سردية الألم لمخيم اليرموك

“منذ أكثر من ١٣ سنة وبحكم ميولي اليسارية وتأثري بالماركسية والتروتسكية ولإيماني بمشروعية وأحقية النضال الفلسطيني انضممت الى الجبهة الشعبية – جورج حبش .. ونشطت مع كادرها لسنوات في دمشق ، كنت السوري الوحيد بين الفلسطينيين حينها والى عهد قريب ..كنت أحسد الفلسطينيين على تلك اللحمة الاجتماعية الشعبية حول مفاهيم : الوطن ، التحرير ، النضال ، النكبة .

كنت أرى كيف تفعل كلمة (خيـّا ) الهوائل ! .. يكفي أن يصيح بها أحدهم حتى يهب كل فلسطيني نجدة له .. حقيقةً كنت أتمنى حينها لو ولدت فلسطينياً.

وفعلا في عام ٢٠١١ كنت أعد نفسي للسفر إلى فلسطين عبر مصر إذ فتحت السلطات المصرية معبر رفح آنذاك ، إيمانا مني بضرورة الالتحاق بالنضال على الأرض.

قامت الثورة في بلادي واعتقلت مرات ، ولوحقت تحت طائلة التصفية واضطررت للخروج من البلاد .

في عام ٢٠١٢ ضربت طائرة الميغ “مخيّم اليرموك” وبدأت نكبة جديدة وحصار جديد رأى العالم كله صورا من قباحته ووحشيته لحقه آلاف الإعتقالات والتصفيات والجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري وأزلامه وعملائه .

في حينها جاع اليرموك ، مات اليرموك في محراب دمشق، تخيّلتُ أنّ كل فلسطيني في هذا الكوكب الملعون بصمته ، سوف يهرول و يجيب صرخات الـ(خيـّا) الصّادرة من “مخيّم اليرموك”

سوف يتذكّر كل فلسطيني ، ما قدمه أبناء هذا المخيم للعمل الفدائي على أرض فلسطين و في جنوب لبنان والأردن والجزائر .. سوف تعلو صور أبنائه ممن استشهدوا وضحّوا بحيواتهم لأجل فلسطين ، حارة الفدائية لوحدها لايخلو بيت واحد فيها من شهيدين أو ثلاثة.

سوف يذكر الفلسطينيون حين دفعت المخابرات السورية بأهالي المخيم جبراً الى دوار البطيخة في عام ١٩٨٦ للتظاهر وشتم فتح وأبو عمار ووزعوا عليهم صور حافظ الاسد ووقفوا خلفهم بالبنادق للهتاف بحياته ..

وكيف ألقى أهل المخيم بصور حافظ في البحيرة وصاحوا : أبو عمار قائدنا ، واليرموك فلسطيني ، فتحاوي ما يهاب الموت .. ذهب ضحية هذه الحادثة ١٢ شهيدا و١٤٧ معتقل مجهولي المصير حتى هذه اللحظة .

سوف يذكر الفلسطينيون كيف كان يتحول اليرموك الى كتلة غضب في كل يوم أرض وفي كل يوم عودة .

سوف يذكر الفلسطينيون كيف دأب أهل المخيّم على التظاهر لمدة ثلاثة أشهر متواصلة في خضم حرب غزة لأجل أهل غزة ولأجل فلسطين .

هل كنتُ ساذجاً أو طوباوياً حينها ؟! .. لا أدري ولكن ربما كنت كذلك !

حقيقةً لم يحرك أيّ فلسطيني في الداخل الفلسطيني حجرا أو يرفع أصبعا أو ينطق ببنت شفة لأجل مخيم اليرموك .

لم تشهد الضفة أو غزة مظاهرة شعبية واحدة لأجل “مخيم اليرموك” لم تخصص جريدة فلسطينية واحدة عددا يتيما لنضال ومأساة مخيم اليرموك

بل على العكس تماما، التطبيل والتزمير لبشار الأسد ونظامه الذي قتل واعتقل وهجّر أهل اليرموك ومسحه من الوجود بات رأياً شائعا ومستساغا في الداخل الفلسطيني .. سواء كان ذلك في الأوساط الإعلامية أو الشعبية .. اخر فصول هذا التنكر لدماء أهل المخيّم ..

تصريحات والد عهد التميمي التي تشيد بالقائد الممانع بشار الأسد وتصريحات عهد نفسها حين حيت حسن نصر الله شريك الأسد في قتله واجرامه .

ما زلت مصدوما وحائراً .. فعلا أنا مصدوم !

أسأل نفسي : هل كنت مخدوعا بما كنت أراه لحمة فلسطينية ؟

هل الـ(خيا) خرافة ؟

إلى عهد قريب ، كنت أهرب من تلك الأسئلة ، فاجدها تطاردني وتحاصر فكري إلى أن وجدت الإجابة .

تابعت عدة حوارات فلسطينية فلسطينية حول هذا الموضوع بالذات لأجد النعوت الجاهزة والقوالب مسبقة الصنع والاستقذار والتهميش والدونية الذي يبديهم فلسطيني الداخل اتجاه فلسطيني اليرموك هو ذاته وبعينه ما يبديه أغلب السوريين اتجاه الشوايا:خونة ، هاربين ، مخيمجية ، لاجئين ، أهل شتات .. الخ

الصديقة الكاتبة ناديا عيلبوني (لها مني كل التحية والود ) عبرت لي عن ألمها في محادثة تمت بيننا منذ اشهر وقالت : احنا فلسطينية سوريا دمنا رخيص ما بيعترفوا فينا الفلسطينية الي جوا الا ازا في لاعب من مخيم اليرموك بنادي فلسطين لكرة القدم غير هيك احنا بالنسبة الهم درجة تانية أو تالتة!

أنا سوري عربي الجذر والأصل وابن عائلة دمشقية معروفة .. هذا أمر لم اختره ولا يعنيني كثيراً ، ما اخترته حقا …

ان اكون ابناً للثورة ضد الديكتاتور .

أن أكون كافرا آبقا ، حين يوزع الإسلاميون صكوك الوطنية باسم الله واسم الدين .

ان اكون كرديا حين يظلم الاكراد .

ان اكون شاوياً حين يُهمّش شوايا سوريا .

وأخيراً وبكل فخر ..

أن أنتمي بضميري ووجداني الى “مخيم اليرموك” وأهله المنسييّن المهمّشين “شوايا فلسطين المحتلة” بتصرف”.

Author: أسد عبد الكريم القصّار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *