شمعة مطفأة للبحر


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

 

شمعة مطفأة للبحر

ايلان،

الطفل المنكفئ على موجة هامدة

بلا ملامح, بلا جنسية

بحذاء مهترئ قليلا وقميص العيد الأحمر

آآآه تلك الصورة!

تلك الصورة على شاطئ بحر بودروم!!

اليوم مات حنظلة.

مات حنظلة.. ولن يعود

ولن يقوم كمسيح

شمعة مطفأة للبحر

ارتدت معطف الفرو وأحكمت تثبيت القبعة الصوفية على رأسها. نظرت في المرآة وابتسمت. تمنت لو تستغني عن نظارتيها اللتين تتحولان الى سيخين معدنيين حارقين في هذا البرد القارس، ثم ما لبثت أن تذكرت عدساتها اللاصقة. فرمت النظارة اللعينة جانبا وعادت لتلصق عدساتها في عينيها..

كلما شاهدت نفسها بالقبعة الصوفية تحس بالغرابة وتضحك. لم تكن ترتدي قبعة في شتاء بلادها لم تحتجها ولا مرة. الأطفال فقط من كانوا يرتدون هذا النوع من القبعات التي تبرز احمرار خدودهم وأنوفهم، والكبار يستعينون بالوشاح. أما هنا، مع درجات حرارة دون الصفر، فإن عليها إضافة للقبعة أن تلبس قفازيها الجلديين، وأن تنتعل حذاءً مبطناً فوق جوربين صوفيين سميكين. تخيلت نفسها دباً بفراءٍ سميك وحركةٍ ثقيلة.

كان الوقت ظهراً والسماء صافية والبحر هادئ بلا صوت، وبلا طعم ملوحة اعتادته هناك.

تحت وهج شمس ساطعة على السطح الشاسع لبياض ثلجٍ قاسٍ، تمشي الهوينى وتفكر بالحكمة من ارتداء هذه الثياب الخانقة بينما جسدها يتصبب عرقاً.

على الشاطئ يقف رجل منهمكاً بصنارة صيد غريبة الشكل، يطوح خيطها في الهواء، فيرتد شعره الأسود الذي تخطه صفوف فضية تلتمع بينها حبات عرق وتسيل على وجه خمري مسمر تحت أشعة الشمس الحارقة. تعرك عينيها. تطيل النظر إليه.. هو حبيبها، لكن ماذا يفعل هنا على شاطئ هذا البحر؟! تذكر أنها تركته هناك, أو بالأحرى هو الذي رفض مرافقتها في رحلة الهروب تلك,  لكنها تراه الآن أمامها, أهذا هو بشعره الموشى بالفضة  حقاً أم أن الشمس العمودية أحرقت رأسها وذهبت بعقلها!

عليها أن تتخفف من هذه الملابس القاتلة.

رمت بمعطفها وحذائها وثيابها الثقيلة على الصخور القريبة. نظرت الى جسدها وقد تخفف من أحماله منعكسا على صفحة ماء بحر بلا أمواج.

كم أحبت ألوان ثياب السباحة التي انتقاها لها في أول رحلة بحرية لهما (هناك)، وخجلت حين ارتدتها وتخيلت أن كل من كان على الشاطئ ينظر الى جسدها وهي شبه عارية , فقضت يومها الأول مختبئة في قلب الامواج الى أن غابت الشمس .

تتحسس رمل الشاطئ بباطن قدميها. ناعما كان كملمس خد طفل وليد، لكن بعض النتوءات الصخرية تدمي قدميها قليلا ..

لا بأس، ستقوم بحركة خفيفة لتنبه الرجل وتخرجه من حالة سكون الصياد.

ضربت بضع حصوات  بقدميها فأصدرن صوتا جفلت لأجله إوزات بريات يتمشين على الشاطئ ويغرسن رؤوسهن بين أعشاب ناعمة نبتت هنا وهناك.

الشاب الجميل  ذو العينين السوداوين ينهرها لأنه كاد يفقد بسببها سمكة كبيرة قد علقت في شصه، وبالكاد تمكن بحركة سريعة من أن يتحكم بصنارته، فيما السمكة الفضية تتأرجح وتتلوى في الفضاء ملتمعة تحت نور الشمس الباهر.

ارتعش قلبها بلمسة غبطة مفاجئة، وتخيلت عشاء على الشاطئ من سمك مشوي على نار الحطب وشراب بيتي بارد والكثير من القبلات وضمات  تنتقل عدواها الى أمواج البحر فتصاب بالجنون, وترتفع ضحكاتهما وهما يلحظان هياج البحر فيما هو يصيح بها : تعالي نهيّج البحر.

رنت ضحكتها في فضاء الرغبة فالتفت اليها مقطبا حاجبيه:

–  ماذا تفعلين هنا !؟ .. من أنت ولم ترتدين ثيابا صيفية في هذا الجو الصقيعي؟

لم تفهم ما يقول، فقد تكلم إليها بلغة كانت قد بدأت منذ وقت قصير بفك حروفها ولم تتقنها بعد. هي لغة تشبه أولئك الفايكنغ الذين كانوا يقرصنون سفن أجدادها في البحار النائية.

ضيق عينيه الزرقاوين ليتمكن من تمييز المرأة المجنونة التي ترتدي ثياب سباحة في جو صقيعي. أحس برجفة خوف وهي تبحلق به بعينين واسعتين مبهمتي النظرات وتسأله بلغة غريبة: من أنت؟

ثم خفَّ هلعه قليلاً حين كلمته بلغة أخرى يفهمها ثلاثة أرباع الكرة الأرضية . هو آر يو؟” من أنت ؟ وات آر يو دونغ هير؟ ماذا تفعل هنا؟ أين الرجل الآخر الذي كان يجلس مكانك؟ إنه رجلي أنا , أعرفه جيداً وأميز رائحة جسده وسط آلاف الروائح. لا أحد مثله ولا يملك أي شخص آخر بريق عينيه. وهو صياد ماهر. لقد اصطاد لي سمكة فضية لا تشبهها أي سمكة.

قال لها الرجل الكهل الأشقر الذي لم يلحظ ولا يعنيه جمال جسدها ولا سمرة جلدها الكاوية:

–  لا أحد غيري هنا . أنا منذ الصباح أحاول أن أصطاد, ولم أحظ بسمكة واحدة .

– لا تخدعني.. ابتعد عن هذه الصخرة. سأجده  هنا في مكان ما.

مدت يدها الى عدساتها اللاصقة تسحبها من عينيها لترى الأمور جيدا، وفي تلك اللحظة صرخ الرجل منفعلاً: – يا إلهي..!  سنارتي تهتز! هناك صيد ثقيل علق بها !

اقتربت منه وهي تعرك عينيها وترتجف لشدة البرد. لمست قدماها مياه بحر بلون أحمر قان. مياه البحر ساخنة تغلي وتحرق باطنهما.

ابتعدي من هنا. ينهرها, ستفسدين يومي وتفقديني سمكتي التي أنتظرها منذ الصباح.

الرجل يسحب من صنارته جسداً يشبه سمكة كبيرة .. هي ليست سمكة تماماً ! أهي حورية أم فقمة صغيرة !؟

الثلج يتساقط ساخناً وغزيراً.. لندف الثلج صوت غريب،  صوت يثقب أذنيها. والسمكة بين يدي الصياد تبكي وتستغيث، تنادي للمرأة على أنها أمها. المرأة ترتجف وتشد معطفها الفرو حول عنقها وجسدها، والرجل ذو العينين الزرقاوين يضحك بغرابة ويرمي صيده الى ماء البحر .

البحر الذي بلا أمواج والراكدة مياهه يلفظ سمكة فضية على صخوره فيلتقطها نورس أبيض ويحلق بها بعيداً. الليل يقترب، وعلى الشاطئ ثلاث شمعات يلتمعن بخفقات متهادية..

تفتح المرأة المرمية على الشاطئ عينيها رويدا رويدا، وتغني بلغة قديمة:

“الليلة تضيء الملائكة  شمعاتك الثلاث يا بني

ثلاث شمعات ولم أتأكد من لون عينيك

أهما لوزيتان أم زيتونيتان

سماويتان أم كعشب الأرض

ثلاث وردات ذبلن ولم يتكئ رأسك على كتفي

لم أشم رائحة شعرك كوردة

ثلاث نجمات وأنا أكابد مر الشوق

الشوق الموجع لطفل قلبي الذي حلمت به عمراً

ليدفئ حضني بعبق جسده الغض

كم سنة سأنتظر يا حبيبي

كم سنة بقي في عمر الانتظار

أحرقت الفراشات أجنحتها

أصابتك اللعنة يا بحر بودروم !

ستنوح النائحات في ليلك المعتم

ويقيم الخوف بيته فوق رمالك.

من هذه  الليلة سترتحل سفنك

بلا وداع, بلا عودة

والأشباح تلغ مرارة مائك.

تشد المرأة لحافها الثقيل على جسدها ترتعش أطرافها وهي تحاول النظر عبر زجاج سميك لا يوحي بما وراءه وتتمتم…. يا لهذا السواد الثقيل!!.. مازال الليل في أوله.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سلوى الرفاعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *