روسيا كأمريكا لاعبان في منظومة واحدة ولغاية واحدة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

(تحليل مُضاد للعهر والخواء)

لا يزال بعض أخوتنا يُتحفنا بتحليلاته المتّصلة بمفهومه للمنظومة الدولية ذات قطب واحد أو قُطبيْن وما أدراك من خراريف وضعت فرضياتها مدرسة العلوم السياسيّة الأمريكية. هم هم الذين يدّعون مناهضة أمريكا “الشيطان” يقرؤون العالم كما تقرأه أمريكا ويستبطنون نظرتها للعالم باعتباره حيّزا حيويًّا لها ومزرعة لاقتصادها وشركاتها. فيبحثون ليس عن حقوقهم ولا عن عدل للشعوب المُستضعفة ولا عن بديل للتبعية والانجرار والانسحاق تحت بساطير جيشها الفعلي وجيوشها بالوكالة، ولا عن نظرية أخرى للعالم ونظام جديد يستعيد فيه المستضعفون حقوقهم. لا يفعلون شيئا من هذا بل يستنجدون بشيطان لا يقلّ دمويّة ـ روسيا بوتين وعصابة الأوليغارخيا التي نهبت موارد الشعب الروسي وأودعتها في بنوك الغرب والشيطان. لا يفكرون في أن النظام الذي صمّمته أمريكا وحركة الرأسمال هو الذي أنتج روسيا بوتين كما تتجلّى لنا في تدمير أوكرايينا وانسحاق شعبها وضماناته الاجتماعيّة ونقاباتها. لماذا تعتقدون أن نظام أوليغارخي رأسمالي متوحّش ـ بدون مؤسسات سيكون أفضل للعرب أو للعالم من نظام رأسمالي آخر؟ عندما ستفشل روسيا سيلجأون بطبيعة الحال إلى الصين التي تندفع في مشروعها الرأسمالي الهائل. وإذا أخفقت أو تفاهمت مع أمريكا فسيعوّلون على الهند أو ربّما البرازيل أو كوريا الشمالية أو داعش جديد. هذه هي العقلية التي يفكرون فيها في الكون وفي أنفسهم وشعوبهم والعالم.

الدول المسمّاة عُظمى هي التي انتزعت من الدول الأخرى مكانة فوق الدول. وهي ـ جميعها دون استثناء ـ استعملت هذا التفوّق في سحق شعوب ومجتمعات والهيمنة على موارد وأراض وبحار. هذه هي الحركة الأساسيّة في المنظومة الدولية. تشتعل الحرب عندما تختلف هذه الدول وتخبو عندما تتفق على اقتسام المصالح. ألا تعيش أمريكا وروسيا جنبًا إلى جنب في سورية وليبيا؟ ألا تعيش روسيا وإسرائيل كالسمن والعسل في سوريّة؟ ألا تتقاسم أمريكا وإيران موارد العراق بالتنسيق والتفاهم؟ أم يكن بوتين حبيب ترامب ـ أمريكا؟ أمل يكن يلتسين الثمِل حبيب الألمان الذين اشتروا نصف روسيا؟

لماذا نمنح هذه الدول كلّها امتيازات ونفترضها “طبيعية” ونحكم على الدنيا وعلى أوكرايينا وشعبها كما تحكم هي؟ تغزو وتدمّر وتدكّ وتشرّد لأنها “عُظمى” وننجرّ وراءها كما تجرّ جيوشها العربات والمدافع، أو كما يُصمم إعلامها الوعي العام؟ فروسيا بوتين لا تشذّ في سياساتها عن هذه المنظومة التي يشكّل العرب إحدى ضحاياها المزمنين والأكثر انسحاقًا؟. تحرّكها مصالح الأوليغارخيا والقلّة المهيمنة وليس مصالح الشعوب. تحرّكها اعتباراتها المشتقّة من منظومة “الدول العظمى” وتوازناتها، وهي المنظومة التي تحرم الكثير من الشعوب حقوقها وكرامتها. فهي التي شاركت في تدمير سورية وتطهيرها من شعبها. وهي التي تقبض على روح دول الجوار بحجة مقاومة المدّ الأمريكي. وكانت أمريكا استعمرت العالم بحجّة مقاومة الشيوعية وواصلت ذلك بحجة مقاومة الإرهاب! 

الحرب الروسيّة على أوكرايينا تأتي في إطار هذه المنظومة المدمّرة التي ينبغي أن نرفضها من أساسها لا أن ننتمي إلى أحد أطرافها ونهتف للموت معها كأننا ذاهبون إلى حفلة جنس جماعيّ! لماذا نعطي مشاريع “الهيمنة” امتيازات في اليمن وليبيا وأوكرايينا وفلسطين وسوريّة والعراق والقرم وشمال القفقاز هذه الشرعية ونرقص على شبابتها ونُسلطن؟ لماذا لا نتحرر في تفكيرنا على الأقلّ من هذا الأنشوطة؟ لماذا نفكّر كما يُفكر رؤساء عصابات الدول ونهلّل ونحلّل ونمجّد وننتشي لحروبهم أو خساراتهم؟ لماذا نرى العالم وأنفسنا بعيونهم ونتعهّر على طريقة الإعلام العبري ومسؤولي دولة الأبرتهايد الإسرائيلي؟

وبعض العهر يُفضي ببعضنا إلى الأضاليل أو إلى “التحليلات” الارتجالية الخاوية. ومنها أن بعض أخوتنا المناهضين لمنظومة الاستعمار الإسرائيلي والأمريكي، يقبلون بحماس استعمار روسيا لأوكرايينا وغيرها من دول. ومنها أيضًا، أن العالم عندهم مقسوم لدول فقط لا وجود فيه لشعوب وحقوقها وآلامها وقهرها!

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مرزوق الحلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *