صار عمري 19عاماً + نصف قرن


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

بعد عام سأغدو في ألــ 70، إذا الله أحياني..

حين يقول لي أحدهم: عقبال ألـ 100 سنة

 أقول له: أريد أن أعيش 100 سنة + أسبوع

أحتاج لأسبوع، كي أجهِّز حقيبتي لسفر طويل…

لكن لا أحد يضمن عمره. الموت يفاجئنا، وفي النهاية يخطفنا ويقهرنا، سواء كنا في عمر الورود أو في أرذل العمر.

لا تتعب نفسك في التفكير بالموت

سيأتي، عاجلاً أو آجلاً

فكر بأن يكون لحياتك هدف.. ومعنى.. وبصمة

ثمة ما هو أسوأ من الموت

أن تكون حياتك فارغة.. بلا حب.. وبلا جدوى

ولدتني سعاد هناك في فلسطين، في الخليل، في كروم العنب. كان ذلك في 13 آب اللهاب عام 1952.

.. منذ ذلك اليوم، وأنا في ظمأ دائم.

صادقتُ الحياةَ وصادقتني

مرةً، صارحتُها قائلاً:

أيتها الحياة.. اعلمي أنك حلوةٌ وابنةُ كلب.. حلوةٌ وابنةُ كلب

ابتسمتْ، ولم تعترض

بعد أن قمت بواجبي وطعنت ثلاثة جنود إسرائيليين بسيخ كباب صنعته في مدرسة الأمير محمد الإعدادية، أمام الحرم الإبراهيمي في الخليل في 5 حزيران 1969، وأُصبتُ في رقبتي وقدمي برصاص الحاكم العسكري الكولونيل أبراهام عوفر وجنوده، أدخلوني إلى مستشفى عالية مع حراسة مشددة، كي أموت هناك..

حين صحوت من التخدير، شعرت بعطش شديد، ويقال بأن الجريح يشعر بعطش شديد، طلبت من أهلي أن يحضروا لي ماء من البئر في كرومنا..

هكذا، أحياناً، يكون الوطن شربة ماء، كعكة من باب العمود في القدس، حبة برتقال من يافا، فنجان قهوة على شاطئ عكا، حبة جوافا من قلقيلية، كمشة جُمِّيز من غزة، عنقود عنب من الخليل، قراءة الفاتحة على قبر أمك هناك، ألبوم صور العائلة والطفولة والذكريات…

أعشق الحرية.. وأمقت الطغاة

ويذهلني التخلف، حين يفصح عن مواهبه

قدَري أن أعيش في هذا الزمن

من منفى لمنفى

وكل حضن منفى

بعد حضن الوطن

أنا ابنكِ يا فلسطينُ

أنا العاقلُ المجنونْ

من جرَّبَ ضيقَ الدنيا

وسِعَةَ السجون

69 نسة؟!

كيف تسربتْ من بين أصابعي؟!

كيف مرت من خطايْ؟!

17 سنة في فلسطين، الخليل

+

7 سنوات ونصف، أسيراً في سجون العدو الصهيوني

+

حوالي 45 سنة مبعداً.. ومنفياً.. ومشرداً.. وطالب علاج.. وطالب علم.. وطالب خيبات في بلدان وعواصم ومطارح عديدة …

نستحقُّ أفراحاً بحجمِ خَيْباتِنا

رصيفاً من الأزهارِ بطولِ آلامِنا

مِثْلَنا الربُّ ما خَلَقْ

نحْنُ لَمْ نشربْ نبيذاً

إنَّما حُزْنٌ تَعَتَّقْ

لستُ من العاطلين عن الأمل

اليأس ترفٌ لا يناسبني

الأمل زوادتي كل صباح

الخيال أنقذني.. الموسيقى أسعفتني.. درستُ الفلسفة بحب، لم تطعمني خبزاً (بفضل مواهب التخلف!) لكنها أطعمتني أشياء أخرى.

أبعدني الأعداء من بلادي

وأبعدني الأشقاء من بلادهم

أما الله فلم يبعدني أبداً

أومن أن الإنسان يمكن أن يخسر أشياء كثيرة، لكن عليه ألا يخسر نفسه،

ومن يبيع نفسه مرة، يمكن أن يبيعها مرة ثانية، وثالثة…

..  انتصرتُ لكرامتي في الصراع المرير بين أن أعيش وأن أحيا

 لم ولن أقدم الوجود على المعنى

هدفي كان، وما زال، أن أبقى مشروع إنسان

أعرفُ: ليس لي عمرٌ يكفي لأحلامي

أنا حالمٌ لم يستشهد بعد

حين كتبت لي أمي، وأنا أتلقى العلاج في رومانيا:

” ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك، يا ولدي الحبيب”..

 تذكرتُ ما قاله أحد الشعراء: “الأم أعظم من أخصب”..

وتيقنتُ جيداً:

لا  تتأكد من حب أمك لك

بل تأكد من حبك لأمك

 أمي كانت تطارد ورائي من سجن لسجن كي تزروني وأنا أسير، وكانت تطارد ورائي من عاصمة لعاصمة وأنا مبعد ومنفي..

لا أريد أن أتعبها، ومن يحب إنساناً عليه ألا يتعبه، عظام أمي تغفو بهدوء في تراب الخليل، طلبت منها فقط أن تزورني في المنام، مرة في العام.

منذ أن رحل ابني مارسيل عدنان جابر في صوفيا عام 2008 وعمره 24 سنة، قافزاً من الطابق السادس، بعد أن تخرج من الجامعة، مفضلاً أن يخرج من الحياة، وأنا أتَّبِعُ وصفة مجدية:

كُنْ قوياً يا رجل، لأجل من بقي من أولاد، وما تبقى من أحلام!

.. لا تأخذ الحياة على محمل الجد، وحوِّلْ الحزن إلى كتابة.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عدنان جابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *