سلطة أوسلو: بين “الكيانية الفلسطينية” و”البيروقراطية الفلسطينية”

تفضل الصديق د. أحمد عزم بتقديم محاضرة قيّمة يوم 20 تموز/ يوليو بعنوان “مستقبل الكيانية الفلسطينية” بترتيب مع مكتبة الأرشيف في عمّان والمركز العربي للدراسات. وتضمنت هذه المحاضرة العديد من الأفكار المهمة والمثيرة للنقاش، وسوف تصدر كدراسة مفصلة في مجلة الدراسات الفلسطينية. وفي انتظار صدورها وتوسيع النقاش حول ما جاءت به، فإن إحدى الأفكار الأساسية التي وردت في المداخلة كانت عن التنظير لموقع السلطة الفلسطينية الراهنة بكونها القاعدة للكيانية الفلسطينية، أو هكذا يجب أن تكون. وتثير هذه الفكرة بعض التعقيبات والتأملات النظرية والعملية بشأن مفهوم الكيانية الفلسطينية في سياق التحرر الوطني بصورة عامة. ومن هذه التأملات الملاحظات الواردة أدناه، والتي تأتي في إطار تعميق النقاش ومساءلة المفاهيم، وهي على العموم أولية وليست بالضرورة رداً على ما جاء في محاضرة الصديق عزم، إذ إن النص النهائي للمحاضرة ليس بين أيدينا بعد.

بداية، ومن دون التوسع تنظيرياً، يمكن القول إن الكيانية الوطنية، أي كيانية، مرتبطة عضوياً وتكوينياً بفكرة الهوية الوطنية، ذلك بأن الأولى هي التجسيد العملي والسيادي للثانية. فالهوية الوطنية هي التكوين العميق لخلاصات وتعبيرات الشعور بذات جمعية ذات سمات مشتركة وموحدة، لخصتها حديثاً في تاريخ العالم وفي منطقتنا مع نهايات القرن التاسع عشر، فكرة القومية أو الوطنية. وتتجسد الهوية الوطنية على الأرض، كقومية تأخذ شكل كيانية دولتية، ومع نشوء هذا الكيان (الدولتي) تتحول الهوية الوطنية الجامعة إلى حالة مُمأسسة، ويتحول أفرادها إلى مواطنين في دولة. وبعد نشوء الدولة وترسخ “كيانها الوطني”، وحسم صراعها مع الآخر الخارجي، تتحول الهوية إلى مُعطى جمعي، وتنتقل صراعاتها إلى الداخل، وخصوصاً على مستوى المواطنة المتساوية وتحققها تبعاً لنوع الدولة ومدى سيادة مفاهيم العدل والمساواة والحرية بين أفرادها.

في مرحلة ما قبل الدولة يكون الانشغال الجمعي الحاسم لأصحاب الهوية الجمعية مُندرجاً في سيرورة تجسيدها الضروري (إن لم يكن الحتمي) على شكل كيانية خاصة بهم وبها، وفي أحيان كثيرة تُنتزع هذه الكيانية ضمن سياق صراعي مع المحيط أو “الآخر” – بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات متعددة القوميات والهويات. والمهم هنا ملاحظة امتناع تحوّل الهوية الوطنية إلى قومية وطنية من دون إقامة كيان يحتويها، أو كيانية وطنية تمثل الإطار المؤسسي الخاص بها. وفي عالم اليوم هناك عشرات إن لم يكن مئات من الهويات الوطنية التي ما زالت لم تتحول إلى قوميات وكيانات وطنية سيدة ذاتها، ومنها الهوية الفلسطينية (والهوية الكردية مثلاً في منطقتنا).

في مرحلة التحرر الوطني، الهادفة إلى إقامة كيانية، تتأسس الهوية والفعل الجمعي على مكوّن رئيس هو المقاومة والتحرر من الاحتلال والتي قد تأخذ أشكالاً عديدة، كما تتمحور آليات النضال والمقاومة حول حركة التحرر الوطني المعنية، كونها البوتقة التي تنصهر فيها الأهداف وآليات النضال والأماني الوطنية. وحركة التحرر الوطني هذه والتي عمودها الفقري هو المقاومة والتحرر، يتطور في داخلها مكون بيروقراطي إداري لا مناص عنه يكون معنيا بـ “إدارة” وتوجيه مشروع المقاومة وفعلها. وبدوره، يتطور هذا المكون البيروقراطي ويكبر وتتعقد مؤسساته بالتوازي مع إنجاز مراحل متلاحقة للتحرير ذاته، والذي ما إن يتحقق حتى ينتقل المكون البيروقراطي في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى أشكال أكثر مأسسة لها علاقة ببناء الدولة ذاتها. وفي سياق عملية التحرر والمقاومة وانتزاع الاستقلال، انتبه كثير من حركات التحرر الوطني، ومنظروها، إلى خطورة كبيرة تكمن في مكونها البيروقراطي خلال عملية التحرير، ذلك بأن نموه المضطرد والسريع قد يتجاوز الفعل التحرري، وبدلاً من أن يعمل على تسهيل الفعل المقاومي وتعظيم آثاره ومكتسباته على الأرض، يتحول الجانب البيروقراطي للحركة التحررية إلى عبء يعيق تقدمها ويبطئ إنجازاتها. وتؤثر “البرقرطة” في مجالات عديدة في السياق النضالي أهمها إضعاف روح النضال والتضحية والتطوع والتي تسم حركات التحرر ولا سيما في مراحلها الأولى، وهي السمات التي تمثل الطاقة والوقود المُشتعل لتلك الحركات.

فلسطينياً، كانت هذه هي حال منظمة التحرير الفلسطينية ما قبل أوسلو إذ تجاور المكونان: المقاومة والبيروقراطية. لكن وعلى الرغم من تفاقم المكون البيروقراطي في كيانها التحرري، فإن مكون المقاومة ظل هو أساس تكوين المنظمة وشرعيتها. حتى مع التراجعات المتلاحقة في البرامج السياسية المعُلنة منذ برنامج النقاط العشر سنة 1974 ومروراً بتبني حل الدولتين والاعتراف بإسرائيل في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فإن مكون المقاومة ذاته هو الذي فرض المنظمة، لا فقط ممثلاً شرعياً ووحيداً للفلسطينيين، بل أيضاً كـ “وطن معنوي” لهم بإقرار خصومها سواء أكانت دولاً، أم منافسين محليين صاعدين مثل حركة “حماس”. ومكون المقاومة ذاك هو أيضاً الذي منح منظمة التحرير الشرعية السياسية والقيادية، وتجاوز ضعف تقاليدها الديمقراطية الداخلية. ومثلت المنظمة أيضاً، على مدار عقود طويلة، أهم تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، واعتبرت داخلياً وخارجياً الجسر القوي المؤدي آجلاً أم عاجلاً إلى تجسد هذه الهوية على شكل كيانية وطنية مستقلة على الأرض الفلسطينية.

وبعد قيام السلطة الفلسطينية سنة 1994 على أجزاء من أرض فلسطين التاريخية، ارتبكتْ سيرورة تحول الهوية الفلسطينية إلى كيانية وطنية ذات سيادة، بسبب طبيعة اتفاق أوسلو الذي قامت على أساسه السلطة، والذي حدد مهماتها ووضع سقفاً منخفضاً على مآلها السيادي. ومع الوقت، تبخرت آمال أكثر المتفائلين في ذلك الاتفاق، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على قيام السلطة الفلسطينية لم تعد هناك أي محاججة تتسم بقوة المنطق النظري أو العملي على الأرض بإمكانها المراهنة على اعتبار هذه السلطة مرحلة انتقالية تقود إلى كيانية فلسطينية سيادية حقيقية. ما الذي حدث إذاً من منظور مكوني “المقاومة” و”البيروقراطية” المُشار إليهما أعلاه؟

تبعاً لاتفاق أوسلو وما قبله من وثائق “الاعتراف المتبادل” وسواها، أُحيلت “المقاومة” إلى التقاعد، بل وتم وسمها بـ “الإرهاب”، وهو ما حدث في الخطيئة التاريخية والقيمية الكبيرة التي انزلقت إليها منظمة التحرير عندما وافقت على النص المفروض إسرائيلياً وأميركياً وهو “نبذ الإرهاب”. استبطن ذلك وسم كل النضال الفلسطيني السابق بـ “الإرهاب”، كما هيّأ المزاج والسياسة للاندراج في ما هو لاحق من سرديات خطاب الإرهاب، والتي حشرت في زاويتها كل الفلسطينيين ومقاومتهم مهما كان شكلها حتى لو لفظية (أو في مناهج التعليم مثلاً). وأُحيلت إلى السلطة الناشئة مهمات إدارية وحياتية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عملت مع مرور الزمن (الربع قرن) على تحويل السلطة إلى مجرد أداة بيروقراطية هائلة دائمة التضخم، لكن من دون سيادة حقيقية ومن دون مكون المقاومة الذي كان يمنح الشرعية والسلطة الأخلاقية لمنظمة التحرير.

ومن دون الغرق في تفصيلات كثيرة باتت معروفة للجميع، فإن الصورة التي أمامنا تُشير إلى نشوء وتغول “بيروقراطية فلسطينية” تحت مسمى “كيانية فلسطينية”. وقد تفاقمت هذه البيروقراطية إلى درجة كبيرة ومتشعبة حتى لم يعد في الإمكان التراجع عنها إلى الخلف، أو التقدم بها إلى الأمام سياسياً وسيادياً، أو المناورة بحرية من دون التكبل بأثقالها، بسبب علاقة الاعتماد العضوي والحياتي والموضوعي التي ربطتها بفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الوقت ذاته كُبلت هذه البيروقراطية بالتزاماتها تجاه إسرائيل، وخصوصاً الأمنية والمتمركزة حول “نبذ الإرهاب” ومطاردة أي شكل حقيقي من أشكال المقاومة. هذه الالتزامات التي كان من المفترض أن تكون “انتقالية” لمدة خمس سنوات أصبحت تكوينية وتأسيسية لهذه البيروقراطية حتى تستمر، بمعنى أنها تحولت إلى “سبب” وجود هذه البيروقراطية وبقائها، لا “جسراً” لتحولها إلى شكل كياني مستقل. وقد اعتاشت البيروقراطية على ذاتها سنوات طويلة مُذهلة، من دون وجود سيادة حقيقية كما هو معلوم، على الرغم من انسداد في الأفق السياسي، وتغول الاحتلال الاستيطاني وتوسعه وتعمقه.

ولأن تغول بيروقراطية أي حركة تحرر وطني يعني تآكل مكونها المقاومي حتى في حال تمسكها به وممارستها له، ويعني أيضاً التأثير في شرعيتها السياسية، فلنا أن نتخيل المنعكسات السلبية الكبيرة التي أنتجتها البيروقراطية الفلسطينية، مع تحييد وتغييب مكون المقاومة، وتفاقمت مع السلطة الفلسطينية وحولها. وفي ضوء غياب أي إنجاز تحرري وسيادي فعلي، قاد ذلك كله إلى إضعاف روح التحرر الوطني الجمعية وسيادة سلوكيات اللامبالاة والمنفعة الأنانية بدرجات غير مسبوقة. ويمكن الإشارة في هذه العجالة إلى بعض تلك المنعكسات الخطرة التي نشهدها ونعيشها حالياً. الأول يكمن في توقف المقاومة قبل التحرير، سواء أكانت هذه المقاومة طليعية تقوم بها حركات أو فصائل، أم مقاومة شعبية ينخرط فيها الشعب بشرائحه المتعددة. لقد خفتت روح المقاومة بشكل مؤسف، وخصوصاً الشعبية، في ضوء تشتيت البوصلة الوطنية والادعاءات المتعددة، مُضافاً إليها تطبيع العيش تحت الاحتلال بوهم وجود “كيانية فلسطينية”. وشواهد ضمور هذه الروح لا تحتاج إلى أدلة، ويكفي حديثاً وحالياً التأمل في ضعف المشاركة حتى في المظاهرات الشعبية احتجاجاً على صفقة القرن ومشروع الضم. و”المقاومة” الوحيدة الموجودة، والخلافية، هي تلك التي تنادي بها “حماس” في قطاع غزة، والتي تأتي خلافيتها من كونها واجهة للسيطرة السياسية الداخلية، بينما يقع القطاع برمته تحت السيطرة الإسرائيلية الاحتلالية براً وبحراً وجواً، كما أنها مقاومة أخرجت الشعب أيضاً من معادلتها، لأن أساليبها الحالية، الصواريخ والسلاح بأنواعه الثقيلة والخفيفة، لا تتيح مجالاً للمشاركة الشعبية إلاّ في حدود دنيا.

الثاني، هو إنتاج فساد “الدولة” قبل قيام الدولة، والفساد هو السرطان المريع الذي يضرب قلب وأطراف أي بيروقراطية غير خاضعة لآليات المحاسبة والشفافية الصارمة. ولا حاجة هنا إلى سرد شواهد وأدلة على الفساد المُستشري في السلطة التي آلت عملياً إلى سيطرة مجموعات مُتنافسة على المصالح والمواقع والامتيازات وسوى ذلك، وهو يشل الذاتية الداخلية لأي ديناميات أو طاقة قد تستوجبها خيارات متعددة أو راديكالية من الممكن أن تبرز في الأفق وتستلزم تضحيات أو تغيير في المسارات.

الثالث، هو إنتاج أشكال من الحرب الأهلية والانقسامات قبل التحرير، كما وقع ولا يزال بين “فتح” و”حماس”. وفي العادة تنفجر الصراعات الأهلية بعد إنجاز التحرير (وهذا ليس شرطاً طبعاً في كل الحالات)، إذ تتوحد البوصلة الوطنية في مرحلة التحرر نحو العدو المشترك، وتكون واضحة ولا مجال لتشتيتها، وما أحدثه أوسلو، ثم بيروقراطيته اللاحقة، شتت هذه البوصلة على أقل تقدير. وعلى الرغم من السنوات ثم العقود التي مُنحت لها فإن سلطة أوسلو لم تستطع أن تنجز ما وعدت بإنجازه ولو في الحد الأدنى.

الرابع، أنتجت بيروقراطية أوسلو، على الصعيد الاجتماعي-الاقتصادي، اقتصاداً غير مستقل، تواكلي، معتمد على الإعانات الخارجية ومرتكز على توجه “نيوليبرالي” هش، وذلك قبل إقامة اقتصاد وطني يقوم على خدمه الطبقات الوسطى والفقيرة، ويعتمد على الإنتاج في الدرجة الأولى. والاقتصاد الاتكالي الريعي الذي أنتجته أوسلو هو في الجوهر أحد المكونات الأوسلوية الأساسية الذي يمنع عملياً نمو اقتصاد فلسطيني (حتى ضمن البيروقراطية الفلسطينية) يتمتع بالحد الأدنى من الاستقلال عن المُحتل نفسه.

الخامس (وليس الأخير)، أنتجت هذه البيروقراطية استبداداً أيضاً قبل قيام الدولة، على غرار الحالات العربية المعروفة، ذلك أن واقع حال السلطة الراهنة لم يعد متأسساً على أي شرعية من الشرعيات بما فيها الشرعية الانتخابية (تحت الاحتلال). وفي غياب “شرعية المقاومة” التي قامت عليها منظمة التحرير، وتجميد الانتخابات، وحل “المجلس التشريعي”، تُدار السلطة عبر مراسيم رئاسية وأمنية من دون أي محاسبة أو شفافية تُذكر في ظل انقضاء فترة الدورات الرئاسية والتشريعية، وبالتوازي مع تغييب شبه كامل لدور منظمة التحرير في المشهد الفلسطيني. ولا يوفر كل هذا أي بنية تأسيسية واعدة لـ “جسر” يأخذ هذه البيروقراطية إلى كيانية حقيقية.

خلاصة القول إن ما أنتجته السلطة خلال سنواتها الطويلة هو عملياً “بيروقراطية فلسطينية” مُكبلة بنيوياً باتفاقيات والتزامات أمنية، مجردة من أي مشروع سيادي يُشير إلى تحولها ولو بالتدريج إلى “كيانية فلسطينية” مُتحررة من الاحتلال. وثمة فرق كبير طبعاً بين “الرغبة” في أن تكون هذه السلطة جسراً لأي كيانية فلسطينية ولو كانت جزئية، وما هي عليه الآن من واقع أمر مرير. وكما هي الخطورة في أي بيروقراطية موسعة وعميقة، ومتشعبة الآن في حيوات الفلسطينيين، ليس ثمة ضمانة في الأفق تحول دون استمرار هذه البيروقراطية وسلطتها عشر أو عشرين سنة قادمة، لأنها سوف تعتاش على ذاتها وعلى آلياتها الداخلية وعلاقتها العضوية بالمحتل، إضافة إلى تحالفات الشرائح المُستفيدة منها، والتي ستظل تدافع عن “الوضع القائم” (بأمل أو من دونه) في أن تتحول هذه السلطة إلى شكل كياني سيادي مختلف.

المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *