ردود الفعل العربية الرسمية على اتفاقية الإمارات بين الصمت وأنصاف المواقف

منذ الإعلان عن اتفاقية التطبيع بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني، برعاية أمريكا، حاولت تتبع المواقف الرسمية للدول العربية جميعها، فهذه الاتفاقية تؤسس لمرحلة جديدة غير مسبوقة، وتمثل اختراقا كبيرا في جسد الأمة العربية، وطعنة في كرامتها، وخيانة للقضية الفلسطينية، التي هي قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية، وكل أحرار وشرفاء العالم لأنها ببساطة قضية حق وعدالة.

الإمارات ليست في حالة حرب مع إسرائيل، حتى تعقد بينهما اتفاقية سلام. الأمر ببساطة أنها كانت منذ إنشائها قبل نصف قرن جزءا من الأمة العربية، تلتزم بقراراتها، وتشارك في همومها، وتساعد قدر ما استطاعت في رتق جروحها، لكنها خرجت عن هذا الالتزام وبطريقة فيها شيء من العنجهية. في ردود الفعل العربية هناك من رحب أو انتقد بخجل، خوفا من العقوبات المالية، وإلغاء المساعدات والمشاريع وغيرها. لقد خرجت من تلك المتابعة بعدد من الملاحظات:

– نلاحظ أولا أن ردود الفعل العربية الرسمية تأخرت كثيرا، وكأنها كانت تراقب بعضها بعضا، لتبني مواقفها بناء على شكل وحجم ردود الآخرين. حفنة من الدول فقط أصدرت مواقف سريعة مؤيدة للاتفاقية، أما المواقف التي رفضت أو أدانت الاتفاقية، عدا عن السلطة الفلسطينية والكويت، فقد جاءت في معظمها من دول غير عربية مثل إيران وتركيا وماليزيا.

– الدول القليلة التي تنوي التطبيع، أو سائرة على طريقه، أصدرت بيانات ترحب بالاتفاقية، وكأنها تعلن عن فرحتها لظهور «من علق الجرس» ومن تجرأ أن يقود قافلة التطبيع المتجهة إلى تل أبيب بطريقة علنية، بعد أن عمل في السر على إنجازها. فقد جاء الترحيب من البحرين وعُـمان والسودان وموريتانيا والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه.

– تراجعت عُـمان مباشرة وأطاحت بوزير الخارجية يوسف بن علوي، وسمحت لمفتي سلطنة عُمان أحمد بن حمد الخليلي، أن يرفض التطبيع ويصرح بأن «تحرير الأقصى وما حوله دين برقبة الأمة جميعاً يلزمهم وفاؤه» وقال: لو أن المسلمين غير قادرين على تحرير الأقصى الآن فهذا لا يستوجب المساومة». الواضح أن عمان ليس لديها سبب يبرر التطبيع، فهي في حالة وئام مع إيران، ولا تحتاج إسرائيل ولا تبحث عن دور أكبر من حجمها، ولا تطمح بالتأثير في دول المنطقة، وقد اختارت سياسة لها تحت عنوان «النأي بالنفس وعدم الدخول في المحاور».

– أما السودان فيبدو أن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية حيدر بدوي، تسرع بإعلان تأييده لاتفاقية الإمارات مع إسرائيل، معلنا أن الاتصالات قائمة بين السودان وإسرائيل من أجل تطبيع العلاقات، واعتبر الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، «خطوة شجاعة وجريئة». ويبدو أن نقله من موقعه فورا ليس بالضرورة خلافا على جوهر ما قال، بل لأنه تسرع بالترحيب بالاتفاقية، بدون أن تجني السلطة الانتقالية أي مكسب، فالظروف المستجدة والانفتاح الأمريكي والغربي على الحكومة الانتقالية تبشر بذلك. لقد أكد رئيس الوزراء المؤقت عبد الله حمدوك، أمام بومبيو، الذي وصل الخرطوم في أول رحلة مباشرة من تل أبيب، أن حكومته ليست مخولة لاتخاذ قرار التطبيع، رغم العرض السخي الذي قدمة بومبيو بشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتقديم مساعدات مالية. نعتقد أن موقف حمدوك مهم، لكننا لا نظن أن السودان بعيد عن مسألة التطبيع بسبب الضغط الإماراتي والأموال التي دفعتها للعسكر لخطف ثورة الشارع، وفرض اصطفافها خلف سياسة الإمارات التطبيعية.

– أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، لاذ بالصمت لمدة عشرة أيام قبل أن يصدر بيانا باردا جدا، يؤكد فيه على الالتزام بالمبادرة العربية لعام 2002. تجاهل البيان كليا أي إشارة للدولة أو الاتفاقية. لقد اتصلت السلطة الفلسطينية بالسيد أبو الغيط، وطلبت عقد اجتماع طارئ للجامعة العربية لمناقشة هذا التطور الخطير، إلا أنه رفض الطلب وأحال الأمر إلى الاجتماع العادي الذي سيعقد يوم 9 سبتمبر المقبل، وكأنه موضوع ثانوي أُلحق في اللحظة الأخيرة. قارنوا بين هذا الموقف والموقفين اللذين صدرا عن الجامعة حول سد النهضة والدور التركي في ليبيا لتعرفوا الفرق ومن هو صاحب الأمر والنهي في الجامعة.

كما قلنا لقد تأخر معظم الدول العربية في إصدار بيانات إدانة أو تأييد. ونحن لا نتحدث عن بيانات الأحزاب والفصائل والحركات والنقابات والبرلمانات، بل عن الدول وقنواتها الرسمية.

– الأردن في البداية أصدر بيانا في منتهى البرودة حول انتظار نتائج هذا التطبيع وما إذا كان سيقود إلى نتائج ملموسة. ويبدو أن هذا الموقف لم يقنع أحدا لا في الأردن ولا في فلسطين، ما دعا وزير الخارجية أيمن الصفدي للقيام بزيارة إلى أريحا يوم 18 أغسطس، للقاء صائب عريقات، ليصدر عن الاثنين بيان واضح جاء فيه أن المسؤولين أكدا «أن الاحتلال هو أساس الصراع، وأن زوال الاحتلال وفق حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية، والاتفاقات الموقعة ومبادرة السلام العربية هو السبيل الوحيد لحل الصراع وتحقيق السلام العادل».

– السعودية، على عكس كثير من التنبؤات، تأخرت في إصدار بيان رسمي، ثم جاء الموقف على لسان وزير الخارجية فيصل بن فرحان، في مؤتمر صحافي مع نظيره الألماني هايكو ماس، يوم 19 أغسطس، أكد على التزام المملكة العربية السعودية بالسلام خياراً استراتيجياً، واستناده إلى مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية. ولكنه لم ينس أن يشيد «بكل خطوة توقف خطة الضم الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية».

– كذلك تأخر الموقف القطري الرسمي، ولم يصدر بيان رسمي عن الخارجية، لكن وزير الخارجية استعاض عن البيان باتصال هاتفي مع صائب عريقات يوم 20 أغسطس، ليؤكد له تمسك قطر «بالشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبادرة السلام العربية، كأساس لتحقيق السلام العادل والمستدام، الذي يضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشريف».

– الموقف التونسي الرسمي تأخر أيضا، فلم يصدر لا بيان عن الخارجية، ولا عن الرئاسة، واستعاض الرئيس قيس سعيد، الذي قال بعد توليه الرئاسة «التطبيع خيانة» عن البيان بدعوة السفير الفلسطيني في تونس هايل الفاهوم، يوم 19 أغسطس ليؤكد له وقوفه مع الحق الفلسطيني. وقد حرص سعيّد على أن يؤكد «إننا لا نتدخل في اختيارات بعض الدول، ولا نتعرض لها، ونحن نحترم إرادة الدول، فهي حرة في اختياراتها وأمام شعوبها». وأعتقد أننا نفهم أسباب هذه الجملة، التي تم إقحامها في النص.

– المغرب ذكر اسمه من بين الدول التي تسير على طريق التطبيع، فقد تأخر أيضا في إصدار بيان رسمي، واستعاض عن ذلك بظهور شخصي لرئيس الوزراء، سعد الدين عثماني، ليعلن أن المغرب لن يطبع مع الكيان الصهيوني «لأن ذلك سيعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني».

– الجزائر الرسمية لاذت بالصمت أولا، فأصدرت جبهة التحرير الجزائرية بيانا اعتبر الاتفاقية خروجا على الإجماع العربي. ثم عاد وزير الإعلام عمار بلحمير ليؤكد يوم 28 أغسطس، أن بلاده تضع القضية الفلسطينية ضمن الثوابت لسياستها الخارجية، مشددا على أن «الجزائر شعبا وحكومة مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». والسؤال لماذ تأخر البيان، ولماذا يصدر عن وزير الإعلام؟ ولماذا يعلن عن الموقف في معرض مقابلة مع وكالة أنباء روسية؟

– موريتانيا رحبت بالاتفاقية، واعتبرتها تقع ضمن سيادة الدولة، التي من حقها تسيير علاقاتها وتقدير مواقفها وفق مصالحها الوطنية. ويبدو أن موريتانيا تحاول وصل حبل الود مع الكيان، الذي أعلن عام 1999 ونتج عنه فتح السفارات وبررها وزير الخارجية آنذاك ولد العافية محمد خونا أنها «تندرج ضمن جهود موريتانيا لحل القضية الفلسطينية».

من سوريا لم نعثر على موقف رسمي، إلا على تعليق عابر من المستشارة بثينة شعبان في صيغة سؤال استنكاري، في معرض مقابلة مع قناة «الميادين» قائلة «ما هي مصلحة دولة الإمارات من هذا الاتفاق؟» وقد لزم كل من لبنان والعراق وليبيا واليمن الصمت.

وفي النهاية نقارن بين ردود الفعل على اتفاقية كامب ديفيد، التي وقّعها السادات في سبتمبر 1978 وردود الفعل على اتفاقية الإمارات الحالية، لنرى المسافة بين العالم العربي كما كان، والعالم العربي اليوم، فحتى الدول التي أصدرت مواقف من الاتفاقية جاءت متأخرة ومواربة وركيكة، ومن مسؤول متوسط المستوى. وهذا مؤشر إلى أين يتجه العالم العربي، فلا أسوأ من أنصاف المواقف، كما قال الشاعر مظفر النواب «أنا يقتلني نصف الدفء ونصف الموقف أكثر».

(المصدر: القدس العربي)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *