زكريا محمد… الحياة عصفور دوريٌّ أغبر


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

سأحاول جعْل رحيل الشاعر الفلسطيني زكريا محمد “تطبيعاً” مع سؤال الموت لشاعر كان يقول: “سوف أتحدّثُ عن الموت حتى يُغمى عليّ”.

وسأتحايل على حقيقة صادمة، وهي أن الموت كان واقعة إخبارية لا تأملاً فلسفياً، وذلك لسبب مباشر لا يحمل أسئلة، بل لديه جواب واحد فقط في نهار أمس الأربعاء، حين مشى رجل على قدميه إلى المستشفى، ليشخَّص ألمُه الفجائي بـ”لوكيميا” حادة في مرحلة متأخرة.

وسيكون على الواقعة الإخبارية أن تعلن أن الشاعر الفذ زكريا محمد هو “داوود محمد عيد”، لأن الموت هنا له أوراق وإجراءات تنتهي في بضع ساعات من الثلاجة إلى الحفرة، فشهادة وفاة. مَن مات رسمياً هو داوود، ومن بقي يضرب في الصخر والحجر بحثاً عن الماء هو زكريا.

مطلع الثمانينيات كان في الثلاثينيات من عمره حين تخيّل ذاته بعد عقود شيخاً يائساً، وعلى مدى نصف قرن من الشعر وتسع مجموعات ظل يحدق في الموت مناكفة وعناداً، بل تفرّغ في مجموعته الأخيرة “تمرةُ الغراب” لهذا الحوار، وكان رأسه الأبيض مثل شجرة المجنونة.

“عصفورٌ دوريٌ أغبر، هذه هي الحياة. والحياةُ ليست خالقةَ معانٍ. الموتُ هو الخالقُ الحقيقي للمعاني، يُمسك بها بين يديه ثم يختِمها ويصدِّقها”.

شعر يستحضر الميثولوجيا واللغة القديمة إلى الشارع والسوق والمقهى

ومن تعرّف إلى منجز زكريا محمد يتصالح فوراً مع متن شعري يبدو فيه حديث الوجود والعدم والحياة والموت جلياً، لكنّ المصالحة تتعدى أن تستمر سوى لحظات، إلى معرفة القارئ أنه ليس أمام نص صوفي على ضوء شمعة، بل كتابة مخموشة بالمخلب. ومنذ 2011، صار الشاعر فياضاً أكثر من أي وقت مضى، ونبت لديه مخلب وحيد، هو إصبع السبابة التي ينقر بها على الكيبورد، وذكرها في قصيدة.

أكثر من ذلك يبدو طيف متنوع من القراء معجبين بلعبة الشاعر التجريدية، حتى أنه وفق ملاحظة قديمة للجاحظ يطرح نصاً قادراً على إدهاش العارفين وغير العارفين.

في العقدين الأخيرين، يقرأ القارئ قصائد كُتبت في التوّ واللحظة ونُشرت بترابها، ثم بعد ذلك قد يُجري عليها الشاعر تحريراً وتصحيحاً. يكتب وينشر فيرسل له الأصدقاء الخلّص منبّهين إلى خطأ طباعي هنا وهناك، والنتيجة أربع مجموعات شعرية فكّر ذات مرة أن يسمّي واحدة منها شعراً فيسبوكياً. فيسبوك ذاته الذي أغلق صفحته بسبب منشوراته السياسية مختبره التجريبي، فكانت صفحته ذات قيمة عالية، ودار نشر إلكترونية للبحث والشعر والانخراط الحاد في الشأن السياسي.

والمجموعات الشعرية الأخيرة (“كشتبان” و”علندى” و”زراوند” و”تمرة التراب”) توبعت كلها على الفيسبوك قبل أن يجمعها الشاعر في كتب، وهي تناهز نصف منجزه الشعري منذ أواخر السبعينيات.

وفي هذا الشعر خاصية جديدة؛ إنه شعر يستحضر الميثولوجيا واللغة القديمة إلى الشارع وسوق الخضار، والمقهى، ومثلما يجلس الجميع على دكة تواصل اجتماعي واحدة، كانت الفاختة تعشّش في القصيدة التي تحكي الكيبورد والإنبوكس والتشيير (المشاركة) و”كوفيد ناينتين” وقائمة الفيفرت (الأصدقاء المفضلون) والبوستات (المنشورات).

ليس لديه وقت لعنوان يحجز الشعر كما يحجز السد فيض الماء

ولقد آمنتُ دائماً بأن ما جاء في بيان جائزة محمود درويش التي نالها عام 2020 وهو يتحدث عن قصيدته المحمولة على “قوة الخيال والانعطاف المفاجئ في الصورة الشعرية ذات وقع آسر وقوة مجازية خاصة”، هو أحد أسرار التلقي الذي شاع بين قرّاء الشاعر.

هذه اللعبة الشعرية كان زكريا محمد قد تدرّب عليها طويلاً واكتسب قدرة على التحول إلى حكيم أعشى في بيت طيني على أرض أريحاً ولديه بضع نخلات يخرِفها ولا يمشي دون أن يخبئ في جيوبه تمراً، كما كانت الجمال المعرضات تحمل تمراً سبيلاً تحط عليه الغربان وتأخذ رزقها.

يملي قصائده بتجربة خمسين عاماً من الكتابة، ويزهد حتى في وضع عناوين لها. ليس لديه وقت لعنوان يحجز الشعر كما يحجز السد فيض الماء.

يقطع المسافة بين بيته والمقهى وهو المشاء المعروف، ويسابق ساقيه قبل أن تخوناه، وهو يكلّم روحه “عليّ أن أصل إلى المقهى قبل أن تضيع الصور والتشابيه التي تتساقط في رأسي مثل كبب الصوف الملونة”.

ومرة أخبرتُه على “الإنبوكس” بأنني سأكتب نصاً أقلّد فيه الشعراء مثل مونولجيست يقلّد الفنانين، وسأقلدك أنت من بينهم. وبدا لي أنه لم يضحك وسأل جاداً: كيف ستقلدني؟

وكان في بالي دائماً ما في بال الأقدمين والمعاصرين أن الشاعر يكتب قصيدة واحدة. والمعنى من ذلك أن لدى الشاعر بطاقة شخصية أو طبعة مائية للروح.

والانعطافات المفاجئة في قصيدة زكريا محمد هي من ملامحه الشعرية التي عايشتها، ما أراه ملَكة نادرة تجلب طرائد بريّة بالحسنى وأكياس بلاستيك سوداء عالقة في السياج.

لكنّ التبسيط هو في تلخيص النتائج. أما ما وراء هذه اللعبة فهو السر الأصعب، والذي يجعل شاعراً مثقفاً يكتب القصيدة بعاطفة حادي العيس ومعرفة مثابرة في الأساطير والنقوش الأثرية والزراعة والنحت والرسم والانخراط الحزبي والنضال السياسي.

كان يصرّ على أن الشاعر يجب ألّا يعرف أين يضع قدميه

قضى عشر سنوات في الجاهلية يحفر في الرمل والصخر. فكم عشر سنوات في عمر الشاعر؟ لكنه أصدر كتباً في المجال الديني في مكة ما قبل الرسالة المحمدية. قرأ كثيراً في كتب التراث التي نُخفي منها لأسباب معروفة أكثر مما نكشف، وحذر أن يسلّم رقبته للمستشرقين. بل حتى كان لديه وقت مستقطع يستأذن خالد بن سنان العبسي ليكتب روايتين وقصصاً للأطفال، ثم يعود إلى قبيلته.

بل عاد أكثر إلى الوراء التاريخي، فكتب كتاب “عندما سُحقت حية موسى نشوء اليهودية في فلسطين في العصر الفارسي”، وبلغ العصر الحجري الأعلى في “كتاب سَنة الحيّة.. روزنامات العصور الحجرية”، وهما اللذان أرسلهما لي قبل نشرهما مما أحمل له في نفسي تقديراً عالياً.

وفي هذين الكتابين وكل منجزه البحثي نجده يقسّم العالم إلى عالمين سفلي وعلوي، والماء بالتالي سفلي ينبع من الأرض عذباً يشق الصخور ويزحف كالحية والماء العلوي الذي يسقط من السماء.

في كلا العالمين ستبدأ أساطير البشر ودياناتهم. الماء هو الذي يمنح الآلهة أسماءها. منذ العصر الحجري الأعلى الذي شغله سنوات عديدة في آخر أيام حياته، كانت السماء نجوماً وآلهة. لذلك حين يكتب نصاً فيسبوكياً قصيراً عن الكهرباء التي قضت على الآلهة، فإنما يحكي عن النجوم التي لآلاف السنين تتبادل مع الحيّات (رمز الفيضان المائي الأرضي) الأدوار معاً من أجل السيطرة على الزمن، وولادة المرويات الميثولوجية الكبرى.

الصورة الأولى صورة الشاعر، الذي لديه خاصية يكاد يُجمع عليها بأنه مغاير. والمغايرة قادمة من المعرفة والموهبة اللتين أنجبتا روزنامة الأقدمين، واقترض منها زكريا روزنامة ثلاث وسبعين سنة عاشها حتى يوم الثاني من آب/ أغسطس 2023.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: محمد هديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *