سلام بلا سيادة: قراءة في مجلس السلام ومآلاته الفلسطينية

لم يعد النقاش الدائر حول غزة بعد الحرب يقتصر على سؤال الإعمار أو التهدئة، بل بات يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها، وأطر إدارتها، والمرجعيات التي تحكم مستقبلها. في هذا السياق، جاء الإعلان الأميركي عن تشكيل ما سُمّي بـ “مجلس السلام ” بوصفه إطارًا دوليًا جديدًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، محاطًا بشعارات الاستقرار والأمن وإعادة الإعمار، لكنه في جوهره يثير أسئلة سياسية عميقة تتعلق بالسيادة، والتمثيل، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
فهل نحن أمام مشروع سلام حقيقي، أم أمام محاولة جديدة لإدارة الصراع وتحييد أبعاده السياسية؟
الرد على هذا التساؤل يتطلب
البحث عن الموقف الفلسطيني العقلاني القادر على حماية الحقوق دون الانعزال عن مسارات القرار الدولي.

أولاً :ماهو مجلس السلام :
مجلس السلام هو إطار سياسي–دولي جديد اقترحته الولايات المتحدة (بقيادة ترامب) للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب في غزة، مع طموح أوسع ليصبح أداة لإدارة نزاعات أخرى لاحقًا.
هو ليس مؤسسة أممية، ولا يخضع لميثاق الأمم المتحدة، بل هو تحالف دولي اختياري تقوده واشنطن وتمت اقامته
لثلاثة أسباب أساسية:
1 . الفراغ في غزة بعد الحرب :
. لا تريد إسرائيل عودة حماس ،
. ولا تريد واشنطن إدارة مباشرة ،
. والسلطة الفلسطينية تُعدّ “ضعيفة أو غير جاهزة” بنظرهم ،
2 . تجاوز تعقيدات الأمم المتحدة :
. الفيتو ،
. المساءلة القانونية ،
. المرجعيات الدولية (الاحتلال، تقرير المصير…)
3 . إدارة الملف كقضية “استقرار وأمن” لا كقضية تحرر وحقوق :
. أي تحويل غزة من قضية سياسية إلى ملف إداري–أمني–إنساني .
ثانياً : ماذا يفعل المجلس عمليًا؟ :
بحسب ماتم إعلانه المجلس يقوم بـ:
. الإشراف على إدارة انتقالية لغزة ,
. تنسيق إعادة الإعمار ,
. تنظيم المساعدات
. الإشراف على الأمن الداخلي عبر ترتيبات غير فلسطينية خالصة
. تحديد من يشارك في الحكم ومن يُقصى .
المهم:
أن كل هذا يتم من دون مرجعية واضحة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
والمجلس هو فعلياً بديل عن الأمم المتحدة لأنه :
. لا يستند إلى قرارات مجلس الأمن ،
. لا يتحدث عن الاحتلال ،
. لا يفرض التزامات قانونية على إسرائيل ،
. يعطي الدول الكبرى حرية الحركة دون مساءلة .
ثالثاً : لماذا يلقى المجلس دعمًا من بعض الدول؟ :
لأنه:
. يخفف الضغط السياسي عنها ،
. لا يطالبها بمواقف حادة ضد إسرائيل ،
. يركز على “الاستقرار” لا “الحقوق” ،
. يسمح بالمشاركة دون التزام أخلاقي أو قانوني .

رابعاً : أين المشكلة فلسطينياً؟
المشكلة ليست في “السلام” كشعار، بل في المعادلة السياسية التي يقوم عليها المجلس:

  1. غزة تُدار بلا سيادة فلسطينية :
    لا انتخابات ، ولاتفويض شعبي ، ولابرنامج وطني .
    2 . السلطة الفلسطينية تحت الإشراف: الخطة الأمريكية تشير إلى أن السلطة ستتولى إدارة غزة بعد إصلاحات، لكن تحت إشراف مجلس السلام ،
    إما شريك إداري ، أو منفذ تقني ، لاصاحب قرار .
  2. القضية تُفصل:
    غزة = ملف إنساني–أمني ،
    الضفة = أمر واقع ،
    القدس = خارج النقاش .
    الخلاصة ببساطة جدًا هي أن
    مجلس السلام ليس مشروع سلام حقيقي، بل مشروع إدارة صراع.
    سلام بلا عدالة، وبلا سيادة، وبلا تمثيل فلسطيني جامع.
    هو محاولة:
    لضبط غزة ، وتحييد السياسة ، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية كأزمة إنسانية مزمنة .
    خامساً : الموقف الفلسطيني :
    بين الرفض السهل والقبول الخطر :
    بالطبع أثار الإعلان عن تشكيل “مجلس السلام ” جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية، بين من سارع إلى رفضه بوصفه مؤامرة جديدة، ومن تعامل معه كفرصة لا يجوز تفويتها مهما كانت الشروط. وبين هذين الموقفين المتناقضين، يضيع السؤال الأهم: ما هو الموقف الفلسطيني العقلاني الذي يحمي الحقوق دون أن يعزل الفلسطينيين عن مسار القرار الدولي؟
    المشكلة في ” مجلس
    السلام كما قلنا ” ليست في اسمه ولا في شعاراته، بل في المعادلة السياسية التي يقوم عليها. فالمجلس يتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا إنسانيًا–أمنيًا يحتاج إلى إدارة واستقرار، لا كجزء من قضية وطنية تتعلق بالاحتلال والحقوق والسيادة. وهذا التحويل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر الخطر السياسي.
    في المقابل، فإن الرفض المطلق لهذا الإطار، دون بديل أو اشتباك سياسي، لا يقل خطورة. فالانسحاب من ساحة الفعل الدولي لا يمنع اتخاذ القرارات ، بل يتركها تُصاغ من دون الفلسطينيين، وربما ضدهم . كما أن الاكتفاء بالشعارات العالية، دون حضور فعلي أو رؤية واضحة، يمنح الآخرين حق التحدث باسم الشعب الفلسطيني ومستقبله.
    المطلوب إذن ليس رفضًا شعبويًا، ولا قبولًا مجانيًا، بل انخراطًا فلسطينيًا مشروطًا، يقوم على قواعد سياسية واضحة لا لبس فيها. أول هذه القواعد هو التأكيد أن أي دور دولي في غزة يجب أن يكون جزءًا من حل سياسي شامل، لا بديلًا عنه. فغزة لا يمكن أن تُدار ككيان منفصل، ولا كمنطقة اختبار لتجارب دولية، بل كجزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية.
    كما أن المشاركة الفلسطينية في أي إطار دولي يجب أن تكون بمرجعية وطنية واضحة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني
    . دون ذلك، تتحول المشاركة إلى دور وظيفي أو إداري، يخدم الاستقرار أكثر مما يخدم الحقوق.
    وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الإعمار عن السياسة، ولا الإغاثة عن السيادة. نعم، الشعب الفلسطيني بحاجة عاجلة إلى إعادة إعمار غزة ورفع المعاناة عنه، لكن تحويل الإعمار إلى أداة ضغط سياسي، أو إلى بديل عن الحل العادل، هو شكل آخر من أشكال الابتزاز. لا إعمار بلا أفق سياسي، ولا إدارة بلا تمثيل، ولا استقرار دائم بلا إنهاء الاحتلال.
    أما داخليًا، فإن أي موقف فلسطيني قوي في مواجهة مبادرات دولية كبرى يفترض حدًا أدنى من الشرعية السياسية. فالانقسام، وتعطيل الانتخابات، وغياب الشفافية، كلها عوامل تُضعف القدرة على التفاوض، وتُسهّل تجاوز الفلسطينيين أو الالتفاف عليهم. الشرعية هنا ليست شعارًا، بل أداة قوة.
    الخلاصة أن “مجلس السلام ” قد يتحول إلى خطر حقيقي إذا قُبل به كما هو، وقد يصبح ساحة اشتباك سياسي إذا أُحسن التعامل معه. الموقف الفلسطيني المطلوب اليوم هو موقف واقعي بلا تفريط، ومبدئي بلا انغلاق: انخراط مشروط، اشتباك سياسي، وتمسّك بالحقوق دون المتاجرة بالمعاناة.
    فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من الإدارات المؤقتة، بل إلى مشروع سياسي يعيد تعريف السلام باعتباره عدالة وحرية وسيادة، لا مجرد إدارة للأزمات.
    وفي الختام فإنه رغم كل ما يحيط بالقضية الفلسطينية من محاولات اختزال وتجاوز ، تبقى الحقيقة الأهم أن الفلسطيني لم يكن يومًا مجرد موضوع للإدارة ، بل كان دائمًا صاحب قضية وقدرة على الفعل . فحتى في أكثر اللحظات قسوة، لم تُفرض أي معادلة سياسية نهائية دون حضور الإرادة الفلسطينية أو اصطدامها بها . إن مايمكن أن يفتح باب الأمل اليوم ليس شكل المبادرات الدولية ، بل قدرة الفلسطينيين على تحويلها إلى ساحات اشتباك سياسي، واستعادة وحدتهم وشرعيتهم ، وفرض حقوقهم بوصفها الأساس الوحيد لأي سلام حقيقي . فغزة، كما فلسطين كلها، ليست أزمة مؤقتة، بل وطن حيّ ، وكل محاولة لتجاوز هذه الحقيقة محكومة بالفشل، مهما طال الزمن .

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *