام” (الذي انبثق عنه حزب “ميرتس”) ليعرف باسم “المعراخ”، ثمّ انفصل “مبام” عنه سنة 1984 ليعود حزب العمل إلى مسمّاه القديم. وفي العقد الأخير تراجع حزب العمل إلى حدّ التلاشي، وانتقل مصوتو هذا التيار للتصويت نحو أحزاب الوسط ويمين الوسط كحزب يوجد مستقبل.

       التيّار الثاني كان التيار الصهيوني التصحيحي ذا التوجهات الاقتصادية الليبرالية، والذي مكثَ في صفوف المعارضة منذ إقامة “إسرائيل”، لكنه بدأ بالتعاقب على الحكم مع التيار الأول منذ سنة 1977، وصولاً إلى هيمنته على الساحة الإسرائيلية في العقد الأخير، وقد اصطُلح على تسمية المنتسبين له بـ “اليمين” الإسرائيلي. يعدّ زئيف جابوتينسكي الأب الروحي لهذا التيار، ومن أبرز قياداته: مناحيم بيغن، إسحق شامير، آرئيل شارون، بنيامين نتنياهو. مثّل هذا التيار في انتخابات الكنيست حزب “حيروت” الذي توحد مع الحزب الليبرالي سنة 1965 تحت مسمى “غاحال”، وعقب اندماجه مع عدة أحزاب يمينية صغيرة سنة 1973 أطلق عليه مسمى حزب “الليكود”.

       أمّا التيار الثالث الذي يلي اليمين واليسار من حيث الحجم والقوة هو تيار الصهيونية الدينية، وهو ينقسم إلى قسمين رئيسيين، أولهما: التيار الديني القومي (والذي تتناوله هذه المقالة)، ويؤمن هذا التيار بأرض “إسرائيل” الكبرى، وأهمية الاستيطان، وضرورة الانخراط في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش. وقد مثّل هذا التيارَ لسنوات عديدة حزبُ “المفدال”، الذي شهد عدة انشقاقات على مدى تاريخه، وكذلك توحد عدة مرات مع قوائم حزبية تشاطره التوجه القومي نفسه، دون التركيز على الجانب الديني. ومن أبرز قيادات هذا التيار شخصيات ذات توجه علماني كـ “ايليت شاكيد”. أما القسم الثاني من تيار الصهيونية الدينية فيمثّله الحريديم، وهي طائفة محافظة على التقاليد الدينية التوراتية وتأتمر بأوامر الحاخامات، ولا تتجند في الجيش بذريعة التفرغ لدراسة التوراة. وينقسم الحريديم بدورهم إلى قسمين رئيسيين: الحريديم الغربيين ويمثلهم حاليًا حزب “يهودات هتوراه”، والحريديم الشرقيين ويمثلهم حزب “شاس”.

يؤمن التيار الديني القومي هذا التيار بأرض “إسرائيل” الكبرى، وأهمية الاستيطان، وضرورة الانخراط في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش على عكس الحريديم.

مسار المتدينيين القوميين في الكنيست

      شهدت رحلة المتدينين القوميين في الكنيست تقلباتٍ عدةً، صعودٌ وهبوطٌ، تحالفاتٌ وانشقاقاتٌ. ويمكن تقسيم هذه الرحلة إلى ثلاث مراحل: الانطلاق قوةً ثالثةً، ثمّ الانشقاق، وأخيرًا التذبذب بين التوحد والتفرق. لكن هذه المراحل بالمجمل تشير إلى محافظة هذا التيار على النسبة نفسها تقريبًا على مدى الانتخابات الـ 25 للكنيست. وهذا ما سنستعرضه في السطور القادمة.

الانطلاق قوةً ثالثةً

       تحالف التيار الديني القومي مع الحريديم في الانتخابات الأولى للكنيست سنة 1949، ليحلَّ في المرتبة الثالثة بعد الحزبين الكبيرين “مباي” و”حيروت”، وذلك تحت مسمى “الجبهة الدينية الموحدة” التي تضم تحت جناحها حزبي التيار الديني القومي (همزراحي وهبوعيل همزراحي)، وحزبي الحريديم (أغودات إسرائيل وبوعلي أغودات إسرائيل). حصلت الجبهة الدينية على 16 مقعدًا من مجموع مقاعد الكنيست الـ 120 وبنسبة مقدارها 12.2% من أصوات الناخبين. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجبهة الدينية وقتئذ لا تمثل جميع المتدينيين، إذ خاضت الانتخابات عدةُ قوائم ذات توجه ديني لم تستطع بلوغ نسبة الحسم البالغة 0.83% من أصوات الناخبين حينها،  كقائمة “الحريديم” التي حصلت على (0.7%)، وقائمة العامل والمرأة المتدينة (0.7%)، والقائمة الموحدة للعمال المتدينيين (0.3%)، وقائمة اليهودية التقليدية (0.1%)[1].

شهدت رحلة المتدينين القوميين في الكنيست تقلباتٍ عدةً، صعودٌ وهبوطٌ، تحالفاتٌ وانشقاقاتٌ. ويمكن تقسيم هذه الرحلة إلى ثلاث مراحل: الانطلاق قوةً ثالثةً، ثمّ الانشقاق، وأخيرًا التذبذب بين التوحد والتفرق. لكن هذه المراحل بالمجمل تشير إلى محافظة هذا التيار على النسبة نفسها تقريباً على مدى الانتخابات الـ 25 للكنيست

       تفككت الجبهة الدينية الموحدة في الانتخابات الثانية سنة 1951، ليحصل “هبوعيل مزراحي” على 8 مقاعد والتي تشكل 6.8% من أصوات الناخبين. وحصل “أجودات يسرائيل” على 3 مقاعد والتي تشكل 2% من أصوات الناخبين. فيما حصل “بوعلي أجودات يسرائيل” على مقعدين بنسبة 1.6%، وكذلك حصل “همزراحي” على مقعدين بنسبة 1.5%، فيما لم تجتاز نسبة الحسم التي ارتفعت إلى 1% قائمة “أموني يسرائيل” التي حصلت على 0.6%[2].

       تمايز التيار الديني القومي عن التيار الحريدي في الانتخابات الثالثة سنة 1955، لتتشكل “الجبهة الدينية القومية” والتي حصلت على 11 مقعدًا بنسبة 9.1% من أصوات الناخبين. في مقابل الحريديم الذين خاضوا الانتخابات تحت مسمى “الجبهة الدينية التوراتية” ( والتي ضمت اجودات يسرائيل وبوعلي اجودات يسرائيل)، وحصلت على 6 مقاعد وبنسبة 4.7%، فيما لم تجتز نسبة الحسم قائمة “دينية أساسية” والتي حصلت على 0.3%[3].

رسّخ التيار الديني القومي وجوده في الحياة السياسية الإسرائيلية قوةً حزبيةً ثالثةً، بعدما توحَّدَ تحت مسمى حزب “المفدال” (الحزب الديني القومي)، الذي انبثق عن اندماج حزبي “همزراحي” و”هبوعيل همزراحي”، وليحصل في الانتخابات الرابعة سنة 1959 على 12 مقعدًا بنسبة 9.9%[4]. وبقي محافظًا على قوته وعدد مقاعده التي تدور حول الـ 12 مقعدًا من الانتخابات الرابعة سنة 1959 وحتى الانتخابات العاشرة سنة 1981 التي انشق فيها الحزب (ينظر الجدول).

الانشقاق

      بدأ الانشقاق والتفرق في صفوف التيار الديني القومي في الانتخابات العاشرة سنة 1981، واستمر حتى الانتخابات السابعة عشرةَ سنة 2006، ليدخل التيار في حالة من التراجع على مدار الانتخابات اللاحقة مع محافظته بالمجمل على النسبة نفسها من المقاعد. انشقت قائمة “تامي” عن “المفدال” في انتخابات 1981، ليحصل “المفدال” على 6 مقاعد بنسبة 4.9% من أصوات الناخبين، فيما حصلت قائمة  “تامي” على 3 ونسبة 2.3%[5]. وفي الانتخابات الحادية عشر سنة 1984 تعمق الانقسام بظهور حزبي “كاخ” بقيادة الراف مائير كهانا وانشقاق قائمة “مورشه” عن “المفدال”، ليحصل “المفدال” على 4 مقاعد بنسبة 3.5% من أصوات الناخبين، فيما حصل “مورشه” على مقعدين بنسبة 1.6%، و”تامي” على مقعد واحد بنسبة 1.5%، وكذلك حصل “كاخ” على مقعد واحد بنسبة 1.2%[6].

رسّخ التيار الديني القومي وجوده في الحياة السياسية الإسرائيلية قوةً حزبيةً ثالثةً، بعدما توحَّدَ تحت مسمى حزب “المفدال” (الحزب الديني القومي)،وليحصل في الانتخابات الرابعة سنة 1959 على 12 مقعدًا بنسبة 9.9% . وبقي محافظًا على قوته وعدد مقاعده التي تدور حول الـ 12 مقعد من الانتخابات الرابعة سنة 1959 وحتى الانتخابات العاشرة سنة 1981

       زاد التفرق في التيار الديني القومي مع إنشاء حزب “موليدت” بقيادة رحعبام زئيفي وخوضه الانتخابات الثانية عشرةَ للكنيست سنة 1988، حيث حصل “المفدال” على 5 مقاعد بنسبة 3.9%، فيما حصل “موليدت” على مقعدين وبنسبة 1.9%[7]. طرأ تحسن بسيط على وضع التيار الديني القومي في الانتخابات التالية سنة 1992، حيث حصل “المفدال” على 6 مقاعد بنسبة 5%، فيما حصل “موليدت” على 3 مقاعد بنسبة 2.4%[8]. واستمر وضع التيار الديني القومي بالتحسن في الانتخابات التالية، ليحصل “المفدال” في انتخابات العام 1996 على 9 مقاعد وبنسبة 7.9%، فيما حصل “موليدت” على مقعدين وبنسبة 2.4%[9].

       شهدت الانتخابات الخامسة عشرة في سنة 1999 تشكل الاتحاد الوطني “تكوما” (المنبثق من التيار الديني القومي)، وهو عبارة عن ائتلاف بين أحزاب يمينية صغيرة أصبح وريثًا لحزب “موليدت”، وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن حصول “المفدال” على 5 مقاعد بنسبة 4.2%، فيما حصل “تكوما” على 4 مقاعد بنسبة 3%. يمكننا القول بأن التراجع النسبي للتيار الديني القومي في هذه الانتخابات يعود إلى تحول جزء من مصوتيه إلى حزب “شاس”، الذي حصل على أعلى نتيجة في تاريخه وهي 17 مقعدًا[10]. في الانتخابات اللاحقة سنة 2003 تفوق “تكوما” على “المفدال” فحصل على 7 مقاعد بنسبة 5.5%، في المقابل حصل المفدال على 5 مقاعد وبنسبة 4.2%[11].

بدأ الانشقاق والتفرق في صفوف التيار الديني القومي في الانتخابات العاشرة سنة 1981، واستمر حتى الانتخابات السابعة عشرةَ سنة 2006، ليدخل التيار في حالة من التراجع على مدار الانتخابات اللاحقة مع محافظته بالمجمل على النسبة نفسها من المقاعد

التذبذب بين الوحدة والتفرق

       تذبذبت حالة التيار الديني القومي بين التوحد والتفرق منذ الانتخابات السابعة عشرة في سنة 2006، حيث خاض “تكوما” الانتخابات مع المفدال في قائمة مشتركة، ليحصلا معًا على 9 مقاعد بنسبة 7.1% من الأصوات[12]. حاول التيار الديني القومي توحيد صفوفه في الانتخابات الثامنة عشرة سنة 2009، ليضم تحت جناحه “المفدال” مع “تكوما” تحت مسمى البيت اليهودي، لكن مشروع التوحد فشل نتيجة لتخلي أبرز قيادات التيار عن مشروع الوحدة، إذ انضم آفي أيتام الى الليكود، فيما قام آرييه ألداد بتأسيس حزب “تكفا” (الذي انضم في الانتخابات إلى تكوما)، نتيجة لذلك حصل “تكوما” على 4 مقاعد بنسبة 3.3%، فيما حصل البيت اليهودي على 3 مقاعد بنسبة 2.9%[13].

       استطاع التيار الديني القومي ترتيب أوراقه بشكل جيد في الانتخابات التاسعة عشرة سنة 2013، ليتوحد معظمه تحت مظلة “البيت اليهودي” الذي حصل على 12 مقعدًا بنسبة 9.1% من الأصوات، بالرغم من ذلك بقيت بعض القوائم المحسوبة على التيار خارج هذه المظلة كقائمة “عوتسماه يهوديت” بقيادة ايتمار بن غفير، التي لم تستطع اجتياز نسبة الحسم وهي 2%، وحصلت على 1.8% من الأصوات، وكذلك قائمة “عوتسماه ليسرائيل” بقيادة أرييه ألداد التي حصلت على 1.8% من الأصوات[14]. خسر البيت اليهودي جزءًا من أصواته لصالح حزب “كولانو”، الذي ترأّسه وزير المالية السابق المنشق عن الليكود موشيه كحلون، ليحصل في الانتخابات التالية سنة 2015 على 8 مقاعد بنسبة 6.7%[15].

       رجع التيار الديني القومي إلى حالة التفرق في انتخابات إبريل 2019، الذي حصل فيها اتحاد أحزاب اليمين (البيت اليهودي وتكوما وعوتسماه يهوديت) على 5 مقاعد بنسبة 3.7%. فيما لم يستطع الوصول إلى نسبة الحسم (3.25%) حزب اليمين الجديد (بقيادة نفتالي بينت وايليت شاكيد)، الذي انشق عن البيت اليهودي وحصل في الانتخابات على 3.2% من الأصوات. فيما حصل حزب “زهوت” بقيادة موشيه فيغلن (المنشق عن الليكود) على 2.7% من الأصوات[16].

       حاول التيار الديني القومي إعادة ترتيب صفوفه في انتخابات سبتمبر 2019، تحت مظلة حزب “يمينا” (الذي يضم اليمين الجديد+ تكوما+ البيت اليهودي) فحصل على 7 مقاعد بنسبة 5.9%، مع بقاء “عوتسماه يهوديت” خارج هذا التحالف، والذي لم يجتز الحسم وحصل على 1.9%. وتعود هذه النتيجة (رغم ترتيب التيار الديني القومي صفوفه) إلى حالة الاستقطاب الحادة، وخشية أنصار اليمين من خسارة “الليكود” (نتنياهو) للحكم أمام حزب “كحول لفان”، وبالتالي ذهب جزء من أصواته لصالح “الليكود”[17]. بقيت حالة الاستقطاب على أشدها؛ واستمرت الخشية في أوساط التيار من خسارة نتنياهو للحكم في انتخابات العام 2020، ليحصل “يمينا” على 6 مقاعد بنسبة 5.2%، فيما لم يجتز “عوتسماه يهوديت” نسبة الحسم وحصل على 0.4% من الأصوات[18].

       انتشر شعور بالاطمئنان بين مصوتي التيار الديني القومي على وضع “الليكود” ونتنياهو بعدما أثبتت الانتخابات السابقة حصوله على أغلب المقاعد، فعاد منتسبو هذا التيار في انتخابات 2021 إلى انتخاب الأحزاب التي تمثلهم مباشرة. والتي تمثلت في الانتخابات الرابعة والعشرين بـ “يمينا” الذي حصل على 7 مقاعد بنسبة 6.2%، والصهيونية الدينية (التي تضم= تكوما+ عوتسماه يهوديت+ نوعم) التي حصلت على 6 مقاعد بنسبة 5.1%[19]. فيما توحد التيار الديني القومي خلف الصهيونية الدينية في انتخابات 2022، ليحصل على 14 مقعدًا، وبنسبة 10.8%. بينما بقيت أيليت شاكيد (المحسوبة على العلمانيين في التيار الديني القومي) خارج هذا الإطار ليفشل حزبها “البيت اليهودي” في الوصول لنسبة الحسم ويحصل على 1.2%[20].

كل ما في الأمر أن هذا التيار ممثلاً بـ “الصهيونية الدينية” قد أحسن ترتيب أوراقه في هذه الانتخابات، ليحصل على النسبة التي يمثلها في المجتمع الإسرائيلي شبه كاملة. بمعنى أنه لا يوجد تحول يذكر في مزاج الناخبين، وإنما يوجد تحول في اختيار من يمثل هذا التيار

الخلاصة والاستنتاجات

تظهر نتائج المسح لانتخابات الكنيست منذ نشأته وحتى 2022، وجود خزان توصيتي شبه ثابت للتيار الديني القومي تدور نسبته في المتوسط حول 11% من أصوات الناخبين، مما يجعله القوة الثالثة في الساحة السياسية الإسرائيلية.

مرَّ التيار الديني القومي في مسيرته بعدة مراحل، كان في بعضها يصطف خلف لافتة حزبية واحدة كما كان الحال حتى العام 1981، بتوحده خلف “المفدال”، والذي كان يحصل بالعادة على 11-12 مقعدًا. لكن ومع توالي الانشقاقات في داخل التيار وظهور لافتات حزبية متعددة توزعت قوة هذا التيار على هذه الأحزاب، عدا عن حرق نسبة من الأصوات لأحزاب لم تتجاوز نسبة الحسم. مع توحد هذا التيار مرةً ثانيةً سنة 2013 تحت مسمى “البيت اليهودي” عاد لاحتلال موقعه قوةً ثالثةً في الساحة السياسية الإسرائيلية، لكن حالة الاستقطاب والخشية من خسارة اليمين بقيادة نتنياهو للحكم، دفعت ناخبي هذا التيار للتحول باتجاه دعم نتنياهو، إلى أن استقر على أرض الواقع تشكل تكتل يميني داعم لنتنياهو، فتبددت الخشية من حرق أصوات هذا التيار، وعاد مناصروه للتصويت لعناوينه الواضحة.

يتحكم في تصويت مناصري التيار الديني القومي عدة عوامل من بينها، توحد التيار من عدمه، بالإضافة إلى طبيعة الشخصيات التي تقوده، ففي حال توفر شخصيات كارزماتية يتحصل التيار على عدد جيد من المقاعد، مع الأخذ بعين الابعتبار أن جزءًا من قيادات هذا التيار تميل إلى خوض الانتخابات تحت مظلة أحزاب يمينية أخرى كالليكود (على سبيل المثال: آفي ايتام+ موشيه فيغلين).

يمكننا الادعاء بالاستناد إلى الأرقام، بأنّ حصول القائمة الممثلةِ لهذا التيار في انتخابات 2022 (الصهيونية الدينية) على 14 مقعدًا أي ما يعادل 10.8% لا يعد قفزةً نوعيةً لهذا التيار، إذ حصل هذا التيار في الانتخابات السابقة (2021) بحزبيه (الصهيونية الدينية ويمينا) على 13 مقعدًا بمعدل 11.3% من الأصوات، وبعد تفكك “يمينا” واستقالة رئيسه بينت صبت أصواتُ هذا التيار لصالح الصهيونية الدينية. وحتى لو جمعنا ما حصل عليه التيار في انتخابات 2022 (الصهيونية الدينية 10.8%+ البيت اليهودي (الذي لم يحسم) %1.2) فسيكون المجموع 12% من أصوات الناخبين، وقد سبق لهذا التيار أن حصل على نتيجة أفضل سنة 2013، إذ حصل البيت اليهودي على 9.1%، ولم يحسم “عوتسماه يهوديت” بحصوله على 1.8%، وكذلك “عوتسماه ليسرائيل” 1.8%، وبالتالي كان مجموع التيار 12.7% من أصوات الناخبين وقتئذ.

يظن البعض بأن التيار الديني القومي قد صعد نجمه في الانتخابات الأخيرة، وكل ما في الأمر أن هذا التيار ممثلاً بحزب الصهيونية الدينية قد أحسن ترتيب أوراقه في هذه الانتخابات، ليحصل على النسبة التي يمثلها في المجتمع الإسرائيلي شبه كاملة. بمعنى أنه لا يوجد تحول يذكر في مزاج الناخبين، وإنما يوجد تحول في اختيار من يمثل هذا التيار. فسابقًا كان يمثله بينت المتقن للغة الإنكليزية القادم من عالم الهاي تك، الذي حاول الظهور بمظهر العَلماني، وحاليًا يمثل هذا التيار الأقرب لفكره وهو بن غفير سليل حركة “كاخ” الإرهابية وأحد تابعي الحاخام كهانا.

قد يقول قائل؛ بأن المقصود بصعود التيار الديني ليس التيار الديني القومي، وإنما التيار الديني بشكل عام والمتمثل بالديني القومي والحريديم (ممثلين بحزبي شاس ويهودات هتوراة)، إذ إن انتخابات 2022 قد أسفرت عن حصول أحزاب التيار الديني مجتمعة على 32 مقعدًا (الصهيونية الدينية 14+ شاس 11+ يهودات هتوراه 7)، بنسبة 24.9% من أصوات الناخبين (10.8%+ 8.2%+ 5.9%). وحتى هذه المقولة ليست دقيقةً وبحاجة إلى فحص في بحث منفصل، يكفي أن نذكر أن انتخابات 1999 شهدت نتيجةً مقاربةً لهذه النتيجة، إذ حصل التيار الديني بشقيه (القومي والحريدي) على 31 مقعدًا (شاس 17+ المفدال 5+ يهودات هتوراه 5+ تكوما 4)، وبنسبة تعادل 24 % من أصوات الناخبين (13%+ 4.2%+ 3.8%+ 3%).

الملاحق

جدول نتائج التيار الديني القومي في انتخابات الكنيست (1949-2022)[21]:

الكنيستالسنةالأحزابعدد المقاعدالنسبةملاحظات
11949الجبهة الدينية الموحدة1612.2* النتيجة (16 مقعدًا) لقائمة موحدة مع الحريديم * لم تجتز الحسم كل من قوائم:- الحريديم= 0.7+ قائمة – – العامل والمرأة المتدينة 0.7+ – القائمة الموحدة للعمال المتدينيين 0.3+ – اليهودية التقليدية 0.1
21951هبوعيل همزراحي+ همزراحي8+2=106.8+ 1.5= 8.3تفكك وانفصال عن الحريديم
31955الجبهة الدينية الموحدة119.1توحّد
41959المفدال129.9الثالث في الساحة
51961المفدال129.8 
61965المفدال118.9 
71969المفدال129.7 
81973المفدال108.3 
91977المفدال129.2 
101981المفدال+ تامي6+3= 94.9+2.3= 7.2انشق تامي عن المفدال
111984المفدال+ مورشه+ تامي+ كاخ4+ 2+ 1
+1= 8
3.5+ 1.6+ 1.5+ 1.2= 7.8شهدت الانتخابات ظهور شاس+ كاخ+ انشقاق مورشه عن المفدال
121988المفدال+ موليدت5+ 2= 73.9+ 1.9= 5.8موليدت= زئيفي
131992المفدال+ موليدت6+ 3= 95+ 2.4= 7.4 
141996المفدال+ موليدت9+2= 117.9+ 2.4= 10.3 
151999المفدال+ تكوما5+ 4= 94.2+ 3= 7.2تأسس الاتحاد الوطني= تكوما بديلًا عن موليدت
162003تكوما+ المفدال7+5= 125.5+ 4.2= 9.7 
172006توحد تكوما والمفدال97.1 
182009تكوما+ البيت اليهودي4+3= 73.3+ 2.9= 6.1تشكل البيت اليهودي
192013البيت اليهودي129.1ظهور عوتسماه يهوديت لم يحسم= 1.8%+ عوتسماه ليسرائيل 1.8
202015البيت اليهودي86.7أحرزت قائمة “كولانو” 10 مقاعد،  وقد أخذت من البيت اليهودي
214/2019اتحاد أحزاب اليمين: البيت اليهودي+تكوما+ عوتسماه53.7اليمين الجديد بقيادة بينت وشاكيد انشق عن البيت اليهودي لم يحسم 3.2+ زهوت (فيغلين) 2.7
229/2019يمينا (البيت اليهودي+ تكوما+ اليمين الجديد)75.9لم يحسم عوتسماه يهوديت= 1.9%
232020يمينا65.2عوتسماه لم يحسم= 0.4%
242021يمينا+ الصهيونية الدينية (تكوما+ عوتسماه+ نوعم)7+6= 136.2+ 5.1= 11.3 
252022الصهيونية الدينية1410.8لم يحسم البيت اليهودي= 1.2%

عن إطار

Author: أشرف عثمان بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *