شيرين أبو عاقلة معنا دائماً ولكن ليس على الهواء

شيرين أبو عاقلة نزيف الكلمات على حافة المشهد وثبات الصورة عندما يترنح العالم على طرف الحقيقة. وضوح الصوت عندما يعلو ضجيج الرصاص، والزحف إلى عمق الحقيقة عندما يتغول الباطل، تدخل كشعاع ضوء من شقوق السواد كي تضيء الحقيقة. 

تراوغ الموت كي تكشف سر الحياة. من جنين وشوارع ألفت صوتها، إلى رام الله وقد تعشقت بألوان صورتها، إلى القدس وباب العامود وحي الشيخ جراح وهم يستأنسون بصوتها. بوقفتها. بهدوء عنفوانها. وهي ترفع الميكروفون في وجه جنود الاحتلال لتعلن للناس أنها معهم، لتعلن أنها مع الحقيقة والتاريخ والأرض.

طافت على أطراف غزة وهي تلملم آهات الثكالى وعويل الأمهات فوق الدمار لترميها في وجه العالم كي يستيقظ على هول الفاجعة. 

كانت شيرين تؤمن أن الانحياز للحقيقة هو الموضوعية بعينها، وأنه لا حياد عندما ينزف الوطن دموعاً وألماً وقهراً على حاجز يفصل بين الآه والصدى.

لا حياد عندما تعاند دموعك وأنت تقابل طفلاً فلسطينياً يبث لك همومه عن جدار يفصل بينه وبين الحياة.

لا حياد عندما ترى قضبان السجن تذوب دمعاً وحنيناً في قلب أم انتظرت عمراً كي ترى ما يكحل الروح  شوقاً في عيون ابنها.     

كثيرة هي المرات التي امتشقت شيرين روحها من بين موت وموت لتعلن أن فلسطين أكبر من كذبة صهيونية امتدت على مدى أربعة وسبعين عاماً وكانت فلسطين دائماً حقيقة في قلبها وحنيناً يعشعش في حنايا القلب.

شيرين!

يا شيرين رطَّب الدمع روحي وعيني وهم يستجمعون صورتك كلمة كلمة وأصابعك وهي تتلمس الروح فوق نتوءات الميكروفون، صورتك وأنت تشدين ظلال المشهد وأطرافه لتعيدي تشكيل الحكاية لتروي الحقيقة.

 كلماتك يا شيرين كانت حزينة.

 أي حزن كان في صوتك يشعل الروح ألماً وأملاً، وأصبح منارة لكل من يحب فلسطين. 

شيرين لقد طرزت فلسطين فوق الشاشة كلمة كلمة وغصة غصة، وكم كانت لحظات صعبة وأنت على الهواء ترسمين حدود الوطن قطبة قطبة، وتعيدين التاريخ إلى لحظة الحقيقة من فجوة بين الرصاصة  وأزيزها.

أعرف كم خذلك الضوء وكم فاجأك الخوف وأدمى روحك الحزن وأنت تتشبثين بالأصابع إلى ما يحيل الصوت إلى صراخ في وجه الظلم، وما يحيل الصورة إلى حنين يشعل الروح رسالة وراء رسالة وتغطية وراء تغطية.

صوتك، ابتسامتك، عناد عينيك في وجه المغتصب سال أملاً من وراء الشاشة كي يسد المسافة بين غربة الروح ومنبتها، وغربة الهواء عن سمائه.

سلام لك يا من طرزت الكلمات على حواف الشاشة كوفية تلم أرواحنا.

سلام لك يا من التقطت نشيج الخوف في همسات أطفالنا وهم تحت ظلال القهر والفجيعة لتبثيه صوتاً وصورة إلى آذان وعيون العالم.

أنت عنوان صحافة تتوق لانعتاق الكلمة مما يقيد الروح ويغشي العين ويخرس اللسان.

كم تعبت وخفت وتشجعت يوم قاربت الموت وأنت تمسحين الغبار والدخان عن ضجيج الرصاص والموت لتنكشف الحقيقة ويتوضح ما خلف ضبابية المشهد.

يا ريح وأنا في البعيد البعيد أوصيك إن مررت على مخيم جنين وكل مخيم أن تهدهدي على روح شيرين وأن تلمي روحها وتنثريها عطراً فوق أرض فلسطين.

ستبقين يا شيرين دائماً معنا ولكن ليس على الهواء.

عن تلفزيون سوريا

Author: محمد إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *