سلطة بلا سلطة… ودولة لن تُقام

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ولا تزال سلطة رام الله تُردِّد شعار “الدولة الفلسطينية” نهارًا مساءً كأنها أسطوانة مشروخة. والمؤلم أن لا أحد، في الحقيقة، يؤيّد هذا المطلب من أصحاب القوة والرأي في الغرب. فأصبح هذا الشعار لازمةً تتكرّر على لسان كلّ سياسي غربي أو عربي، دون أن تُفضي إلى أيّة نتيجة، لسبب بسيط وعميق وهو أن الاستيطان الإسرائيلي حوّل الضفة الغربية إلى ما يشبه جلد الفهد المرقط، فلم تعد هناك أرض فلسطينية متصلة مع بعضها البعض، وباتت مقسمة إلى مناطق (أ) و (ب) و(ج)، والأخير تشكل 60 بالمئة من مساحة الضفة وهي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ومهددة بالضم الشامل والكامل لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

والمؤلم أكثر أن هذه السلطة لا تُصدِّق شعارها أصلًا، لأنها تعلم تمامًا بعدم إمكانية تحقيقه. فأصبح الكلّ مشاركًا في هذه الخطيئة، وفي هذه الأكذوبة، والضحية أولًا وأخيرًا هي القضية الفلسطينية والشعب المُعذَّب في كل فلسطين وفي الشتات.

لدينا كنز من الأدلّة على أهداف المشروع الصهيوني، الذي بدأ منذ أكثر من ثمانين عامًا. وفي كل مرحلة من مراحل النضال والمواجهة الفلسطينية لهذا المشروع، وعلى مرّ العقود الماضية، بقي السؤال الغائب لدى هذه القيادات هو: ماذا تريد الحركة الصهيونية؟ وكيفية مواجهتها.

لماذا لم ننظر، في الماضي والحاضر، إلى أنفسنا كندٍّ لعدوّنا؟ لماذا، ونحن أصحاب الأرض، كنّا دائمًا نتسوّل ونُناشد الجميع، دون أن نكون جادّين مع أنفسنا وشعبنا؟ لو رأينا قدرات شعبنا وإمكاناته، وفكّرنا بأن قضيتنا تهمّ كل فلسطيني في الداخل والخارج، لما سمحنا بأن تقتصر على أقلية وضعت نفسها على رأس “السلطة”، بدون أيّ أساس ديمقراطي.

يوجد ما يزيد على 14 مليون فلسطيني في الداخل والخارج، فلماذا لم تُنظَّم هذه الطاقات، كلٌّ حسب قدرته وإمكاناته، في معركة مصيرية على المستويات الشعبية والثقافية والسياسية والعسكرية – إن أمكن؟

لماذا جرى تهميش الناس وإبعادهم عن قضيتهم؟ ولمصلحة من؟ هذا يصبّ، أوّلًا وأخيرًا، في مصلحة إسرائيل.

لم نتعلّم أبدًا من كل هذه الأخطاء والمغالطات، على مدار أكثر من ثمانين عامًا. بل إنّ الأنكى من ذلك هو أن سلطة رام الله تريد إقناعنا بأنّ لديها سلطة ودولة، بينما هي في الحقيقة تعيش حالة من الانفصام عن الواقع الخطير الذي تعيشه قضيتنا. فالمستعمرات تلتهم الأرض في الضفة، وعصابات المستوطنين تعبث في الأرض: قتلٌ، وحرق، ونهبٌ للممتلكات – يوميًا، وبدعم مباشر من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

إسرائيل تقول، بالفعل لا بالقول: “لا دولة فلسطينية مهما قدّم الفلسطينيون من تنازلات مذلّة.”

أفلا يكفي هذا لأخذ العبرة وتغيير المسار، قبل فوات الأوان؟

وعليه، فإنّ تحقيق شعار “الدولة الفلسطينية” يُوازي أملَ دخول إبليس الجنّة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *