سخنين: من انتفاضة يوم الأرض إلى إحراق شجرة الميلاد

للمرة الثانية خلال الأسبوع الأخير من العام 2020، يقدم نفر من المتعصبين، الغارقين في الجهل والتخلف، في بلدة سخنين الفلسطينية، الواقعة في الجزء المحتل من فلسطين منذ 1948، على إحراق شجرة الميلاد. تلك الشجرة التي باتت رمزا عالميا للشعوب، يتجاوز منشأها المرتبط بيوم ولادة السيد المسيح. وعوملت في كل بلدان العالم كمصدر للبهجة والجمال وحب الحياة، والاستعداد لعام جديد، سعيد ومبهج.

هؤلاء الذين اعتدوا على الشجرة، هم في بنيتهم العقلية والنفسية والفكرية، بعيدون جدا عن الإنسانية، وعن استيعاب التنوع في المجتمع الواحد، وتقوم ثقافتهم على إقصاء المتباين والمختلف عن عقليتهم ومعتقداتهم وثقافتهم، وإلغاءه من الوجود، بمصادرة حق الآخر بالاحتفال بما يعتقد بقيمته ومكانته، وأين؟ في البلد الذي ولد فيه السيد المسيح، في فلسطين.

إن هذا الارتكاب الوحشي المجنون والمناهض لسعادة البشر، حين يحدث في سخنين، البلدة الفلسطينية التي أصبحت رمزا للصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي، منذ انتفاضة 30 آذار 1976، فهو يجعل، أو يحاول المرتكبون أن يجعلوا، سخنين رمزا للعنصرية الدينية المنفلتة من عقالها في أكثر من مطرح في فلسطين، في الأيام الأخيرة من العام 2020، وطمس صورتها كمكان يرمز للصمود على الأرض في مواجهة زحف الاحتلال العنصري الاستيطاني.

وإذ تزامن ” الهجوم الجهادي” على شجرة الميلاد في سخنين، مع حدثين من ذات الطراز، قامت بهما جهات أو مجموعات، تدعي ” الانتصار للإسلام”، و”حماية” فلسطين كوقف للمسلمين، نكون حيال تطور مرعب ينتظر مستقبل القضية وأبناءها.

الحدث الأول: منع، وتحريم، حركة حماس للاحتفال بعيد الميلاد “الكريسماس”في غزة”، حسب ما جاء في توضيحات حركة حماس و” ووزارة أوقافها” ومنابرها الإعلامية، ليكون استخدامها كريسماس وليس الميلاد، استثارة لمشاعر التعصب باعتبار المصطلح” كريسماس” يستخدم في الغرب المسيحي.

والحدث الثاني: قيام مجموعة من الأشخاص باقتحام ساحة مقام النبي موسى قرب أريحا، بداعي منع حفل موسيقي، اتهم منظموه بأنهم استخدموا المسجد “للموسيقى والرقص وشرب الخمور والمجون”. ولقد قام المهاجمون بالاعتداء على المشاركين في الحفل، الذي أقيم في ساحة المقام الخارجية وليس داخل المسجد، كما ادعت الجهات المساندة للمقتحمين. وكان اعتقال سما عبد الهادي الناشطة من أجل تعريف العالم بمواقع فلسطين التاريخية، باستخدام العزف والموسيقى، كحامل لعملها الدعائي الإعلامي الموجه للرأي العام في العالم وفي الغرب بشكل خاص. ذلك الاعتقال لإرضاء المتعصبين من أدعياء الدفاع عن طهارة” الأماكن المقدسة”.

إن اعتقال سما، على يد رجال سلطة محمود عباس، جاء ليكشف جاهزية السلطة المذكورة لمحاباة التيار المحافظ، وهو ما يشجعه على التطاول على الفضاء العام، ثقافيا واجتماعيا، لتقويض المضمون الوطني لحركة الشعب الفلسطيني بأسرها. فالطريقة التي تعاملت بها مؤسسة السلطة تشي بالجبن وتمهد لتراكم الممارسات النقيضة لمصالح الشعب الفلسطيني.

والأكيد أن فضيحة الموقف من ماجرى حول مقام النبي موسى، وإحراق شجرة الميلاد في سخنين مرتين، وقبل ذلك منع سلطات حماس الاحتفال بالميلاد” كريسماس” في غزة، هي في عمقها ليست موجهة ضد مسيحيي فلسطين، إنما بنتائجها وتفاعلاتها، تنال من الشعب الفلسطيني كله بمسيحييه ومسلميه، لأن استشراء الفكر الديني في فلسطين، يجلب الانحطاط والارتداد في أوساط المجتمع بأكمله، بالضد من الثقافة الوطنية والمدنية التي كانت السمة البارزة للواقع الفلسطيني، منذ تأسيس الحركة الوطنية المعاصرة في 1965.

نحن إذا نواجه زحفا متعصبا في فلسطين، من غزة الى الضفة، ثم الى الداخل المحتل 1948 في سخنين. هذا الزحف الظلامي المريض، هو الرافعة الموضوعية لكل الخطوات التوسعية الاستيطانية، التي اتسعت وتصاعدت مع ما يدعى” صفقة القرن”، التي طرحها الرئيس الأميركي ترامب. وأبعد من ذلك، هو- التعصب الإسلامي- يوفر الدعم لمشروع ” الدولة القومية اليهودية”، حيث تحويل التناقض الوطني الفلسطيني مع دولة الاحتلال العنصري الاستيطاني، إلى تناقض إسلامي يهودي، يفرغ الحركة الوطنية الفلسطينية من مضمونها التحرري، ويجعلها خارج أي اعتبار دولي لحقوقنا الوطنية. لكن وفي الأساس، طرح الصراع مع إسرائيل على هذا النحو الديني-الإسلامي، يخلخل بنية المجتمع الفلسطيني، ويستقطب أسوأ مافي المجتمعات العربية، ويظهر حركة الشعب الفلسطيني أمام العالم، كحركة دينية محافظة ومتخلفة، وهنا تفقد فلسطين مكانتها في أوساط العالم، ولا يعود دعم القوى العالمية، المناهضة للعنصرية الصهيونية، للحقوق الوطنية للفلسطينيين في مواجهة المشاريع الإسرائيلية التوسعية، كما كان عليه على امتداد تاريخنا المعاصر.

إن العمل لوضع حد لهذا التعصب الديني، ومنع تحويل فلسطين إلى فكرة دينية، هما المرتكز الحقيقي لمواجهة التمادي الإسرائيلي على الحقوق الفلسطينية، في التوسع والضم، تحت ظل ما يدعى” صفقة القرن”.

هل بإمكاننا أن نعيد فلسطين، وما ترمز له بلدة سخنين، لتكون علامة لمقاومة الاحتلال، والتشبث بالأرض والحقوق الوطنية؟ ذلك يحتاج لتقويض مشاريع القوى المضادة، التي تتستر بالدين تارة، وبالعشائرية تارة أخرى. لتبق سخنين مصدر اعتزاز متواصل لللإرادة الوطنية الحقيقية. سخنين 30 آذار 1976.

 

Author: مصطفى الولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *