رواية «سيّدة الخبز»… وجعٌ في أرض العرب

إذا اتّفقنا أنّ هاجس كتّاب الرواية هو تقديم مبنًى ذي معنًى يمكنه أن يقلّص الهوّة الفاصلة ما بين الواقع والمتخيّل، بوصف الأوّل حياة ممارسة والثاني حلمًا مبتغًى، فإنّ رواية «سيّدة الخبز» لنور السبوع (دار الفارابي، 2021) عملت على إلغاء المساحات الشاغرة بين مهامّ الفعل الجماعيّ، وضرورات الاشتباك الفرديّ، لإعادة صياغة خطاب الحرّيّة والكرامة في مجتمع عربيّ، رَهَنَ – ولا يزال – يومه ومستقبله بظهور منقذ غائب حاضر بلا هويّة واضحة، وبأهداف ملتبسة.

من هنا، يمكننا القول إنّ قارئ «سيّدة الخبز» سيجد نفسه بالضرورة متورّطًا في تفاصيل أحداث، كان هو أحد شهودها، وربّما أحد المشاركين في صنعها، إلّا أنّ أسئلة الكاتبة في بُعْدِها الفلسفيّ المميّز ما بين السياسيّ والوطنيّ، لم تكن هي ذاتها نفس أسئلة الأحداث، موضوع العمل، الّتي تدور حكاياتها حول الثورات العربيّة الحديثة، وأقصد ما عُرِفَ بـ «الربيع العربيّ»، إن صحّ حصر تسميتها بالثورات؛ ليس لأنّ هذا القارئ أو ذاك محسوب على طرف دون آخر، لكن لأنّ سؤال الوعي، هو عادةً سؤال حرّ ومتحرّك، قد تُعاد صياغته بين لحظة وسواها، مرّات ومرّات.

ثنائيّات أرض العرب

والفارق البينيّ بين السياسيّ والوطنيّ في «أرض العرب»، كما تقترحه الكاتبة في سرديّتها، أو كما فهمه كاتب هذه السطور، هو فارق يشدّد على أنّ الأوّل؛ أي السياسيّ، هو ذلك الشخص الساعي بكلّ ما يملك من أدوات للوصول إلى مصالحه الخاصّة والشخصيّة، وإن وصل إليها على حساب أقرب الناس إليه؛ لا يعنيه الوطن من قريب أو بعيد إلّا حينما يكون جزءًا من نظامه، فيما الثاني؛ أي الوطنيّ، هو ذلك الإنسان المهموم بمستقبل أبنائه وأحفاده في سياق همّه الأكبر؛ الوصول إلى مجتمع حرّ يأكل ممّا ينتج، ويقول ما يريد قوله متى شاء وأينما شاء، يسعى وراء رزقه بعزّة وكرامة.

أسئلة الكاتبة في بُعْدِها الفلسفيّ المميّز ما بين السياسيّ والوطنيّ، لم تكن هي ذاتها نفس أسئلة الأحداث، موضوع العمل، الّتي تدور حكاياتها حول الثورات العربيّة الحديثة، وأقصد ما عُرِفَ بـ «الربيع العربيّ»… 

تعالج سرديّة «سيّدة الخبز» عددًا من القضايا الأساسيّة، في سياق ما يُعْرَف بالثنائيّات الضدّيّة، هي قضايا الحرّيّة في مواجهة القمع، والفقراء والمهمّشين في مجابهة الأثرياء والمنتفعين، والثوّار في مقارعة الخونة، والأهمّ الوعي في منازلة الجهل، والأمل بوصفه نقيضًا لليأس. ذلك لأنّ نور، الكاتبة والمواطنة، لا تريد لشعوبها العربيّة، سواء في فلسطين أو في بلاد العرب، الفضاء المكانيّ للسرديّة، لا تريد له أن ينتظر المنقذ ‘الخائن‘، كما تعبّر هي على لسان أحد شخوصها، وإن كان لسان الخائن عدنان في العمل (ص 45)، ببساطة لأنّ “الأمل لا يتعلّق بفرد واحد”، على حدّ قولها أيضًا (ص 49).

وأرض العرب في السرديّة، الفضاء المكانيّ الّذي اختارته نور بوصف عملها عملًا روائيًّا، وكأنّنا بها اختارته بهذا المعنى لأنّه أيضًا، هو ذلك الحيّز المكانيّ الّذي نتشارك معًا فيه كأفراد منتمين إلى هذه البقعة من العالم، وهي مشاركة تنسج حكايات الوجع المشترك، حكايات الناس العاديّين في مواجهة أنظمة حكم في كيانات وظيفيّة كما يسمّيها الكاتب الأردنيّ هشام البستاني، ببساطة لأنّنا “كلّنا شئنا أم أبينا حلقات لسلسلة واحدة مرتبطة تجرّ ما يصيبها إلى الجميع” (ص 102).

المقاربة العشائريّة في الكيان الوظيفيّ

ولأنّها كيانات وظيفيّة في “أرض ليست آمنة” (ص 139)، نجد الكاتبة بقصد أو دون قصد تستدعي المقاربة العشائريّة. هذا الاستدعاء الّذي قد يبدو للقارئ، وربّما للكاتبة نفسها، استدعاء طبيعيًّا في سياق عربيّ، تشكّل العشيرة إحدى أهمّ مفرداته، “القبائل في أرض العرب لها وضعها الخاصّ، كأنّ بينها وبين الحكومة اتّفاقًا غير رسميّ بحماية كلٍّ منهما للآخر، وعدم التعدّي على حقوقه الّتي يعترف كلّ طرف بها ضمنيًّا للطرف الآخر” (ص 111-112)، هو استدعاء ليس عاديًّا أو طبيعيًّا.

لا تتوقّف المقاربة العشائريّة أمام متطلّبات التركيبة الاجتماعيّة فحسب، لكنّها أيضًا ترتبط ارتباطًا أصيلًا بوظيفة هذه الكيانات الوظيفيّة؛ إذ تكمن إحدى أهمّ مهامّها كما يراها البستانيّ وغيره من المثقّفين العرب، في دفع المجتمعات العربيّة إلى مربّعات الجهويّة والمناطقيّة والعشائريّة، لإنتاج هويّة فرديّة مهما كان عدد المنتمين إليها من جمع، وهو ما يمكننا توصيفه بالمحاولة الجدّيّة لهندسة هويّة عربيّة جديدة، لا يرتبط صاحبها بفكرة الوطن إلّا عبر ارتباطه بتعبيراته الزبائنيّة، من خلال الاستفادة الشخصيّة والذاتيّة من موارده الطبيعيّة والبشريّة والإنتاجيّة، وهي تفعل ذلك أيضًا، وأقصد أنظمة الحكم الوظيفيّة؛ كي تبقي هذه التجمّعات منشغلة في ما بينها، وتبقى هي تمتلك المزيد من القدرة العالية للسيطرة عليهم لأطول زمن ممكن. وهو ما يمكننا أن نلمحه من خلال الاتّفاق المبرم بين وزير الداخليّة ورئيس الوزراء في الرواية، وسمعنا تفاصيله بصوت الساردة وهي تقول: “اتّفقا على أن يمنحا بعض القبائل الكبيرة بعض المراكز الثقيلة في الدولة، وعندها ستثبت الدولة احترامها لهؤلاء، الّذين سَيُسْكِتونَ القبائل الصغيرة ويتداركون الموقف قبل اشتعاله” (ص 122).

لا إجابات جاهزة

قد يكون القارئ أحد شهود الأحداث الّتي جاءت تحت لافتة كبيرة أو عنوان عريض، هو «الربيع العربيّ»، لكنّه – أي القارئ – لم يكن ليختار لخواتمها ما وصلت إليه، وكذلك هي الكاتبة نور، الساردة الحاضرة المشاركة في هذه الرواية بتقنيّة سرديّة لافتة فنّيًّا، ذلك لأنّها لم تعمل بوصفها راوية للأحداث فقط، وإنّما أيضًا باعتبارها شريكة أصيلة في صناعة الحدث وتحريك شخوصه، وهو ما يمكننا ملاحظته بوضوح من خلال ما لجأت إليه الكاتبة من تقنيّة المونولوج الداخليّ الخاصّ بالسارد نفسه، “دقّ، أيّها العود العربيّ، فأنت أكثر دراية بالوجع منّي، اِبْكِ على حال النساء وعلى سبايا الفقر أو الغنى، لا فرق، صدّقني، فكلّهنّ رهائن خلف سور واحد، لا تدري واحدة عن الأخرى، يزاود الكلّ عليهنّ تحت سقف حظيرة أو فوق يخت” (ص 61).

يتمظهر صوت السارد ليطرح عديد الأسئلة المشروعة لا الإجابات الجاهزة، وهو يسأل ويكرّر السؤال على نفسه بصيغ وضمائر مختلفة في العمل؛ لأنّ في السؤال صيغًا أخرى لإجابات محتملة… 

هكذا يتمظهر صوت السارد ليطرح عديد الأسئلة المشروعة لا الإجابات الجاهزة، وهو يسأل ويكرّر السؤال على نفسه بصيغ وضمائر مختلفة في العمل؛ لأنّ في السؤال صيغًا أخرى لإجابات محتملة؛ “ما شكل الأرض دون حقّ يا ترى؟ (…) كيف يقوم الحقّ إن لم يعلم أنّه سقط؟ حتّى الساعون خلفه، مَنْ يريدونه حاضرًا في حياتهم، تركوه وهم يركضون خلف سراب مخادع يطلق على نفسه اسم الحقّ ويجهّز العدّة للظالمين وهو الشيطان بعينه! مساكين هم أتباع الباطل، ومساكين أكثر مَنْ ضحّوا بكلّ شيء من أجل صورة حقّ لا تعرف عن الحقّ شيئًا” (ص 97).

أجادت الكاتبة حين شاركت شخوص سرديّتها إعادة صياغة الخطاب، سواء بالنقد أو بتحرّك الأحداث، هذا فضلًا على نجاحها في اختيار أسماء أبطالها، حين يلحظ القارئ المحمول الدلاليّ الّذي شكّلته أسماء أبطال العمل، خالد، وسارة، وانتصار تحديدًا؛ فلرمزيّة اسم خالد، وهو شخصيّة رئيسيّة ظهرت بإيجابيّة عالية في العمل، دلالة واضحة ترتبط بالخلود، وكذا اسم انتصار «سيّدة الخبز»، المنتصرة ولو انكسر حلمها الشخصيّ؛ لأنّ الأحلام قد تُكْسَر ولكنّها لا تُهْزَم، وكذلك اسم سارّة، هو اسم مشتقّ من جذر «س ر ر» في المعجم العربيّ، وسارّة هي الصيغة الفاعلة من هذا الجذر ومعناه المبهجة، المفرحة وفق قواميس اللغة، وفي المعنى هو الشعور بالحنان، والإخلاص في الحبّ.

أخيرًا، إنّنا، إذ نحتفي بإصدار عمل روائيّ جديد لصوت نسائيّ واعد، ونُشيد فيه، فهذا لا يعني أنّ العمل جاء بلا هنات أو أخطاء يمكن القارئ أو الناقد أن يرصدها؛ نعم، هي هنات قد لا تكون مؤثّرة في مسار الأحداث أو الحبكة الروائيّة، لكن من الأهمّيّة أن تتوقّف الكاتبة أمامها وتستفيد. وذلك دون الغوص عميقًا في تلك الأخطاء، لا لشيء لكن لأنّه ليس من الإنصاف محاكمة روائيّة من عملها الأوّل على هنات وأخطاء قد يقع فيها المتمرّس والمكرّس، فكلّنا في الهمّ شرق، وفي الهواء سواء. خاصّة ونحن أمام لحظة ميلاد لكاتبة روائيّة تمتلك ناصية الرؤية، انطلقت في مسار شائك لن يكون وليدها البكر فيه، رواية «سيّدة الخبز»، إلّا مدماكًا أوّلًا في طريق طويل، شاقّ وجميل.
عن فسحة

Author: أحمد زكارنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *