شقاء الفكر السياسي العربي – الفلسطيني الحديث

الفكرالسياسي العربي الحديث تعيس حقًا. وسر تعاسته يكمن في ابتعاده، وإلى حد الانفصال أحيانًا عن الواقع المعيش أو التجربة الحية (live experience ). والخطاب (discourse) السياسي العربي، المعبر عن هذا الفكر، خير دليلٍ على هذا الابتعاد أو الانفصال. فالخطاب السياسي العربي الحديث هو، أساسًا وفي العمق، إما ماضوي/ سلفي أو مستقبلي/ رغبوي. والخطاب المستقبلي/ الرغبوي نوعان: رومانسي/ قومي ومثالي/ أخلاقي. تتوسط هذين الفكرين/ الخطابين الرئيسين شظايا فكر/ خطاب “الواقعية السياسية”، والتي يروّجها الحكام وأنصارهم من المثقفين. وإذا كان الفكر/ الخطاب السياسي العربي هو النموذج (type)، وإذا كان الفكر/ الخطاب السياسي الفلسطيني هو المثال (token)، فلا غرابة، إذن في ، أن يعاني الفكر/ الخطاب السياسي الفلسطيني من هذه التعاسة أو هذا الشقاء.

سلفي/ ماضوي كل عربي/ فلسطيني يعتقد أن الصهيونية، ودولة إسرائيل وليدها المدلل، هي مجرّد “حملة صليبية” مصيرها الهزيمة أو الزوال. ومستقبلي/ رغبوي كل عربي/ فلسطيني يعتقد أن الأبارتهايد الزاحف من النهر إلى البحر في فلسطين هو، في نهاية المطاف أو نهاية التحليل، طريقنا الصعب إلى الدولة الديمقراطية الواحدة (ثنائية القومية أو مفدرلة أو غير ذلك). وإذا كان السلفي/ الماضوي يحن إلى صلاح الدين، فإن المستقبلي/ الرغبوي يحن إلى نيلسون مانديلا. وفي اعتقادي، كلا الفريقين مخطئان، فعلى الرغم من الشبه العائلي (family resemblance )، هناك اختلاف كبير بين الصهيونية والحملات الصليبية من جهة، وبين الأبارتهايد الزاحف من النهر إلى البحر في فلسطين والأبارتهايد الذي ساد وطغى في جنوب إفريقيا حتى عام 1995 من جهة أخرى.

ما غاب، ولا يزال غائبا، عن كل من الفكر/ الخطاب السلفي/ الماضوي والمستقبلي/ الرغبوي هو فرادة (singularity) المشروع الصهيوني، وهي فرادةٌ مستمدّة من ظروف نشأته ومبرّراتها، من ممارساته وأهدافه، كما من الاحتضان الدولي المستمر له. ومن أبرز سمات الفرادة ما يلي: الادعاء بحق تاريخي لليهود في فلسطين، وذلك بناءً على مبرّرات أو ذرائع هي خليط من الدين والتاريخ والأسطورة؛ تجربة اليهود في أوروبا، خصوصا بعد المجازر في روسيا في ثمانينات القرن الـ 19 والهولوكوست في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية؛ عدم وجود دولة أم إذا اعتبرنا الصهيونية حركة استعمار استيطاني؛ وجود أغلبية ساحقة من المواطنين اليهود في دولة إسرائيل في أعقاب نكبة فلسطين عام 1948، وكذلك نتيجة موجات الهجرة اليهودية المتتابعة إليها؛ ودعم الدول المؤثرة في العالم لمشروع “الدولة اليهودية” منذ قرن وأكثر.

ولكن من المؤسف حقًا أن الفكر/ الخطاب السياسي العربي عمومًا، والفلسطيني خصوصًا، وبسبب غلبة طابعه الأيديولوجي على طابعه العلمي، يصرّ على التأكيد على أوجه الشبه وتبعاتها. وفي المقابل، على إغفال أوجه الفرادة وتبعاتها أو إهمالهما.

إذا كان ما قلته أعلاه صحيحًا (وأعتقد ذلك)، فليست مصادفة، إذن، أن الخطاب السياسي العربي/ الفلسطيني، بشقّيه السلفي/ الماضوي والمستقبلي/ الرغبوي، يؤكّد على حل الدولة الواحدة للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي؛ ديمقراطية علمانية في الحالة الثانية، غير ديمقراطية وغير علمانية في الحالة الأولى؛ لأسبابٍ خارجيةٍ في الحالة الأولى، لأسباب داخلية وخارجية في الحالة الثانية. ولكن هذا الخطاب السياسي، بشقّيه المذكورين، يقلل من أهمية أمرين هامين: محدودية التأثيرالعربي والفلسطيني من جهة، وإصرار كل من الحركة الصهيونية والدول المؤثرة على دعم مشروع “الدولة اليهودية”، بهذه المواصفات أو تلك، من جهة أخرى. جدير ذكره، في هذا الصدد، أن الخطاب السياسي المذكور متماسك داخليا coherent))، ولكن التماسك الداخلي ليس المعيار الوحيد على الصواب. المعيار الآخر، والذي يكبته أو يسكت عنه مثل هذا الخطاب، هو مدى المطابقة مع الواقع المعاش أو التجربة الحية. بكلماتٍ أبسط، حل الدولة الواحدة للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، ديمقراطية كانت أو غير ذلك، متماسك داخليا ولكنه قاصرعمليا/ علميًا، جذّاب بقدر ما هو بعيد المنال. غني عن القول في هذا الصدد إن الخطاب السياسي العربي/ الفلسطيني الذي يؤكد على حل الدولة الواحدة كثير الشبه بذلك الخطاب القومي العربي الذي يؤكد على الوحدة العربية في زمن التشظي والانهيار الدولاتي.

في مواجهة الفكر/ الخطاب السياسي المذكور، وبشقيه المذكورين، وعلى قصوره المذكور، نجد شظايا فكر/ خطاب يمكن لملمتها وتسميتها “الواقعية السياسية” (وتسمى ظلما أحيانا “البراغماتية السياسية”). وفكر/ خطاب الواقعية السياسية هذا هو الفكر/ الخطاب الرسمي المتداول والشائع هذه الأيام ، عربيًا وفلسطينيا على حد سواء. هو فكر/ خطاب الحكام والنخب المساندة والمروجة لهم في أقطارالوطن العربي. هو فكر/ خطاب أوسلو فلسطينيا، وفكر/ خطاب التطبيع عربيًا (أو”التتبيع”، كما ينعته إلياس خوري). هو، باختصار، فكر/ خطاب الزمن العربي/ الفلسطيني الرديء، الزمن الأصفر (كما يسميه ديفيد غروسمان).

ما لا أرى، وما يعجبني أن أراه وأفتقده كثيرا، هو الفكر/ الخطاب السياسي النقدي، ذلك الفكر/ الخطاب الذي يقوم على دراسة معطيات الواقع المعيش وتحليلها، بمركباته وتعقيداته وتناقضاته المختلفة، بمواطن قوته وضعفه والقوى الفاعلة والمتصارعة فيه، ومن ثم استكناه اتجاهات تطوّره وآفاق تغييره. مثل هذا الفكر/ الخطاب النقدي (سليل الفكر الماركسي) يختلف كثيرأ عن كل من الفكر/ الخطاب الماضوي/ السلفي والمستقبلي/ الرغبوي، وكذلك عن فكر/ خطاب الواقعية السياسية الفجّة، تلك الواقعية التي أدت إلى تراجع المشروع الوطني الفلسطيني، والتي أوصلت مؤخرا إلى التطبيع الطوعي والعلني بين بعض الدول العربية واسرائيل. وفي هذا الصدد أقول: ما أحوجنا، نحن الفلسطينيين، إلى مثل هذا الفكر/ الخطاب السياسي النقدي هذه الأيام!

أما على مستوى الرؤية السياسية الفلسطينية لحل الصراع، وكذلك على مستوى الفعل السياسي الفلسطيني عمومًا، فمن بين ما يقوله لنا هذا الفكر/ الخطاب النقدي، والذي أفتقده كثيرأ، أشياء كالتالية:

أولا، إن أنظمة الحكم غير الديمقراطية على أنواعها المختلفة، وفكر/ خطاب الواقعية السياسية الفجّة المتوافق مع مصالح وممارسات مثل هذه الأنظمة، مسؤولة إلى أبعد الحدود عن تردّي الأحوال في أقطار الوطن العربي. وحال فلسطين ليس استثناءً.

ثانيا، إن عدالة القضايا قد تكون شرطًا ضروريًا لبقائها حية وفاعلة، لكنها ليست شرطًا كافيًا لانتصارها. هذا ما يجب أن نتعلمه ونذوّته جيدا، نحن الفلسطينيين، بعد مرور ما يزيد على مائة عام من الصراع مع الحركة الصهيونية، فكرًا ومشروعًا ودولة.

ثالثا، إن حل الدولة الواحدة للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، من هذا النوع أو ذاك، ما زال، كما كان، بعيد المنال. مثل هذا الحل يعني أو يتطلب لا أقل من هزيمة الصهيونية. وكما نعرف جيدًا، ليس بمقدور الفلسطينيين وحلفائهم إنجاز ذلك في المستقبل المنظور، ليس فقط بسبب رداءة واقعهم مقابل بأس عدوهم، وإنما أيضًا (والأهم) لأن الإرادة الدولية، إرادة الدول المؤثرة في العالم، لا تسمح بذلك. فمنذ وعد بلفورعام 1917، لم يتوقف تأييد الدول المؤثرة، على الرغم من تغير تشكيلاتها وتحالفاتها وأسمائها، عن دعم قيام دولة يهودية واستمرارها، بهذه المواصفات أو تلك، على الأقل في جزء من فلسطين الانتدابية. وعلى الفلسطينيين وحلفائهم، عربًا وغير عرب، أن يأخذوا ذلك بالجدية القصوى.

رابعا، بناءً على ما ورد أعلاه، لست أرى مفرًا أو مهربًا من حل الدولتين للصراع الفلسطيني/ الإسراىيلي، المزمن والمكلف. ولكن يبقى السؤال: أي حل دولتين هو الممكن والمنصف (لا أقول العادل)؟ وفي اعتقادي، الحل الممكن والمنصف هو ذلك الذي يوفق بين الحدود الدنيا للمطالب المتنافسة لطرفي الصراع الرئيسين من جهة، وينسجم مع الإرادة الدولية من جهةٍ ثانية. فإذا كان مطلب الحد الأدنى إسرائيليا هو الأغلبية من المواطنين اليهود في الدولة، وإذا كانت الثوابت الثلاثة (الدولة المستقلة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 67، والقدس الشرقية عاصمتها، وتعويض اللاجئين وعودتهم) هي مطالب الحد الأدنى فلسطينيا، وإذا كانت هناك قضايا تأبى التقسيم أو تعصى عليه، وإذا كانت الإرادة الدولية تقول بحل الدولتين، فقد تكون مبادرة “دولتان، وطن واحد” أو الكونفدرالية هي الوصفة لذلك الحل المنصف والممكن، فالحل الذي جاءت به صفقة القرن، مثلًا، ليس منصفًا، وحل الدولتين الذي ينادي به الطرف الفلسطيني المفاوض، كما حل الدولة الواحدة من هذا النوع أو ذاك، لم يعد ممكنا.

وختامًا، ما أود التأكيد عليه هو النقاط الثلاث التالية: ـ لا خلاف بين عقلاء اليوم حول رداءة الوضع العربي/ الفلسطيني حاليًا، والتي أوصلنا إليها فكر/ خطاب الواقعية السياسية الفجة، فكر/ خطاب الحكام غير الديمقراطيين والمثقفين المروجين لهم وبقية النخب التي تدور في أفلاكهم.

– علينا الحرص، كل الحرص، على عدم الابتعاد عن معطيات الواقع المعيش، وهو ما يشدّنا إليه كل من الفكر/ الخطاب السلفي/ الماضوي والمستقبلي/ الرغبوي، بشقيه الرومانسي/ القومي والمثالي/ الأخلاقي.

– ما نحتاجه، وما أتحيز إليه، هو الفكر/ الخطاب السياسي النقدي، ذاك الفكر/ الخطاب الذي يجاور معطيات الواقع المعيش ويحللها، ويحاول استكناه نزعات تطوره وآفاق تغييره. وعلى مستوى الحلول المتداولة للصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، فإن مبادرة “دولتان، وطن واحد” أو الكونفدرالية هي مثال على هذا النوع من الفكر/ الخطاب.

عن العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *