زمن النار بين إسرائيل وإيران: قراءة في الردع الإقليمي


لم تكن الضربة الإسرائيلية على إيران مجرد عمل عسكري عابر، بل نقطة تحول مفصلية في مسار المواجهة الإقليمية. جاءت الضربة في لحظةٍ قدّرت فيها تل أبيب، بدعم أمريكي مباشر، أن موازين القوى باتت تميل لصالحها: تآكل ما يُعرف بمحور المقاومة، انهيار التحالفات التقليدية، وتواطؤ دولي صامت يتيح هامشًا واسعًا للمناورة. في هذا السياق، رأت إسرائيل أن الفرصة مؤاتية لتوجيه ضربة استراتيجية تأسيسية إلى العمق الإيراني، تستهدف البنية النووية والعسكرية والقيادية، لا بهدف الردع الوقائي فحسب، بل كمقدمة محتملة لتفكيك تدريجي أو إخضاع سيادي. لكنها وباعتقادي أساءت التقدير. فما تلا الضربة لم يكن خضوعًا، بل انقلابًا في المشهد برمّته .
على مدى سنوات، عملت إسرائيل، وبدعم أميركي ثابت، على الوصول إلى لحظة استراتيجية نادرة تُفضي إلى تحييد النفوذ الإقليمي الإيراني عبر تفكيك امتداداته الجغرافية والعسكرية. ومع اندلاع “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، تسارعت هذه الجهود ضمن مسار مركّب، استهدف قلب شبكة الدعم الإقليمي لطهران. في لبنان، تمكّنت إسرائيل من تحييد حزب الله نسبيًا عبر ضربات نوعية طالت بُناه اللوجستية، وامتدت لتصيب رموزه التاريخية، ما أضعف حضوره العملياتي . في سوريا، ومع سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة، تراجعت الأولويات لصالح إعادة التموضع. أما في العراق، فشهد الحشد الشعبي إعادة تعريف وظيفي، وسط صعود تيار “السيادة” وتنامي الحضور الأميركي غير المباشر. وفي اليمن، بقي سلوك الحوثيين محكومًا بسقف تفاهمات إقليمية تمنع انفلاتًا ميدانيًا واسع النطاق.
لكن ما لا يمكن تجاهله، هو أن هذه الضربة لم تكن فقط ردًّا على تراكمات تكتيكية، بل جاءت على وقع اقتراب إيران من العتبة النووية. فبحسب تقديرات دولية متقاطعة، باتت طهران تملك القدرة الفنية – لا السياسية فقط – على إنتاج قنبلة نووية خلال فترة وجيزة، وهو ما مثّل تغييرًا نوعيًا في ميزان الردع الإقليمي. هذا الاقتراب، القائم على شبكة منشآت محصّنة وخبرات متراكمة، جعل من خيار الضربة الإسرائيلية محاولة مبكرة لإجهاض التوازن الجديد قبل اكتماله.

وفي هذا الإطار، يصبح السؤال المركزي: هل تسعى واشنطن إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي بأي ثمن، أم أنها تناور على حافة الضغط دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة؟ فالإدارة الأميركية، وإن منحت تل أبيب الغطاء، لا تزال مترددة في تجاوز العتبة الحرجة التي قد تدفع إيران لاتخاذ قرار نووي حاسم. إنها سياسة الاحتواء المرتبكة: لا تسوية واضحة، ولا حسم نهائي، بل إدارة مُكلفة للهشاشة.
وسط هذا التآكل الموزّع لمحور النفوذ الإيراني، قرأت إسرائيل – بإسناد مباشر من إدارة ترامب العائدة إلى الحكم – أن لحظة الفعل قد نضجت. فإيران، في هذا التقدير، لم تعد تمتلك قدرة الرد الشامل، ولا شبكة دعم فعالة، بل باتت محاصرة بين أزمتها الداخلية ومحدودية خياراتها الإقليمية. في هذا المناخ، جاء التفويض الأمريكي لإسرائيل لا باعتباره إجراءً احترازيًا، بل كضوء أخضر لتوجيه ضربة مؤسِسة: ضربة لا تردع فقط، بل تعيد تعريف حدود الدور الإيراني في المنطقة، ضمن رؤية أمريكية أوسع لإعادة هيكلة الإقليم بعد فشل مسار الترويض النووي والدبلوماسي.
لم يكن الرد الإيراني خروجًا مفاجئًا عن المتوقع، بل استجابة منسجمة مع طبيعة الضربة ذاتها. فالاستهداف الإسرائيلي لم يقتصر على مواقع هامشية، بل طال عمق الدولة الإيرانية في بنيتها الاستراتيجية: قيادات عسكرية من الصف الأول، علماء في البرنامج النووي، ومنشآت حساسة في نطنز وفوردو، بما يُشبه محاولة منظمة لإخضاع إيران أو الشروع في تفكيك مراكز قوتها. في هذا السياق، لم يكن الرد خيارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية من منظور طهران. وقد جاء من صلب الدولة، بقرار سيادي مباشر، عبر أكثر من 200 صاروخ باليستي وعشرات الطائرات المسيّرة، استهدفت العمق الإسرائيلي من تل أبيب إلى حيفا، ومن القدس إلى النقب. سقط بعضها، لكن بعضها الآخر أصاب أهدافًا عسكرية ومدنية، مؤكدًا أن المواجهة لم تعد بين إسرائيل ووكلاء طهران، بل بين دولتين تدخلان طورًا جديدًا من الردع المتبادل، خارج قواعد الاشتباك التقليدية.
للمرة الأولى منذ عقود، لم تُطلق الصواريخ من جيوب المقاومة أو حدودها الرمادية، بل جاءت من قلب دولة ذات سيادة رداً على عدوان خارجي استهدف بنيتها الصلبة: العلماء، المنشآت، والقيادة. لقد خرقت إسرائيل مبدأ السيادة – لا كاستثناءٍ موضعي بل كخيارٍ استراتيجي – عندما استهدفت العمق الإيراني في نطنز وفوردو وطهران، دون تفويض دولي أو غطاء قانوني. وفي مواجهة هذا الإخضاع العاري، لم يكن الرد الإيراني تصعيدًا، بل استعادة لمبدأ المعاملة بالمثل في ظل انهيار منظومة الردع القانونية.
هنا لم تعد إسرائيل الطرف الذي يردّ، بل المُبادر بالخرق، والمُجبر على التعامل مع قواعد اشتباك جديدة تُبنى على قاعدة التكافؤ السيادي. وقد أظهرت الضربة الإيرانية أن امتياز إسرائيل التاريخي في احتكار الجغرافيا والمبادرة قد انكسر؛ إذ لم تَعُد المعركة تدور في الأطراف أو عبر وسطاء، بل وصلت إلى قلب المركز: تل أبيب، حيفا، النقب، والقدس. وتَجلّى هذا التحوّل لا فقط في استهداف البُنى، بل في زلزلة البنية النفسية والسياسية للداخل الإسرائيلي، الذي طالما تأسّس على وهم الأمن المطلق.
الرد الإيراني لم يكن فقط عسكريًا، بل كان تفكيكًا رمزيًا لمعادلة الردع الأحادي: رسالة تقول إن الدولة التي تُهاجَم سترد، وإن ما كان محجوزًا لإسرائيل – من حيث الحق في المبادرة – بات اليوم متاحًا لخصمها الإقليمي. ومن هنا، لم تعد المسألة مجرد توازن ناري، بل إعادة ترسيم لمنطق الفعل السياسي في الإقليم، حيث لم يعد القانون يُصاغ بالقوة وحدها، بل يُستعاد من خلال الرد عليها.
المهم في هذا التحول ليس فقط نجاح الرد الإيراني نسبيًا، بل ما كشفته من ارتباك إسرائيلي: فقد بدأت إسرائيل تدرك أنها لا تستطيع حسم معركة بهذا الحجم عبر ضربة واحدة. الحسم الذي اعتادت تحقيقه مع حزب الله لم يعد ممكنًا أمام دولة إقليمية تملك قدرات ردع، وبُنى عسكرية، وعمقًا استراتيجيًا واسعًا. وهنا تكمن المعضلة الجديدة: إسرائيل لا تملك رفاهية الحرب المفتوحة، ولا تملك رفاهية الصمت، وأميركا التي منحت الغطاء، لا ترغب فعليًا في الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، خصوصًا وسط ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
الرد الإيراني لم يكن مجرد فعل عسكري، بل إعلان ميداني عن بقاء الدولة وقدرتها على المبادرة. لم تُقدّمه طهران بوصفه انتقامًا بل كرسالة استراتيجية مزدوجة: داخلية لاستعادة الهيبة، وخارجية لتثبيت موقعها كطرف لا يُدار بالإنابة. في المقابل، بدت إسرائيل في موقع امتصاص الصدمة، لا إدارتها، خصوصًا مع دخول الوساطات الخليجية والدولية على الخط منذ الساعات الأولى، لا كمبادرة سلام، بل كأداة احتواء لتصعيد قد يتجاوز السيطرة.
أما واشنطن، فقد سعت بعد الضربة إلى إعادة ضبط الإيقاع ، خصوصًا على المسار النووي. تصريحات ترامب المتكررة تشير إلى رغبته في التفاوض، ولكن من موقع القوة لا من منطق الشراكة. هو يريد دفع إيران إلى طاولة تفاوض “مشروطة”، من خلال الضغط العسكري المتدرج. لكن إيران، حتى الآن، ترفض هذا المنطق. فكما رفضت أن يكون ردها عبر الوكلاء، ترفض أن تكون المفاوضات وليدة الإكراه. وفي هذا، يبدو أن لطهران رأيًا آخر.
رغم ذلك، لا يمكن مقاربة الدور الإيراني في المشهد الفلسطيني من موقع الإنكار أو التبجيل، بل من زاوية التحليل البنيوي لطبيعة هذا الدور وحدوده. فقد كانت إيران، على مدى عقود، الطرف الأكثر ثباتًا في تقديم الدعم العسكري والسياسي لفصائل المقاومة، في وقت انهارت فيه البنى الرسمية العربية تحت وطأة التطبيع والانخراط في معسكر الهيمنة. وقد لعب هذا الدعم دورًا حاسمًا في تطوير قدرات المقاومة، خصوصًا في غزة، ومنحها هامشًا استراتيجيًا للرد والمراكمة. لكن هذا المسار، رغم أهميته، ظل مشروطًا بمنطق إدارة التوازنات الإقليمية، لا محكومًا برؤية تحريرية تعتبر فلسطين مركز المعادلة لا مجرد ساحة.
فالسياسات الإيرانية، وإن وقفت عسكريًا إلى جانب فصائل بعينها، لم تُبنَ على اعتبار فلسطين – بكل مكوناتها من غزة إلى الضفة إلى الشتات – قضية وجودية تتقدّم على الحسابات الجيوسياسية. وحتى في لحظة الرد الإيراني الأخيرة، التي مثّلت تطورًا نوعيًا في الاشتباك، لم تُقدَّم فلسطين بوصفها محور هذه المواجهة، ولا جرى الربط الصريح بين الضربة وما تتعرض له غزة والضفة من إبادة ممنهجة. لقد بقيت فلسطين، في الخطاب السياسي الإيراني، أداة لتعزيز شرعية المقاومة، لكنها لم تتحوّل إلى منطلق لإعادة تعريف مشروع التحرر الإقليمي نفسه.
هنا تكمن المفارقة: أن تدعم مقاومة مسلحة دون أن تُعيد صياغة موقع فلسطين في استراتيجية الأمة، وأن تحمي سلاحها لكن دون أن تُلزم ذاتك بتكامل جغرافي وأخلاقي مع كل ميادينها. فالدعم للفصائل، مهما علا شأنه، لا يعوّض غياب الشراكة في التصور السياسي للمصير الفلسطيني. وإذا كانت مرحلة “الوكلاء” قد قاربت نهايتها، فإن ما لم يُنجَز بعد هو الانتقال من “التحالف مع أدوات المقاومة” إلى “التحالف مع جوهر القضية”، أي مع فلسطين كمرتكز لتحديد الصراع، لا مجرد عنوان للمزايدة أو التوظيف.
إننا نعيش اليوم زمن النار، لا كنار ميدانية فحسب، بل كنار سياسية وإستراتيجية تعيد تشكيل المنطقة. ليست هذه نار اشتباك قصير، بل نار باردة تتسلل في جدران النظام الإقليمي، وتعيد صياغة معادلاته، حدود الردع فيه، ومعنى السيادة داخله. إسرائيل لم تحسم. وإيران لم تُستنزف. والولايات المتحدة لا تريد الحرب، ولكنها تُهندس ضغطًا مستمرًا. في هذا الفراغ، تولد لحظة استراتيجية جديدة، خطيرة وغير محسومة.
المعركة لم تنته. لكنها لم تعد تُدار على قواعد الأمس. وما يُرسم الآن، سيرسم عقودًا قادمة.